تحقيق استقصائي يكشف المستور .. هكذا تتحكم توتال الفرنسية بالغاز اليمني وتحرسها أعين الإمارات

  • معد التقرير: موقع ميديا بار الاستقصائي - مورجان ريمي
  • 07,Jan 2020

 من خلال الاستفادة من اعتماد اليمن على المواد الهيدروكربونية، فرضت الشركة الفرنسية متعددة الجنسيات نفسها منذ منتصف التسعينيات كلاعب رئيسي في معالجة وتصدير الغاز، تم إغلاق مصنع بلحاف العملاق منذ عام 2015 بسبب الحرب، في حين تريد البلاد إحياء نشاطها، تجد توتال نفسها أكثر من أي وقت مضى في موقع قوة.

 قال الناطق باسم الحكومة اليمنية راجح بادي لموقع ميديابار الاستقصائي (Mediapart ): "إن استئناف صادرات الغاز أمر مهم للشعب اليمني، الناس بحاجة إلى الغذاء والدواء والخدمات والتعليم"، لا شك أن اليمن يحلم بزيادة مبيعاته من الغاز.

 

في الواقع، كان مصنع الإنتاج الوحيد في البلاد، الذي تملكه شركة توتال الفرنسية العملاقة حوالي 40٪، يستطيع توفير ما يقرب من 7 ملايين طن سنوياً في شكل غاز سائل، قبل إيقافه بسبب الحرب في عام 2015.

 

كان وضع اليمن أقل بكثير من جيرانها الأثرياء في الخليج، ومع ذلك، فإن هذه العائدات المالية الضخمة يمكن أن تدوخ من أجلها رؤوس بعض القادة.

 

نظام صالح 

 

كتب خبراء الأمم المتحدة أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح نفسه "كان يشتبه في أنه جمع ما بين 32 مليار و60 مليار دولار خلال 33 سنة من حكمه"، وفي الوقت نفسه، كان ما يقرب من نصف السكان، أي أكثر من 10 ملايين شخص، "في حالة من نقص الغذاء"، وفقاً لأرقام عام 2012 من مؤشر أسعار المستهلك، وهو الهيئة المسؤولة عن قياس انعدام الأمن الغذائي في العالم.

 

توقف مصنع بلحاف عام 2015 جراء الحرب، وحولت الإمارات أجزاء منه إلى ثكنات عسكرية، بل وسجون سرية، وبحسب الحكومة اليمنية فإن هذا الاحتلال يعيق إعادة تشغيل المصنع. انكرت توتال أي فائدة أو تعويض أو ميزة من أي نوع تتعلق بهذا الموقف، وبررت إغلاق المصنع بسبب "الوضع الأمني والسياسي على الصعيدين الوطني والمحلي".

 

يبدو أن الجميع مهتم بزيادة الصادرات، بقي أن نرى على أي ظروف، نظراً لأن الشركة راسخة في البلاد قبل الحرب، فقد تفاوضت توتال من قبل لشراء كميات كبيرة من الغاز اليمني.

 

كيف فعلت ذلك؟ على مراحل وعلى مر الزمن، في الثمانينيات، انتقلت توتال إلى اليمن، أولاً في قطاع النفط، وبين عامي 1997 و 2015، قامت الشركة المتعددة الجنسيات بتشغيل الكتلة الإنتاجية في بلوك 10 الموجود في الشرق في منطقة المسيلة؛ كما أنها منذ عام 1996 تمتلك حصصاً في منطقة أخرى بالقرب من مدينة مأرب، لكنها لاحقاً ستستثمر أيضًا بسرعة في قطاع الغاز.

 

بالإضافة إلى توتال، تشارك العديد من الشركات الفرنسية الأخرى في بناء هذا المشروع، مثل شركة Egis التي كشف موقع ميديابار الاستقصائي مؤخراً أنها متهمة بالفساد في البلاد، إلى جانب شركتي Technip و Spiecapag.

