أفق تعز الممكن: إقامة سلطة الناس وقيادة عملية تحرير شعبية

أفق تعز الممكن: إقامة سلطة الناس وقيادة عملية تحرير شعبية
بقلم 
في تعز لا يزال العدو رابضا على مداخل المدينة. يحصي أنفاس ساكنيها وينتظر لحظة الانقضاض. وفي الداخل تجثم على أنفاسنا تخمة الفساد وروائح الطبخات المشبوهة.

أما آن لهذه المدينة أن تترجل؟
بعد خمسة أعوام من الحرب المتواصلة ومن الحصار المضني، لا يبدو أن ثمة أمل في أن تغادر سكان تعز هذه المعاناة الطويلة، ليس ثمة أمل في أن تتبرعم الأحلام التي سقيت بدماء الشهداء الطاهرة.

العدو يناور مستقويا بقلة حيلتنا. ومن يفترض أنهم سيحررونا منه أو كما هو تعويلنا، لم يعد يعنيهم من أمرنا شيئا بقدر ما يعنيهم كيفية استثمار جراحنا المفتوحة. جروح أبطالنا تتعفن، مصالحنا تدمر، وحلمنا العزيز يكاد أن يتلاشى، أما أرواح شهدائنا فتراقب كل هذا بصمت وتنتظر ما نحن فاعلون.

لم تعد سياسة إدارة الأوضاع بالأزمات، مجدية، فهذه سياسة هدفها تعميق المأساة وحتى يسهل حمل الناس على الاستسلام في نهاية المطاف.
مر عام منذ خروج أبو العباس، وها هي الإمارات تغادر، الأمر الذي يجعل من توقف عملية التحرير تفتقد لأي تبرير سواء كان سخيفا أو يمكن النظر إليه.

اليوم أصبح صوت الناس يرتفع، ليس فقط أمام تدهور الأوضاع على مختلف المستويات ولكن أيضا ـ وهذا هو المهم او كما يفترض ـ أمام استمرار تجميد معركة التحرير. لم يعد من المتاح تبرير هذا الاسترخاء وليس هناك إجابة ترد على سؤال: لماذا لا توجد أي بوادر لتحريك الجبهات وخوض المعركة المؤجلة والتي أصبحت كلفتها مدفوعة سلفا وعلى نحو مضاعف؟
 
الأفق الوحيد الممكن بل والوحيد لوضع نقطة في نهاية سطر التعاسة، وفتح صفحة جديدة للأمل، يتمثل في العمل من أجل إقامة سلطة شعبية بديلة يقوم باختيارها الناس أنفسهم
 
بل الأخطر يأتي من كون القادة العسكريين والمسئولين في قيادة السلطة المحلية في تعز، أصبح لديهم استعداد ضمني للتصالح مع الحوثي. أو هذا ما عبروا عنه أثناء مسارعتهم للتجاوب مع مبادرته عندما أعلن استعداده لفتح معابر أمام حركة وتنقلات المواطنيين.
 
مبادرة الحوثي التي كانت عبارة عن مناورة لجس النبض واختبار مدى تعب الناس ويأسهم، ومدى توفر الشروط أمام عقد الصفقات التي بتنا نشتم رائحة طباختها منذ فترة. هذه المناورة لم يمر عليها أكثر من أسبوعين، وبالأمس (يوم الأربعاء 23 أكتوبر) استشهد طفلين جراء قصف هذه الجماعة لمناطق سكنية في تعز.

استشهد الطفل الأول في الضباب (المدخل الجنوبي والوحيد لمدينة تعز) والثاني في جبل حبشي جراء سقوط قذائف أطلقتها جماعة الحوثي من المناطق التي تسيطر عليها في أطراف المدينة وريفها الغربي. بحسب ما أشارت مصادر إعلامية.

والآن ثمة دعوات للخروج والاحتجاج لكن دون أن يكون هناك برنامج واضح أو حساب للتعقيدات التي لا تزال قائمة. فالناس في تعز حتى وان هللوا لوعود الحوثي بفتح معابر تخفف من معاناتهم لا يزالون في قرارة أنفسهم يصنفونه كعدو أول، ولولا تمييع معركة التحرير وفقدان الأمل في إعادة تفعيلها لما كانت مناورة الحوثي تلك حظيت بأدنى اهتمام.
 
