الاحتجاج لا يكفي !

الاحتجاج لا يكفي !
بقلم 
خطر الصمت كبير للغاية، لكن الأخطر هو أن الأعمال الاحتجاجية بحسب ما درجت عليه العادة لم تعد ذا جدوى. ليس فقط لأن لدينا واقع مختلف لم يعد يستجيب للأشكال الاحتجاجية التي عرفناها ولا نزال نحاول ممارستها المرة تلو الأخرى، ولكن لأن طبيعة المهام اختلفت. ولأن التجربة يفترض أنها قد علمتنا كثير من الدروس.

في السابق كان الاحتجاج من خلال المسيرات والمظاهرات والاعتصام والإضرابات يعد بمثابة تهديد حقيقي لسلطة الاستبداد، ومغامرة من أجل إعادة فتح المجال العام أمام حركة الجماهير وللتعبير عن غضبها وممارسة فعل الحرية عمليا. لهذا كان يصبح الجانب المهم عند تقييم النتائج التي كانت تترتب على مثل هذه الاحتجاجات، هو ذلك المتعلق بالشق المعنوي، بالرمزية وبامتلاك الناس لأصواتهم وبهز بنية الاستبداد وخلخلته.

لكن في مراحل لاحقة، خصوصا عندما نكون أمام مشهد الحرب الأهلية التي نجحت الثورات المضادة في إشعالها، فإن الفعل الاحتجاجي يصبح أمام مهام من نوع مختلف، يتجاوز الأهداف السابقة ويأخذ النتائج على محمل الجد ويبدأ من حيث توقف برنامج المراحل السابقة لا إعادة تكرار ذات الأفعال الاحتجاجية التي ستصبح مثيرة للشفقة وبدون نتائج تذكر والأخطر عندما يصبح هذا هو الحال أن هذه الاحتجاجات سوف تعزز حالة اليأس على عكس ما يفترض.

بالطبع من المهم التمسك بكل المكتسبات التي تحققت بفضل حركة الجماهير وتضحياتها، وعدم السماح بمصادرتها تحت أي ظرف. والعمل بكل السبل من أجل ذلك. لأن هذا يعد بمثابة حماية للأرضية التي من خلالها يمكن الترتيب لنقطة انطلاق جديدة. لكن حتى الحفاظ على هذه المكتسبات سوف يتطلب إبداع طرق نضالية جديدة.
 
توحد الناس في السابق خلف شعار إسقاط النظام. اليوم لدى الناس قابلية أن يتوحدوا خلف شعار مضاد للأحزاب (ليس لأعضائها) والسياسة القائمة. الأمرين ليس نفس الشيء حتى نستخدم ذات الطرق التي درجنا عليها.
 في السابق توحد الناس خلف هدف مقاومة الانقلاب وهزيمته. اليوم لا يمكن للناس التفريط بما تحقق على شحته أو المساواة بين الجميع لمجرد أننا محتقنين.
 
الاحتجاج لا يكون إلا أمام سلطة قائمة وقوية، وبالاستناد إلى الافتراض الدستوري أن السلطة ملك الشعب
هناك مستويات للأعداء وحتى مستويات لطبيعة الفعل الاحتجاجي. غير أن ما سيوحد الناس هو ذلك الفعل الذي يفتح مسارا جديدا على مستوى الخطاب والممارسة لأجل استكمال المعركة من حيث توقفت أو تميعت. ما يعني البحث عن أشكال مقاومة جديدة.
بالطبع لا يمكن للوسائل أن تكون مغتربة عن الغايات، ولعل طبيعة الاحتجاج (أفضل استخدام مصطلح الفعل الشعبي وسوف أوضح السبب لاحقا) المطلوب اليوم سوف يتوضح أكثر مع توضح طبيعة البرنامج الذي يأتي في صدارته مسألة القدرة على  خلق الأمل.
 
وهذه عملية ليست بسيطة، كونها تنطوي على عدة عناصر، وفي مقدمتها التحليل الموضوعي للواقع الراهن. نحن نعلم أن ثورة فبراير اندلعت لأن الناس كانت قد فقدت الأمل في قدرة النظام على إنتاج حلول للمشاكل التي تواجهها، والتي هي ذات طابع اقتصادي اجتماعي وسياسي. لكن ما حدث هو أن اليأس تعمم مع فشل الثورة ثم عند اندلاع الحرب والآن بفعل تسيد طبقة سياسية باتت تستخدم الدولة ومقدرات الشعب كغنيمة غير معنية بما طرحته الثورة من مطالب ومهام وغير قادرة على إنتاج صيغة عمل وتوجهات سياسية وعسكرية وإدارية من شأنها هزيمة الانقلاب وإعادة الأمل للناس.
 
ما يحدث هو مزيد من الانهيارات والغرق في مستنقع الحرب واللادولة.
ما يعني أن أي فعل شعبي هو مطالب قبل كل شيء باستيعاب هذا الواقع، ثم بناء على ذلك إبداع خطاب وممارسة نضالية متوائمة، يكون في مقدمة أهدافها إعادة خلق الأمل بالتزامن مع تقديم أدلة ملموسة على ذلك. أو من خلال بناء وتكريس نماذج واضحة قابلة للتجدر والانتشار. وهذا لن يتحقق ما لم يقترب من ينظمون الحركة الاحتجاجية ويدعون لها، من الجماهير ودراسة حاجاتها وممكناتها وفتح المجال واسعا أمام مشاركتها المنظمة.
إذا الأمل لا يخلق عبر خطاب عام، ولكن بالتزامن مع ممارسة تؤكد على أننا لم نعد نحتج في مواجهة أشباح أو لأجل أهداف غائمة كما أننا لا نلقي كلاما في الهواء.
 
