عن احتجاجات تعز

عن احتجاجات تعز
بقلم 
قبل تظاهرة السبت الماضي، تحرك الشارع في تعز، خلال هذه الحرب مرتين: الأولى كانت قبل عام، على خلفية تدهور سعر الريال إلى مستوى غير مسبوق، لكن أيضا بعد أسابيع من الخروج الأول لجماعة أبو العباس السلفية من المدينة.

وكانت التظاهرة كبيرة لكنها اتسمت بالحيرة وغياب التنظيم، فكانت مجرد تعبير عن الفزع من تدهور الريال.
الخروج الثاني، كان بعد خروج جماعة أبو العباس بشكل نهائي، ضد الجرائم التي ارتكبت بحق سكان المدينة القديم. وقد جاء هذا الخروج بناء على دعوة أطلقت من قبل شباب التنظيم الناصري وكان لهذا التفاعل ثلاث محددات:
الأول: مشاركة سكان المدينة القديم الذين كانوا لا يزالون يواجهون الخطر، أو لأنه لم توجد تطمينات لهم.

الثاني: كان الحشد من الأرياف بالاعتماد على القواعد الحزبية للناصري وبعض قواعد الاشتراكي لكن أيضا من تلك المناطق التي كان سكانها يستشعرون قلق انتقال المواجهات إلى مناطقهم. (بعض مناطق الحجرية).
الثالث: تفاعل من قبل أولئك الذين استشعروا القلق من تفرد الإصلاح ومن احتمالية أن يبدأ في مضايقة الأطراف السياسية التي لا تتفق مع طريقة إدارته للوضع في تعز، فتمكنه من طرد أبرز خصم منافس ومدعوم إماراتيا قد يجعله يتمادى. أو كما هي المخاوف حينها.
 
للقائمين على الوضع في تعز مصلحة في بقاء الحصار. لأن انقشاعه في ظل بقاء حالة الفساد والفوضى، سيعني ثورة أكيدة. لهذا أصبح التراخي مفهوما.
 

لكن هذا الخروج كعادة أي فعالية تدعو لها الأحزاب لم يترك أي أثر وكان قائما على ردة الفعل وليس لأن لديه برنامج واضح.
لكن السبت الماضي شهدنا خروجا ثالثا في تعز، بدأ من خلال حملة أطلقها ناشطون تحت هاشتاج "يكفي صمت"، ضد فساد قادة الجيش ومسئولي السلطة المحلية وضد تجميد معركة التحرير. رفع المتظاهرون شعارات تطالب برحيل جميع المسئولين من مختلف الأحزاب.

بالطبع مع تجدد دعوات الخروج يوم السبت القادم، فهذا مؤشر على أن التظاهرات قد تتصاعد، الأمر الذي يدعونا لمحاولة فهم سر تفاعل الشارع مع دعوات الناشطين. ولعل أبرز العوامل التي تقف خلف هذا التفاعل والرغبة على الاستمرار هي:
أولا: انسحاب الإمارات من اليمن ما يعني أن الصراع الذي كانت تغذيه عبر أدواتها في تعز، أصبح منتهيا، الأمر الذي تسقط معه مبررات إدارة الوضع بالأزمات بحجة أن تعز مستهدفة من قبل الامارات.
ثانيا: تجميد معركة التحرير وتصاعد الأصوات المنادية بإيقاف معاناة السكان.

ثالثا: تنامي ظاهرة الفساد في ظل انعدام شبه تام للخدمات الأساسية. بعد أن تم خصخصة الكهرباء والتعليم خلال العامين السابقين وتوقف مشروع المياه وتكدس القمامة في الشوارع وتوقف معظم الخدمات في المستشفيات الحكومية أو فرض رسوم باهضة على من يريد الحصول عليها.

رابعا: استمرار مسلسل إهمال ملف الجرحى وعدم وضع حد لمعاناتهم وتضرر قطاعات واسعة أخرى كعمال النظافة وموظفي عدد من المؤسسات الذين يشتكون من انقطاع رواتبهم، وأيضا استمرار سيطرة الجيش على بعض المؤسسات والمرافق التعليمية.

في الحقيقة هناك قائمة طويلة بالعوامل التي تجعل الاحتجاجات مرشحة للاستمرار وربما التصاعد.
وهناك سمة معروفة عن تعز وعن حركة الشارع الذي لا يهدأ فيها. غير أن بقاء المدينة محاصرة من ثلاث جهات يجعل سقف الاحتجاج غير مرتفع. بمعنى لا يمكن أن تندلع ثورة. ليس فقط بسبب الحصار ولكن أيضا بسبب طبيعة الوضع العام في البلد ككل.

هناك أشياء تظل معروفة عندما يتعلق الأمر بتعز. أن الناس فيها سرعان ما تتأثر برياح الثورة القادمة من بلدان عربية أخرى. غير أن الثورة الشاملة في ظل غياب البديل ستعني تهيئة المدينة لكي يعيد الحوثي استباحتها.
لهذا أفق الثورة مستبعد بالنظر إلى سقف التفاعل والى حدس الناس. الشيء الوحيد الذي سيجعل تطور الأحداث ممكنا هو محاولة قمع المحتجين ونصب السلطات القائمة لنفسها كعدو للجماهير.
وبالطبع للقائمين على الوضع في تعز مصلحة في بقاء الحصار. لأن انقشاعه في ظل بقاء حالة الفساد والفوضى، سيعني ثورة أكيدة. لهذا أصبح التراخي مفهوما.

لكن أيضا عدم التحرير وعدم معالجة المشاكل وكذلك عدم تأمين الخدمات الأساسية سيعني تراكم للغضب الأمر الذي قد يرشح تعز لما هو أسوأ من عودة الحوثي واستباحتها.
ليس صحيحا أن الناس في تعز تهوى الضجيج. لعل هذه سمة ناشطيها. لكن معظم السكان ظلوا طوال السنوات الماضية في صمت مطبق. يتعرضون لشتى صنوف المعاناة وهم صامتون لإدراكهم أن هناك عدو أكثر سوءا لا يزال يتربص بالمدينة ويقصفها ما بين وقت وآخر. لكن تجميد معركة التحرير يجعل معاناتهم بلا معنى. الأمر الذي سيعني أن الأصوات ستبدأ في الارتفاع.
وسام محمد

صحفي يمني