ليس البرنامج فقط هو المهم والذي يجب أن يكون هدفه الرئيسي تحرير تعز بقوة السلاح كأبسط استحقاق شعبي. ولكن أيضا أن يكون هناك آليات من نوع مختلف يمكن من خلالها تدشين عملية احتجاج واسعة توفر شروط اقتلاع كل الفاسدين والعابثين والمتواطئين مع بقاء هذا الوضع وفي نفس الوقت، تنظيم الجهود والاستعداد لعملية تحرير شعبية.
 
ما يعني أن الأفق الوحيد الممكن بل والوحيد لوضع نقطة في نهاية سطر التعاسة، وفتح صفحة جديدة للأمل، يتمثل في العمل من أجل إقامة سلطة شعبية بديلة يقوم باختيارها الناس أنفسهم ومن أجل أن تقوم برعاية مصالحهم وبالتوازي تشكيل جيش شعبي للاستعداد وخوض معركة التحرير.
 
بعد خمسة أعوام من الحرب وأربعة أعوام من الحصار، أصبح من الضروري اجتراح بداية جديدة، من منطلق جديد وبأدوات مختلفة. مصيرنا كيمنيين لا يزال بيدنا وليس بيد هادي أو السعودية، كما ليس بيد سلطة فاسدة وجيش أصبح قاداته غارقين في اللصوصية وفي الحسابات القذرة.
 
لو أن ثمة احتجاج سيخرج في تعز، يوم السبت المقبل (بحسب الدعوة التي أطلقها ناشطون) فيجب أن يوجه هذا الاحتجاج رسالة واضحة لكل المواطنين، في الريف والمدينة، في المناطق المحررة وفي المناطق غير المحررة، بأن عليهم الاستعداد لمسك زمام الأمور وتقرير مصيرهم بأنفسهم. دعوة المقاومين الأوائل بأن يبادروا ويعيدوا ترتيب صفوفهم، ودعوة العسكريين المستبعدين ومطالبتهم بفتح معسكرات تدريب للبدء في التجمع والاستعداد لمعركة التحرير.
 
دعوة الموظفين إلى تشكيل لجان للإضراب المدني، وتشكيل لجان شعبية في مختلف الأحياء والقرى لاستقبال التبرعات والمتطوعين وحفظ الأمن. على أن يكون هذا بمثابة تدشين برنامج احتجاج أسبوعي، يعم كل مناطق تعز.
 
لم يعد هذا زمن الاحتجاجات السلبية والمطلبية. اليوم أي فعل أو تحرك شعبي فيجب يتوخى أمرين أساسين: إعادة تنظيم الناس للقيام بدورهم والتوجه المباشر لحل المشاكل والقضايا الملحة. وأول قضية يجب التصدي لها وحلها بشكل جذري هي قضية الجرحى عبر تشكيل لجنة من الجرحى أنفسهم ومن الأطباء النزيهين وغير المنخرطين في جوقة الفساد ومن متخصصين في الجانب الإداري والمحاسبي، ثم تحديد أحد المصادر الايرادية (ضرائب القات مثلا) وإسناد أمر إدارتها لفريق يقوم بجمع هذه الضرائب لصالح علاج الجرحى.
 
وعلى أفراد الجيش (بالذات المقاومين الأوائل) أن يوفروا الحماية لهذه الفرق تضامنا مع زملائهم الجرحى لكن أيضا كمهام ثوري عليهم القيام به ولو بقوة السلاح. وعلى الاحتجاج أن يوفر غطاء شعبي لأي التحرك ضمن هذا الإطار.
هذا هو الأفق الوحيد والممكن لأي خروج شعبي في تعز، سواء كان يوم السبت القادم أو بعد عام. وكما تعلمون لم يعد أمام الناس شيئا لتخسره سوى معاناتها وهذا الصمت المخجل.
وسام محمد

صحفي يمني