ثقافة الموت لدى الحوثيين.. قتلى الحرب مجرد أرقام

  • معد التقرير: خاص
  • 29,يناير 2020

ينظر كثير من اليمنيين لصور قتلى الحوثيين وبهذه الأعداد المهولة بحزن عميق، فالصور التي ينشرها الحوثيون تباعًا سواء لصور القتلى القادمين من الجبهات أو للمقابر التي تضاعفت خلال سنوات الحرب بما لم يعهده اليمنيون من قبل، تلخص حجم الكارثة التي نعيشها! وكيف أن هؤلاء الشباب كان يمكن الاستفادة منهم في بناء البلد، وعلى الأقل لا يستحق كل هؤلاء الموت بهذه الطريقة وفي هذه المعركة الخاسرة، ولولا الاستغلال ودافع الحاجة والإكراه الذي يتعرض له الكثير منهم لكان اليوم ينعم بجوار أهله وأسرته ويعيش مثل باقي الناس.


هذه النظرة العامة للموت والقتل تختلف كمًا وكيفًا عن الطرف الأخر (طرف الحوثيين) والشيء الذي لا ينتبه له البعض، أن فارق الثقافة المجتمعية والدينية، وما يفرزه ذلك من نظرة للأشياء لا ننتبه لها أحيانًا فنعيش في تناقض وتتكاثر الأسئلة ولا نجد لها إجابة شافية، وما يجري على الحوثيين في هذه الجزئية بالذات يجري على التحالف وأخص بالذكر السعودية على وجه خاص في قضايا أخرى ليس هذا مجال للبسط فيها.


الحوثيون – مثلًا - لا يبالون بمن يموت في صفوفهم؛ لأن الثقافة لديهم تمجد الموت وترفعه إلى مصاف الأشياء الكبيرة، صحيح بأن المسلمين يقدسون الشهادة ولكنهم يحصرون القتال بعدو واضح المعالم، ويضعون له سياقات مختلفة تمامًا، بل حتى الذي يموت يتصل الحزن بأهله وذويه، ويفتحون أبوابًا للعزاء مثل باقي الموتى مع فارق طفيف بكونه قتل في معركة شريفة، ولا يفتح باب للتباهي بالموت كما يفعل الحوثيون.


في عرف الحوثيين وهذا مكتسب من ثقافة دينية وتاريخية طويلة يصل مداها لألف عام، حيث يختلف الأمر تمامًا لديهم، بل يمكن القول، بأن المعادلة معكوسة، فثقافة الموت، تجل الموت هدفًا أساسيًا، ويعد هؤلاء القتلى مجرد أرقام بكل ما تعني الكلمة من معنى، بل يصبح التباهي بالكثرة شيء عادي، فهم عبارة عن ورقة رابحة في أي حوار مستقبلي مع الطرف الأخر (الشرعية)، بل هي تعميد مباشر لتثبيت الحكم والحصول على كل مطالب السلطة والثروة.


في العرف العام لدى الجيوش والدول بشكل عام، أن الدخول في أي معركة يدفع القائد لحساب الربح والخسارة، وأن العنصر البشري يقف على رأس هذه القضايا ويحظى بأولوية عالية، فالنصر والهزيمة مرتبط بمقدار ما يحقق الشخص من نتائج مقابل أدنى مستوى من التضحية بالعنصر البشري، هذه المعادلة مقلوبة تمامًا لدى الحوثيين، فلا ينظر لعدد القتلى مطلقًا، ولا يلتفت لهذه القضية أبداً، ولا تمثل أي مراجعة أو حتى مؤشر للتخفيف منها في قادم الأيام، فالعنصر البشري ولد ليموت وليقدم التضحية وهو عبارة عن قربان وقطفه بأي عمر جائز ومتاح، ولذلك لا يتم الاهتمام بالتدريب، وبمجرد ما يحصل الفرد (العنصر المقاتل) على أساسيات أولية في التعامل مع السلاح، وقد لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا، يصبح جاهزاً للدخول في المعركة، بل يقذف به إلى الخطوط الأمامية.