 

قدمت حكومة نيكولا ساركوزي أيضاً الدعم من خلال ضمان عام بقيمة 311.5 مليون يورو، وهو تأمين يهدف إلى تحمل جزء من المخاطر التي تتحملها البنوك التي تمول مشروع البناء من الأموال العامة.

يتساءل بعض المراقبين اليمنيين عن التكلفة الخفية لهذا الاستثمار الضخم في بلادهم.

 

تصدير الغاز 

 

وقال عضو سابق في لجنة مكافحة الفساد شريطة عدم الكشف عن هويته "لدينا غاز يمكن استخدامه لتوليد الكهرباء وبدلاً من ذلك نقوم بتصديره".

 

يجب على اليمن توفير أكثر من 90 ٪ من إنتاجها من الغاز لتزويد المصنع الضخم، على الرغم من أن حوالي نصف الأسر اليمنية فقط لديها الكهرباء.

 

لم يحرم اليمنيون من الكثير من مواردهم فحسب، بل يكافحون أيضاً لجني فوائد مالية. "تم بيع الغاز بسعر منخفض جداً"، كما أكد تقرير 2018 عن الفساد في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.

 

وبصفتها المساهم الرئيسي، فإن توتال لها وزن مضاعف في الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال مثل المساهمَين اليمنيَين مجتمعين، وبهذا حصلت توتال على موقع قيادي مهم في المفاوضات الإستراتيجية، مثل تحديد أسعار بيع الغاز المسال للعملاء الثلاثة" كوجاس الكورية، جي دي إف سويز (الآن إنجي) وشركة توتال للغاز والطاقة"، وبحسب الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال فقد كانت المفاوضات عادلة وشفافة.

 

وحين نتساءل لماذا قد تقبل الحكومة اليمنية ببيع غازها بهذا السعر المنخفض، يجيبنا فرانسيس بيرين الباحث في معهد الأبحاث الدولية والاستراتيجية بأن "ذلك نتيجة علاقة القوة" التي تمتلكها توتال، فقد كان المشروع مهم بالنسبة لتوتال لكنه قاتل بالنسبة لليمن.

 

كان البرلماني علي عشال ينتقد الأمر دائما قائلاً "أنا متأكد أن هناك فساداً كبيراً، ولا سيما مع الشركات الوهمية"

 

تم ربط شركة "توتال إي أند بي اليمن" التابعة لشركة توتال، بالإضافة إلى شركة اليمن للغاز الطبيعي المسال، بثلاث شركات تعاقدت من الباطن على بعض الخدمات مثل الأمن والنقل: تحالف شركات جريفين ليميتد للشركات التي تتخذ من صنعاء مقراً لها ويرأسها هيثم العيني، نجل رئيس وزراء السابق؛ الشركة البريطانية G4S، من خلال فرعها اليمني Group 4S Security Services Yemen Limited، الذي يعد مستشار صالح، فارس السنباني، أحد الشركاء فيها؛ ومجموعة الماز، التي احتكرها ابن شقيق الرئيس يحيى محمد عبد الله صالح. حتى ذلك الحين، لا شيء غير طبيعي.

 

وقال النائب علي عشال، العضو السابق في لجنة مكافحة الفساد في مقابلة مع موقع ميديابار الاستقصائي، "حصلت الشركات المرتبطة بتوتال على مبالغ عالية بشكل غير طبيعي مقابل الخدمات التي تقدمها".

 

ويضيف مصدر قضائي، مدعياً أنه شاهد على نسخ من العقود التي تحكم التعاقد من الباطن، دون أن يتمكن من الاحتفاظ بها "العقود بين توتال، الماز، G4S وجريفين تشير إلى أن الأجور بين 2000 و3000 دولار للعامل الواحد.

 

أموال طائلة 

 

وبالطبع، لم يستلم أحد هذه المبالغ"، أكد ممثل سابق لعمال الماز أنهم لم يتلقوا سوى بضع مئات من الدولارات شهريًا.

