تقارير

أزمة الأوكسجين في مرافق تعز الصحية .. اختناق المرضى بتأخّر الحلول!!

01/04/2021, 14:50:46

في حيّ 'الجحملية'، وسط مدينة تعز، توفيت، الاثنين الماضي، المعلمة هناء العزي، المصابة بفيروس 'كورونا'، جراء غياب 'الأوكسجين'، وعجز أقاربها عن توفيره، الأمر الذي دفع بأحد عُقال الحارات إلى توجيه نداء إنساني، فتجاوب أحد فاعلي الخير، واتصل به، وأخبره بأنه في الطريق لإنقاذ المريضة، التي كان الموت سباقاً إليها، طبقاً للناشط الحقوقي، رئيس لجنة رصد

الانتهاكاتات في 'تكتل حركة الجياع'، فيصل العسالي، الذي أكد لموقع "بلقيس" على اختناق الكثيرين من المرضى، ووفاتهم، جراء غياب الأوكسجين في مدينة تشهد أزمة حادة في هذه المادة، مع ضعف قدرات محطات الأوكسجين الإنتاجية، وتزايد الطلب من قٍبل الكثيرين من مرضى القلب والجهاز التنفسي ومصابي "كوفيد-19".
الحصول على أسطوانة أوكسجين صار حلماً صعب المنال بالنسبة للمواطنين في ثالث أكبر مدينة والأولى سكانياً في البلاد، الذين يقودون رحلة بحث مريرة عنها، لإنقاذ مرضاهم من موت محقق، لكن دون جدوى، فقدراتهم المادية قد لا تمكِّنهم من توفير أسطوانة واحدة.

تتعدد قصص الموت، في حين تقلّ فرص الحياة والإفلات من قبضته في مدينة صادف فيها "العسالي" صديقه 'توفيق آغا' وهو يحمل أسطوانة أوكسجين -كان قد اشتراها بعد جمع ثمنها من زملائه- فالتقط له صورة، ونشرها في حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، لقيت هذه الصورة تداولاً واسعاً، كونها لخّصت أحد أوجه معانات أناس فتكت بهم الأمراض والأوبئة، وكذلك الإهمال الرسمي.

منذ شهر تقريباً، يختنق المصابون بالفيروس التاجي، سواء في مراكز العزل الصحي أو في المنازل، ويترصّدهم الموت كغيرهم من المرضى القابعين في المرافق الصحيّة الأخرى، جراء الافتقار للأوكسجين، وتأخّر حلول وزارة الصحة العامة والسكان، ومكتب الصحة، والسلطات المحلية في المحافظة، التي ينتشر فيها "كوفيد- 19" في موجته الثانية بشكل كبير ومهول.
سجّلت السلطات الصحيّة في تعز، الثلاثاء الماضي، 23 حالة إصابة مؤكدة ب'كورونا'، ليصل إجمالي الحالات، منذ فبراير من العام الجاري، إلى 378 حالة، فيما بلغت الحالات المتماثلة للشفاء 14 حالة، والوفيات 39 حالة.

* مؤشرات مخيفة

تزايد متسارع ومخيف لوفيات الفيروس العالمي المستجد في مشهد يكتنفه الغموض، ولا شيء أكثر وضوحاً فيه سوى جثامين يشيِّعها الأحياء، ثم يوارونها الثرى بشكل شبه يومي، ويتساءلون عن الأسباب، فلا يجدون إجابة شافية، فيلجأون إلى التخمين حول علاقة غياب الأوكسجين بذلك.

يرتفع منسوب المخاوف، فيتداعى الناشطون والمهتمون بالشأن الصحي نحو قرع أجراس الخطر والتحذير من كارثة وبائية، فيما يفتح ناشطو شبكات التواصل الاجتماعي النار على السلطات الصحيّة في المحافظة، متهمين إياها بالفساد والمتاجرة بأرواح المرضى ومعاناتهم، واستغلال موجة "كورونا" الثانية في التكّسب وجمع المساعدات.

