مقالات

حين يتحول النقد السياسي إلى تنمر جماعي

06/06/2026, 11:48:31

في العادة لا أشارك في المواضيع التي تشتعل بها مواقع التواصل، ولا أجد نفسي معنيًا بالركض خلف الترندات اليومية، ليس تجاهلًا لها، بل لأن ضجيج الحشود غالبًا ما يطغى على الجوانب الأكثر أهمية فيها.

لكنني أحيانًا أتدخل عندما أرى أن هناك زاوية تستحق الإضاءة، أو قضية تضيع وسط الصراخ الجماعي. وهذا ما حدث مع الجدل الدائر حول مهرجان "عيدنا موكا" الذي أقيم في المخا.

ولكي لا يسارع البعض إلى إساءة الفهم، فأنا لا أخفي موقفي الرافض لكل التشكيلات العسكرية التي تعمل خارج مشروع الدولة، بما فيها قوات الساحل الغربي وغيرها من الميليشيات التي نشأت وتوسعت خارج إطار المؤسسات الوطنية. كما أن لدي الكثير من الملاحظات على النهج الذي تتبعه هذه القوات في تقديم نفسها للرأي العام، وعلى الأنشطة التي ترعاها بينما لا يزال الهدف الذي قامت من أجله، بحسب خطابها المعلن، بعيد المنال.

لكن ما لفت انتباهي في هذه القضية ليس المهرجان نفسه، بل ردود الفعل عليه.

فبدلًا من توجيه النقد إلى الجهة المنظمة، أو مناقشة الرسائل السياسية الكامنة خلف هذه الأنشطة، أو مساءلة التناقضات التي تحيط بها، انحدر كثير من الخطاب إلى مستوى مؤسف من التنمر والتجريح الشخصي بحق الفنانين والفنانات المشاركين فيه، وكان نصيب بعضهم من الشتائم والإهانات أكبر بكثير من نصيب الجهة التي يفترض أن يكون الخلاف معها.

وهنا تكمن المشكلة.

فالنقد السياسي شيء، والتنمر شيء آخر.

من حقك أن تعارض أي قوة سياسية أو عسكرية، ومن حقك أن ترفض أي فعالية تراها جزءًا من مشروع دعائي أو محاولة لتلميع صورة جهة ما. لكن ليس من حقك أن تحول الفنان أو الإعلامي أو أي شخص آخر إلى هدف لحملات الإهانة والتشويه لمجرد أنه شارك في فعالية ما.

كثير من هؤلاء لا يذهبون إلى مثل هذه الأنشطة لأنهم يحملون مشروعًا سياسيًا، بل لأنهم يبحثون عن فرصة عمل في بلد سحقت الحرب اقتصاده وأفقه وفرص الحياة فيه.

والمفارقة أن هذا النوع من التنمر لا يضر الجهة المستهدفة أصلًا، بل يخدمها. لأنه ينقل النقاش من مساءلة المشاريع والسياسات إلى معارك شخصية رخيصة، ويجعل المتنمرين هم المشكلة بدلًا من أن تكون المشكلة في الجهة التي أرادوا انتقادها.

كان يمكن للمعارضين أن يطرحوا أسئلة أكثر أهمية وأكثر إيلامًا:
لماذا تُستثمر الموارد في هذه الأنشطة؟
وما الرسائل السياسية التي يراد تمريرها من خلالها؟
وهل تحولت الفنون والثقافة إلى أدوات لبناء نفوذ سياسي جديد؟

هذه أسئلة تستحق النقاش.

أما التنمر على الناس بسبب أعمالهم أو ظروفهم أو مشاركتهم في فعالية ما، فليس موقفًا سياسيًا ولا فعلًا نضاليًا، بل هروب من مواجهة القضية الحقيقية إلى أسهل أهدافها.

إننا نخسر أخلاقيًا عندما نحارب التنمر بتنمر آخر، 
ونخسر سياسيًا عندما نستبدل نقد المشاريع بملاحقة الأشخاص.

إذا كنت ترى أن مهرجانًا ما جزءًا من عملية تلميع سياسي، فاكشف التلميع وعرِّ المشروع الذي يقف خلفه.

أما تحويل الفنانين إلى أهداف للرجم المعنوي فلن يهزم ميليشيا، ولن يستعيد دولة، ولن يغير معادلة واحدة على الأرض.

إنه فقط يمنحنا وهم المعركة، ويجعل الأشخاص العاديين يدفعون ثمن صراعات لا يملكون قرارها، بينما يفلت أصحاب النفوذ من المساءلة.

نحارب الظل ونترك صاحبه،
ونكسر المرايا بدلًا من مواجهة الوجوه التي تنعكس فيها.

مقالات

قحطان.. رمز لمعاناة وطن وجريمة لن تسقط بالتقادم

لم تكن جماعة الحوثي مجرد طرفٍ في صراعٍ سياسي، بل مثلت انقلابًا على مجمل المكتسبات الوطنية التي راكمها اليمنيون عبر عقود من النضال والتضحيات. فمنذ أن اختارت العنف طريقًا، والسلاح وسيلة، والإقصاء منهجًا، دخل اليمن مرحلةً من التراجع العميق، تراجعت فيها قيم الدولة والقانون، وحلّت محلها ثقافة القوة، وغابت السياسة أمام منطق القهر، وأصبحت حياة الإنسان وكرامته رهينة مشروعٍ لا يتردد في استخدام كل وسائل البطش لإخضاع مخالفيه.

مقالات

رغم مسار التهدئة هذه الدول لن تعرف الراحة قريبا

لا تبدو المنطقة على أبواب استقرار حقيقي بعد إنجاز مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، فرغم اللقاءات التي أعقبتها في كل من سويسرا وقطر، فلا يزال التوتر قائما والأعصاب مشدودة وكل طرف يحاول عرقلة تنفيذ المكاسب التي حققها الطرف الآخر في المذكرة- الاتفاق، وقد تمضي الستون يوما المنصوص عليها في المذكرة دون تحقيق تقدم يذكر في ملفي النووي والأموال المجمدة؛ إذ ما زال الجميع مشغولين بملف مضيق هرمز الذي حركته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أدركت أنه نقطة قوتها الأساسية التي ستلوي بها يد العالم كله.

مقالات

إسرائيل لم تعد فوق السؤال في واشنطن

لطالما احتلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مكانة استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية. فعلى مدى عقود كانت الخلافات السياسية بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية تأتي وتذهب، بينما ظل دعم إسرائيل واحدا، من القلائل، من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط التي حظيت بإجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.