 

وقد صرح الناطق الرسمي لشركة جريفين المحدودة بأن المبالغ لا تدفع كاملة لأن هناك مدفوعات أخرى للموظفين كالضرائب والرسوم وغيرها.

 

أما شركة توتال فأكدت أن "لا علاقة لها بالفساد الحاصل في اليمن وما هي إلا شركة صغيرة محدودة التأثير، وشركة توتال لا تتسامح أبداً مع الفساد" اما شركة الماز و G4S فلم تعلق.

 

وعلاوة على الحماية التي تقدمها هذه الشركات، إلا أن توتال تنفق الكثير من الأموال للقوات المسلحة لحماية منشآتها النفطية والغازية.

 

 

وقد أكد عشال، العضو السابق في لجنة مكافحة الفساد" "قطاع مربح للغاية يساوي ملايين الدولارات شهريا. تدفع الأموال مباشرة إلى وزارة الدفاع".

 

وكشف تقرير برلماني يمني نُشر في عام 2014 وكشفه الصحفي اليمني محمد العبسي (اغتيل بالسم عام 2016) عن المدفوعات السنوية التي تقدمها عدة شركات نفطية بقيمة 240 مليون دولار لقادة الجيش لتأمين منشآتهم، منها 10 ملايين دولار لمصنع بلحاف.

 

وقالت شركة توتال"لا يوجد عقد بين الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال ووزارة الدفاع اليمنية".

 

من ناحية أخرى، كان هناك اتفاق بين الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال ووزارة البترول دفعت فيه الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال مبلغاً شهرياً كجزء من مساهمتها في بعض النفقات اللوجستية (الغذاء والماء والكهرباء) المرتبطة بالقوات العسكرية التي تم حشدها حول المصنع وعلى طول الأنبوب" تضيف الشركة المتعددة الجنسيات.

 

في هذه الظروف انفجر الربيع اليمني، لأنه رغم أموال النفط والغاز التي تنسكب على بعض الشخصيات، شركات أو عسكر، فإن الشعب اليمني كان يعاني من المجاعة وبدون مياة صالحة للشرب، ولا كهرباء.

 

بعد ثورة 2011

 

نزل الناس في 2011 إلى شوارع صنعاء العاصمة وفي بعض المدن الكبيرة كتعز وعدن للمطالبة بإصلاحات سياسية ومغادرة صالح.

 

قال الكاتب حبيب عبد الرب سروري إن "الصراع ضد الفساد كان يشكل أحد أحجار الأساس للربيع اليمني". غادر صالح السلطة وسلم الحكم إلى نائبه هادي عام 2012.

 

طالب هادي بإعادة النظر في أسعار الغاز محاولاً ارسال إشارة للشعب أنه ضد فساد صالح. ولكن الوضع استمر كما هو عليه.

 

هذه هي الطريقة التي يمكن بها تفسير اتفاقية 2013 التي اقترحتها توتال بدعم من الرئيس هادي، والتي كشف عنها مرة أخرى الصحفي اليمني محمد العبسي والتي استطاع موقع ميديابار الحصول عليها.

 

كانت توتال ضد إعادة النظر على أسعار بيع الغاز وقدمت قرض بقيمة 100 مليون دولار للحكومة، وطالبت بمقابل كبير.

 

فقد طالبت الشركة الفرنسية بشكل خاص تنفيذ برنامج استكشاف جديد في منطقة مأرب. وانتهزت الفرصة "للتعبير عن اهتمامها" لستة بلوكات بحرية جديدة.

 

يتساءل عبد الواحد أحمد العوبلي، وهو ناشط يمني يعيش الآن في المهجر: "كيف نفسر هذا السوق غير المتكافئ؟"

 

 

قالت توتال دون أن تجيب على سؤالنا حول الشروط غير العادلة للترتيب المقترح: "طلبت الحكومة اليمنية من توتال مساعدتها في تطوير مجال التعدين. لكن المحادثات لم تسفر عن توقيع أي اتفاق" .