في المعركة الأخيرة التي دارت في نهم تقول مصادر خاصة بأن بعض الذين تم زجهم في الجبهات ما بين دخولهم الجبهة وما بين خروجهم قتلى ساعات قليلة لا تزيد بعضها عن العشر.


إن الجماعة تولي الجانب العقائدي والفكري والثقافي أولوية تفوق أولية التدريب، فهي تضع في عرفها أن الفرد يقاتل بالمعنوية والقضية التي يعتقد صوابتها، وأن النصر مرتبط بهذا المبدأ فقط، وأن التدرب على السلاح هو شيء ثانوي.


هذه الطريقة بقدر ما تحقق من ثبات للفرد غير أنها تجعل الخسائر في صفوفهم كبيرة وبشكل مرعب، وهذا ما جعلهم يلجئون إلى الأطفال بعد استنزاف الكبار، وهناك قرى في مناطق الحوثيين خالية من الذكور إلا من كبار السن ومن الأطفال دون العاشرة كما هو الحاصل في صعدة ومناطق بني حشيش شرق صنعاء والمحويت وحجة وغيرها.

وبالعودة إلى التراث لهذا الجماعة، فالزيدية الهادوية وهي فكرة سياسية واضحة المعالم والأهداف، وهي مغلفة بغطاء ديني، فقد ولدت كنظرية سياسية يسعى أصحابها للوصول للحكم والسلطة، وهذا الوصول ليس استحقاق سياسي بحسب شروط الزمان والمكان وظروفهما، وإنما كحق إلهي مقدس بنص ديني خفي غير جلي، بأن الإمامة حق إلهي حصري في سلالة بعينها ولا يجوز منازعتها فيها (1). وبالتالي: لا يمكننا اليوم فهم وتفسير الظاهرة الحوثية وتفاعلاتها بمعزل عن جذور هذه الفكرة الأم، أي "الهادوية" الزيدية وسياقاتها التاريخية التي تفسر لنا بوضوح، حقيقة هذه الجماعة كامتداد للفكرة الأم، الفكرة المؤسسة " للزيدية " بطبعتها "الهادوية" التي تجلت بتاريخ طويل من الصراعات والحروب التي تطفح بها كتب تاريخ المذهب ومؤسسيه، وحتى كتب فقه المذهب وأحكامه وأصوله التي تعُد الإمامة "السياسية" أصل الأصول.


لقد ارتكز حكم الأئمة الزيدية على نظرية للتقسيم الاجتماعي الطبقي السلالي والفئوي التي تصدّر الأئمة الزيدية قائمتها، كسلالة منتقاة من بين البشر، ومن ثم من بين أبناء الزيدية المنتقين من بين أبناء اليمن عامة الذين كان ينظر إليهم ككفار تأويل، أي يتأولون الإسلام تأويلا غير صحيح، أو ككفار بالإلزام، لا وظيفة لهم سوى دفع الإتاوات المختلفة لخزينة سلطة الأئمة ودويلاتهم حسب ما يقول شريف عبدالعزيز.


إن ثقافة الموت التي يسير عليها الحوثيون في هذه الأثناء ليست سوى امتداد طبيعي لتاريخ صراع الإمامة الشديد والمرير مع اليمنيين، فخلال ثمانية قرون أثناء حكمهم سواء الكل أو الجزء لمناطق في اليمن قتل الآلاف وفي كل حرب كانت يموت المئات ولا ينظر لهم بأي خسارة أو يعبر عنهم بأي ألم. كما تكشف كتبهم عند الحديث عن القتلى من أبناء القبائل لا يتم الاهتمام ولا النظر لها من زاوية الخسارة، وكل ذلك في كل الصراعات والحروب التي خاضوها، فلم يكن للعنصر البشري أي اهتمام، حيث ينحصر الاهتمام على الأسرة والسلالة الحاكمة فقط وما عداة فقد ولد لكون قربانًا لهم.