الحوثي ومرحلة استثمار اليأس

الحوثي ومرحلة استثمار اليأس
بقلم 
مع إطلاق الحوثيين لمبادرة فتح معبر غراب الواقع شمال غرب مدينة تعز، عبر شيخ في شرعب موالي لهم، فإن الجماعة بذلك تكون قد دشنت مرحلة جديدة من مناوراتها.

وبعد رصد حجم التفاعل داخل المربع المسيطر عليه من قبل التشكيلات العسكرية التابعة للحكومة الشرعية، يمكن تسمية هذه المناورة بمرحلة استثمار اليأس.
ثمة قطاعات واسعة في تعز أصبحت فاقدة للأمل في أنه لا يزال من الممكن تحرير مدينتهم بقوة السلاح بعد أربع سنوات من الحصار وقرابة خمس سنوات من الحرب.

وبالنظر إلى الوضع الذي وصلت إليه تعز، فأن هذا اليأس بات مفهوما، لكن هذا التفاعل مع المبادرة التي بثتها قناة المسيرة الحوثية ليس سببه اليأس فقط، ولكن الخشية من تطور الصراع إلى مستوى جديد يعرف الجميع أن النتائج التي ستترتب عليه ستكون وخيمة.
لكن بدلا من هذا الابتهاج بمبادرة الحوثي علينا معرفة مصدر اليأس ومجابهته.

نعرف أنه منذ أشهر والصراع يتمحور في المناطق الجنوبية لتعز، (مناطق الحجرية)، الأمر الذي بات يلقي بثقله على الجميع  ليس لأن مفاعيل الصراع هناك في تصاعد ومرشحة للانفجار في أي لحظة، وليس لأن قادة التشكيلات المسلحة تواصل تحشيداتها غير أبهة بمخاوف المواطنيين، ولكن إلى جانب ذلك، لأن اشتعال الصراع في هذه المناطق قد يترتب عليه إغلاق المنفذ الوحيد الذي تدخل من خلاله كل مستلزمات الحياة.

سبق لتعز أن شهدت حصارا من الجهات الأربع خلال النصف الأول من العام 2016، غير أن عدد السكان في تعز كان قد أصبح محدودا خلال تلك الفترة، ثم كان لا يزال هناك إمكانية لإدخال المستلزمات المعيشية ولو بالحدود الدنيا بعد أن تم شق طريق طالوق عبر جبال صبر الوعرة. فالطريق إلى عدن حينها كانت لا تزال سالكة.
 
مهما ساءت الأوضاع ومهما خيم اليأس على حياتنا كشبح، ليس هناك من خيار سوى بمواصلة التمسك بالحلم وليس من خلال الاستسلام لأعدائه
 
أما اليوم بعد التطورات التي شهدتها عدن مؤخرا وبعد تمكن المجلس الانتقالي الجنوبي من إحكام قبضته عليها بدعم مباشر من دولة الإمارات، فإن انفجار الصراع في مدينة التربة وباقي مناطق الحجرية قد يؤدي إلى إغلاق المنفذ الوحيد وهذه المرة ليس أمام سكان مدينة تعز، ولكنه سيشمل مناطق واسعة (مديريات صبر الثلاث ومعظم مناطق الحجرية).

الامارات في دعمها لبعض التشكيلات المسلحة، تستثمر كون عدن هي المنفذ الوحيد الذي يأتي منه كل احتياجات الناس في تعز.
 
قد لا تفرض حصارا في حال انفجر الصراع وسارت الأمور في غير صالح من يحظون بدعمها. غير أن الناس في تعز باتت تفهم أن الحصار هو أحد الأوراق التي قد تستخدمها الامارت، لأن لا شيء سيمنعها من ذلك فقد سبق لها أن قصفت الجيش بالطيران على أبواب عدن. وهنا يتساوى طرفي الصراع. فالجميع لا يستشعر أدنى مسئولية اتجاه المواطنيين أو يآخذ مخاوفهم على محمل الجد. وكأنه لا يكفي ما عانوه طوال السنوات الماضية.