ثم أن الأمر يتعلق بطبيعة الظرف الراهن وبعنصر الشرعية الذي لا يمكن الحديث عن أي فعل احتجاجي أو شعبي بدونه.
بالنسبة لطبيعة الظروف الراهنة، يفترض أنها ستحثنا على نفي ليس فقط الأشكال الاحتجاجية التقليدية حتى مع استمرار استخدامنا لها، ولكن أيضا نفي مصطلح الاحتجاج، واستبداله بمصطلح النهوض الشعبي مثلا. الاحتجاج لا يكون إلا أمام سلطة قائمة وقوية، وبالاستناد إلى الافتراض الدستوري أن السلطة ملك الشعب. لكن عندما لا يكون ثمة سلطة قائمة على نحو حقيقي وليس ثمة دستور ينظم العلاقة بين الشعب والحكام، ولدينا هذه المشاكل والقضايا المطروحة، فإن هدف التحرك الشعبي سيكون ذو أبعاد مختلفة. أي من خلال التصدي المباشر للحاجات شعبيا وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة على هشاشتها لكن أيضا مع الحفاظ على استقلالية هذا التحرك.
 
لن يكون مجديا اليوم مطالبة الدولة بأن تستجيب لأي قضية بينما نعرف كم أنها غارقة في الفساد وفي قلة الحيلة وكم أنها مكبلة وفي المحصلة الأخيرة لأنها أساسا عبارة عن خلاصة ثقافة وممارسة سياسية قامت الثورة ضدها. لكن من الممكن أن يتم انتزاع الحقوق المتعلقة بالقضايا الملحة من خلال ثلاثة مسارات:
ـ دراسة هذه القضايا بموضوعية وبناء التصور الأفضل لحلها.
ـ الضغط شعبيا وبالتنسيق مع الإشكال المؤسسية القائمة لتطبيق هذه الحلول.
ـ خلق آليات للرقابة الشعبية لضمان عدم عودة الوضع السابق ومن أجل مواصلة البناء على ما يمكن تحقيقه بحسب ما تمليه معطيات الواقع وتطور خبرة الجماهير.

سيعني هذا خلق تحالفات أفقية بين الباحثين والإعلاميين والقانونيين والنشطاء وقواعد الأحزاب وتجمعات من مختلف الاهتمامات والتخصصات وبالذات تلك التي تدخل ضمن مصفوفة القضايا التي يتم التصدي لها. ومن هنا يمكن أن نستمد شرعية لهذه الاحتجاجات. مسألة الشرعية مهمة للغاية. وهي ترتبط بفعل حقيقي على الأرض. ولضرب مثال على ذلك، فإنه في عهد الثورة التكنولوجية يمكن لأيا منا ان يرفع الشعار الذي يريده عبر صفحته بالفيس بوك طالما أنه يعبر عن مطالب مشروعة. غير أن الشعار الذي سيكتسب شرعية شعبية ليس ذلك الذي نرفعه بصورة منفردة ولكن عندما نرفعه معا في الشارع حتى وان صغناه وحملناه منفردين.
 
غير أن هذا يتعلق بالاحتجاج التقليدي الذي أصبح من الضروري نبذه. لأن الشعار الذي سيكتسب شرعية اليوم سيكون ذلك الذي يرفع في الميدان ويعثر على الطريقة المناسبة لتحقيقه شعبيا وبانتزاع ما يمكن انتزاعه من الدولة.
طالما لدينا شك حول قدرة مؤسسات الدولة ومسئوليها على إخراجنا من المستنقع فإن أي فعل احتجاجي بالطرق التقليدية سوف يجعلنا إما عبثيين او بالتعبير الدارج: مجرد محانكين.
 
وفي أحسن الأحوال ننفس عن احتقان سوف نستسلم بعده لدورة يأس جديدة. ولعل هذه الأخيرة هي الأفق الذي يتحكم بنا حتى الآن. بدليل أن كثير ممن يدعون للاحتجاجات يظلون يتعاملون مع الدولة وكأنها كيان مجسد وفي كامل عافيته بل وكأننا في أكثر الأوقات مثالية. وعندما ننسى الدولة ونريد أن نريح ضميرنا نذهب للعمل في الجانب الخيري الذي هو بمثابة هروين للضمير ومسكن للجماهير.
أهمية الاحتجاج العفوي الآن، تأتي فقط من كونها تسمح لنا بالتفكير بصوت عالي، أو لأنها تعيد فتح النقاشات، حول جدواها طالما أنها تؤكد مرة تلو أخرى على أن حركة الجماهير تستطيع أن تحافظ على الحد الأدنى ولو في أصعب الظروف ما يعني أنها قابلة للتطور دائما. فقط لو أن هناك برنامج واضح يقودها. على مستوى الرؤية والتكتيك.
وسام محمد

صحفي يمني