 

وثائق واتفاقات

 

 

تشير الوثيقة التي تم الكشف عنها أيضًا إلى المناقشات المتعلقة بتزويد محطة بالحاف بالغاز. من أجل مواكبة ذلك، فإن الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال، تحالف الشركات الذي تملكه شركة توتال بنسبة 40٪ والتي تصدر الغاز المسال - يضع في الواقع ضغطاً مستمراً على شركة صافر، الشركة العامة التي تستخرج الغاز من منطقة مأرب.

في تبادل للرسائل بين عامي 2012 و 2013 والتي تمكن موقع ميديابار من الحصول عليها، أوضحت صافر مراراً لشريكها عواقب مثل هذه الشهية: يمكن أن تؤثر مشاكل الضغط على الحفاظ على الودائع اليمنية على المدى الطويل.


أجابت توتال على هذه النقطة "لقد أوضحت الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال عدم موافقتها على هذه الاستنتاجات". وبالتالي ظلت التنبيهات حبرا على ورق.

 

في عام 2013، صدر مصنع بلحاف صادرات أكثر من توقعاته الأولية وفقاً لإحصائيات شركة بريتيش بتروليوم.

 

 

يقول جاك أزبيرت، المدير العام للشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال والمدير التنفيذي منذ فترة طويلة في شركة توتال: "مرافقنا في أفضل حالاتها".

 

في زمن الحرب 

 

 

يعتبر مصنع بلحاف استثناء، فهو يشتغل بكامل طاقته، منذ تولي الرئيس هادي السلطة، تصاعد التوتر العسكري واضطرت حكومته الانتقالية إلى التعامل مع عدة هجمات على المنشآت النفطية. وفقًا لرسالة من خبراء الأمم المتحدة، من الممكن أن يكون راعي الهجمات هو الرئيس السابق المخلوع، علي عبد الله صالح.

 

في عام 2015، عند تدويل الصراع، تم تعليق الأنشطة اليمنية للعملاق الفرنسي وغادر موظفوها الأجانب البلاد.

 

 

بالنسبة للموظفين المحليين، تم فصلهم في الغالب بوحشية، بعضهم عن طريق الرسائل القصيرة مثل سائقي الماز، وفقا لأحدهم، وهو أيضا ممثل للموظفين، لم يتم تعويض أي منهم.

 

مع ذلك وقف هؤلاء السائقين في المحاكم اليمنية ضد هذه الشركة الفرنسية ومقاوليها من الباطن.

 

بعد التغطية الإعلامية لقضيتهم، أوضح السائقون أنهم حصلوا على ما يزيد قليلاً عن 4000 دولار.

 

 

وقال أحد السائقين: "استلم جميع السائقين نفس المبلغ بينما عمل بعضهم في شركة توتال منذ خمسة وعشرين عاماً.

 

ومعظم الموظفين الآخرين لم يستلموا شيئًا"، وأنكرت توتال: "لقد ضمنت شركة توتال أي أند بي يمن امتثال جميع شركات الخدمات المذكورة أعلاه لالتزاماتها تجاه موظفيها في حالة الفصل من الخدمة وفقًا للقانون اليمني".

 

الأمر نفسه ينطبق على شركة جريفين ليميتد، التي أكدت أن "جميع الموظفين قد حصلوا على تعويضات على الرغم من أن بعضهم يشكك في المبلغ". أما شركات الماز و G4S فلم ترد على تساؤلات موقع ميديابار.

 

توقف العمل في مصنع بلحاف من ذلك الحين، ولكنه في حالة جيدة من قبل فريق مخفض من 50 موظفاً "متطوعاً" يمنيًا.

 

يسمح له وضعه بإعادة التشغيل في غضون بضعة أشهر فقط، متى وتحت أي ظروف؟ تحت العين الساهرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تحتل عسكرياً جزءاً من الموقع، وفرنسا، التي تحتفظ بالمصالح المالية هناك، أصبحت توتال اليوم في وضع يمكنها من إعادة التفاوض مع حكومة يمنية أضعفتها الحرب إلى حد كبير.