معضلة الأوكسجين في تعز مزمنة، فقد وُلدت وترعرعت مع الحرب الدائرة في البلاد للعام السابع على التوالي، واشتدت خطورتها اليوم لتصبح عصيّة على المواجهة، في ظل تواضع الجهود الرسمية واقتصارها على حلول ترقيعية، تمثلت في توفير أعداد إضافية من الأسطوانات الفارغة، وهي تدابير مؤقتة، وهشّة، وقاصرة، وغير كفيلة بحل المشكلة جذرياً، ما لم تقم السلطات بإنشاء عدّة محطات إضافية لإنتاج الأوكسجين.

كالعادة تبعث التصريحات الرسمية على الاطمئنان، وتعد باقتراب الحل منذ أول وهلة للأزمة الجديدة، التي ظهرت مطلع مارس الماضي، وظلت طيَّ الكتمان حتى العاشر منه، وحينها كشف مصدر رسمي مسؤول في مكتب الصحة العامة والسكان بالمحافظة النقاب عن حقيقة الوضع، مؤكداً لموقع "بلقيس" انعدام مادة الأوكسجين في مراكز العزل العلاجي، وذلك منذ أيام.
اعترف المصدر -ضمنياً- بخطورة الوضع الصحي، والمأزق الكبير الذي وقع فيه القطاع الصحي الهشّ ومصابو "كورونا"، ولفت -في الوقت ذاته- إلى تزايد أعداد الوفيات في أوساطهم، لأسباب لم يكشف عنها، ليتطرّق إلى نداء الاستغاثة الذي أطلقه مكتب الصحة، مناشداً وزارة الصحة والمنظمات العاملة التدخل السريع لإنقاذ المدينة وتزويدها بالأوكسجين، كما عرّج على الاتصال الهاتفي الذي أجراه مدير المكتب (الدكتور راجح المليكي) بوزير الصحة (الدكتور قاسم بحيبح)، الذي وعد  بوضع حلٍ عاجلٍ لمشكلة الأوكسجين.

*الموت اختناقاً

بدا الامتنان واضحاً عليه، وأعرب عن شكره لوزارة الصحّة في العاصمة المؤقتة (عدن)، التي كشفت -عقب ذلك- عن نفاد الأوكسجين في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرة السلطة الشرعية، ما يعني أن الأزمة واسعة وخارجة عن السيطرة، ولم تقتصر على مدينة تعز، التي خصصت لها وزارة الصحة في الحكومة الشرعية -مؤخراً- 200 أسطوانة يومياً، لكن وصولها يتعذّر بانتظام، جراء بُعد المسافة وعراقيل النّقاط الأمنية، الأمر الذي يُؤجل الحل الرسمي، في حين يُعجل وفاة المرضى.

هرع مركز العزل الصحي، التابع للمستشفى "الجمهوري، الوحيد في المدينة، نحو البحث عن حل بديل لتوفير كميات شحيحة من الأوكسجين، لتأمين احتياجاته اليومية من هذه المادة،  ومواجهة التزاحم الشديد، والتزايد اليومي الكبير في الإقبال على المركز، في الوقت الذي يُغلق مركز "شفاك" التابع لمؤسسة 'حمود سعيد المخلافي' أبوابه منذ انتهاء موجة الوباء الأولى، أواخر العام الماضي.  

تذهب الروايات الرسمية نحو التأكيد على استمرار أزمة الأوكسجين والمخاطر المحدقة بالمرضى بما فيها الموت اختناقاً، منذ العام 2015، كما تبدي خشيتها من خروج الوضع عن السيطرة، وانزلاقه نحو المزيد من السُّوء في ظل تزايد أعداد الحالات المصابة والمشتبهة بفيروس "كورونا"، مقابل تماثل القليلِين للشفاء وموت العشرات.
 
يقول مدير المستشفى 'الجمهوري' التعليمي (الدكتور نشوان الحسامي) لموقع "بلقيس": "تستمر معاناتنا من أزمة الأوكسجين، الذي يعتبر -بالنسبة لمصابي 'كورونا'- خط الدِّفاع الأول، وفي حال انعدامه تكون الحالات مهددة بالوفاة".
ويضيف: "لا نملك أي احتياطي من مادة الأوكسجين، وما نملكه حالياً هو للاستهلاك اليومي، صحيح لدينا احتياطي من الأسطوانات، لكنَّها فارغة، ما يجعل معاناتنا مستمرة من هذه المشكلة".