بالطبع في ظل هذا الاستهتار، وما يرافقه من قلة حيلة، يصبح اليأس مفهوما. لكن غير المفهوم هو التعلق بالقشة التي رمى بها الحوثي. حتى إذا كانت مبادرته جادة، فهي لن تعدو عن كونها محاولة لاستثمار اليأس، واستثمار فرصة قلب الحقائق رأسا على عقب. فلولا حرب الحوثي لما كانت المعاناة ولما كانت المآسي ولما كانت هذه المخاوف أصلا.

ثم أن الأمر سيشبه تلك الحكاية الشعبية التي تدور حول رجل كان يعتقد أن مسكنه ضيق فذهب شاكيا لصديقه عله يجد لديه نصيحة تساعده على تحسين حياته. لكن صديقه هذا قدم إليه وصفة سوف توهمه أن قبول الأمر الواقع هو أفضل خيار ممكن. فقد أقترح عليه أن يدخل الدواجن لكي تشاركه مسكنه ويخبره في اليوم الثاني ما الذي تغير. في اليوم الثاني جاء الرجل شاكيا أن الوضع ازداد سوءا. فما كان من هذا الصديق إلا أن أقترح عليه إدخال المواشي لتشاركه مسكنه. ساء الوضع أكثر. فجاء الرجل شاكيا. فأقترح عليه أن يدخل الحمار إلى المسكن أيضا.

كاد الرجل أن يجن. فذهب إلى صديقه صارخا بعد ثلاث أيام من السهر المتواصل. فأقترح عليه أن يقوم بإخراج الدواجن ويرصد التغيير الذي سيحصل. نفذ الرجل اقتراح صديقه، وفي اليوم الثاني كان الوضع قد أصبح أفضل، فذهب إلى صديقه مبتهجا. طلب منه أن يخرج المواشي. فأصبح الحال أفضل من اليوم السابق. ثم طلب منه أن يخرج الحمار، وعندما أخرجه أصبح الكوخ الصغير الضيق بمثابة قصر ونام الرجل كما لم ينام من قبل. وذهب في اليوم الثاني ليعبر لصديقه عن امتنانه لأن وضعه أصبح أفضل، متناسيا السياق الذي جعله يتبنى هذا الاعتقاد.

هذه الحكاية سوف تختصر قصة هؤلاء المبتهجين لمجرد أن الحوثي سيفتح لهم منفذا سوف يجعلهم قادرين على السفر إلى الحوبان خلال ساعتين ونصف بدلا من ست ساعات. بينما المسافة الحقيقية لا تزيد عن عشرين دقيقة.
ربما بعدها سيلجأ الحوثي الى فتح معبر صالة، وسيصبح الوقت المستغرق للسفر نحو الحوبان ليس أكثر من ساعة. وعندما يفتح معبر جولة القصر أو كلابة سيكون الحمار قد خرج من الكوخ.
لكن هذا يجعلنا ننسى لماذا قدمنا كل هذه التضحيات؟ لماذا صمدنا كل هذه السنوات؟ هل كان الهدف استعادة الوضع السابق (نفس الكوخ الضيق) أم لأن هناك قضية كبيرة تتمثل برفض الاستعباد والإصرار على الظفر بوطن حر، ديمقراطي، موحد.

أو كما هو الحلم القديم المتجدد، والذي لا يمكن استئنافه دون أن يكون لتعز دور ريادي فيه.
مهما ساءت الأوضاع ومهما خيم اليأس على حياتنا كشبح، ليس هناك من خيار سوى بمواصلة التمسك بالحلم وفي البحث عن حلول ضمن مدار هذا الحلم المشروع وليس من خلال الاستسلام لأعدائه. لو فتح الحوثي معبرا أو اثنين أو حتى عاد إلى صعدة وتكفل بإعادة الشهداء إلى أمهاتهم والجرحى إلى عافيتهم وأعاد المساكن والمصالح كما كانت فلا يمكن أن يكون هناك ما يبهج فيما يقوله أو يقترحه. ببساطة لأن هذه جماعة تريد سلبنا أغلب ما نملك: الحرية وحقنا في تقرير مستقبلنا ومستقبل أبناءنا.
وسام محمد

صحفي يمني