اشتدت ضراوة الأزمة مع ظهور فيروس "كورونا"، في مايو من العام 2020، وتفاقمت المعاناة بنسبة 100% في مدينة تتطلب إنشاء أربع أو خمس محطات أوكسجين كأقل تقدير، حسب الحسامي الذي تسلّم، في أبريل من العام الماضي، إدارة المستشفى الجمهوري، الذي لم يكن يملك سوى 80 أسطوانة أوكسجين، ما اضطره إلى وضع خطة لتوفير أسطوانات، وصل عددها اليوم إلى حوالي 570 أسطوانة فارغة، لكن ذلك لم يضع حدا للمشكلة، في ظل عدم توفّر محطة لتعبئتها.

* المشهد العام

تمتلك مدينة تعز محطتين لإنتاج الأوكسجين، لكنهما لا تغطيان حاجة المدينة، لخروج المعمل المتواجد في هيئة مستشفى "الثورة" عن الخدمة باستمرار، ما يضع عبئا كبيرا على المحطة الأخرى المتواجدة في مستشفى "التعاون"، ويتسبب في خلق نقص كبير في الأوكسجين بمختلف مرافق تعز الصحيّة.

طرق الحسامي (مدير مراكز العزل العلاجي ومحطات الأوكسجين في المدينة) الكثير من الأبواب، لإيجاد حل للمشكلة، كما قاد مساعي لإعادة تشغيل محطة مستشفى "الثورة" المُغلقة بسبب عدم وجود فلترات، وهو ما تم تأمينه، وتشغيل المحطة بعد التواصل مع مجموعة "هائل سعيد أنعم" ومؤسستي "شراكة" و"تكافل"، لكن ذلك لم يكن كافياً، إذ اصطدمت تلك الجهود بمشكلة انعدام الديزل في المشافي الحكومية منذ شهرين.

تم توفير الوقود، فطرأت مشكلة أخرى، وهي عدم اعتراف قيادة مستشفى "الثورة" بقرارات المحافظ نبيل شمسان، القاضية بتعيين الحسامي مديراً لمحطات الأوكسجين.
ويوضح الحسامي أن "هناك مشاكل وعراقيل كثيرة، ونأمل حلها من قِبل المحافظ"، مضيفاً "في حال حُلت مشكلة محطة 'الثورة'، ستتم تغطية الأوكسجين بنسبة 70%، كما سينخفض معدل العجز إلى 30%، وهي نسبة يصعب توفيرها من عدن، نظرا لوجود مشاكل كثيرة، بينها النقاط الأمنية المنتشرة على طول الطريق".

تنتج تلك المحطة قرابة 70 إسطوانة يومياً، لكنها كثيرة الأعطال والخروج عن الخدمة، كما ينتج معمل مستشفى "التعاون"، في اليوم الواحد، قرابة 120 أسطوانة، يتم توزيعها على مراكز العزل الصحي بمعدل 70 أسطوانة يومياً، و20 أسطوانة يتم توزيعها على مستشفيات "المظفر" و"السويدي" و"الصفوة" و"الروضة"، وسط المدينة، فيما تذهب قرابة 150 أسطوانة إلى عدد من المشافي  في 'الشمايتين' و'المسراخ' و'النشمة' و'التربة' وغيرها، حسب مصادر رسمية.

تحُول الكثير من العوامل دون وضع حدٍ لأزمة الأوكسجين، من ضمنها إيقاف الدعم المخصص، المقدّم للمستشفيات من عدد من  المنظمات الدولية، الأمر الذي يترتّب عليه أعباء كثيرة، ينفي مدير مكتب الصحة العامة والسكان في المحافظة (الدكتور راجح المليكي) لموقع "بلقيس" قدرة القطاع الصحي على مواجهتها.
ونوّه -في الوقت ذاته- إلى قيام المكتب بوضع رؤية للحل، وتقديمها لوزارة الصحة، والمنظمات، وقيادة السلطة المحلية.
يبدو الأفق الصحي قاتماً للغاية، ولا بوادر فيه لحلول قريبة ومرتقبة، ليبقى الموت سيّد الموقف والمصير المحتوم لمئات المرضى.

المصدر : قناة بلقيس - هشام سرحان

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.