تقارير

الاحتجاجات في تعز.. خيار الباحثين عن البقاء ورحيل الفاسدين

22/11/2021, 07:26:12

تتصاعد وتيرة الاحتجاجات في مدينة تعز، وتتسع رقعة السخط الشعبي، وتتوتر العلاقات بين المحتجين الغاضبين من جهة والسلطات المحلية في المحافظة ومن ورائها الحكومة الشرعية ودول التحالف العربي، وهي أطراف يتّهمها الشارع الثائر -منذ عدة أشهر- بالضلوع في فرض حصار إضافي على سكان المدينة المحاصرين أصلاً من قِبل مليشيا الحوثيين، وتضييق الخناق عليهم، وممارسة سياسة تجويع وإفقار ممنهجة ضدهم.  

معانات أهالي المدينة الواقعة جنوب غرب البلاد لا تتوقّف عند حد معيَّن، بل تتفاقم وتمتد يوماً بعد آخر في مشهد تسُوء فيه أحوالهم، وتتدهور أوضاعهم المادية والمعيشية والصحية والاقتصادية والأمنية والإنسانية بشكل مأساوي، وتثقل كاهلهم تداعيات الانهيار الحاد والمتسارع للعُملة الوطنية، وغلاء الأسعار والمعيشة، وزيادة إيجارات السكن، وأجور المواصلات، وأزمات الغاز المتواترة، وغياب الخدمات، وندرة المساعدات والأعمال، وانقطاع الرواتب، وجفاف مصادر الدخل.

يغضبهم ذلك كثيراً، ويدفعهم نحو مواصلة الاحتجاجات، كونه يمسّ بشكل مباشر قُوْت أطفالهم، ويهددهم بالموت جوعاً وعطشاً.

في الوقت الذي ينعم فيه المسؤولون بالثراء والتّخمة، ويستشري الفساد، ونهب موارد وإيرادات الدولة، يسود الإنفلات الأمني، ويتفشّى السلاح، وتتكاثر المظاهر والعصابات  المسلحة، ويغيب الأمن، ويرتفع معدل الجريمة والقتل، وتتزايد الاعتداءات والانتهاكات ونهب الممتلكات، وحوادث الاغتيالات، والعبث بحياة الأبرياء.   

غياب السلطات وضعفها، وعدم قيامها بدورها، وتجاهلها معانات الناس وأنّاتهم وعذاباتهم، وعدم تدخلّها للتخفيف عن معاناتهم، وتلمسّ احتياجاتهم، وتلبية مطالبهم التي رفعوها في بادئ الأمر،  جعلهم يجزمون بعجزها، وتورّطها في صناعة واقعهم المأساوي، وجعلها في نظرهم غير جديرة بالبقاء، ولا يليق بها سوى الرحيل، يقول محتجون لموقع "بلقيس".

تشبُث المسؤولين بمناصبهم لا يثير حفيظة الشارع فحسب، ولا يثنيه عن موقفه، بل يدفعه نحو التمسّك بخيار الفعل السلمي والمطالبة برحيل جميع الفاسدين، ومواصلة التظاهرات والمسيرات، والوقفات الاحتجاجية، التي يختصر فيها المحتجون مطالبهم في مفردة واحدة هي "إرحل"، التي أثبتت فاعليّتها من قبل.

رغم مضي عدة أشهر على اندلاع الاحتجاجات في مدينة تعز، إلا أنه لم تظهر في الأفق أي بوادر أو مؤشرات إلى توقفها، في الوقت الذي لم تتحقق فيه مطالب المحتجين، ولم يتم الحدّ من معاناتهم، ومعالجة أسبابها ومصادرها، ووضع حلول جذرية لكافة مشاكلهم، كما لم يرحل الفاسدون بعد، يقول سياسيون ونشطاء ومراقبون في أحاديث متفرّقة لموقع "بلقيس".   

استمرار الاحتجاجات

تؤكد مصادر متطابقة لموقع "بلقيس" على أن التظاهرات في مدينة تعز مستمرة، وقد تهدأ قليلاً بين الفينة والأخرى، إلا أنها تعود مجدداً بسبب قسوة الظروف، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانقطاع المرتبات، وغياب الخدمات، وتفشّي الفقر، والغلاء، والمرض، والمجاعة بشكل مخيف، واستشراء الفساد، وتزايد عبث الفاسدين في السلطة المحلية والمكاتب الحكومية، ما يؤجج الشارع ويزيد من نقمته تجاهها، ويرفع مستوى السخط الشعبي، ويوفِّر بيئة خصبة لاستمرار التظاهرات.

يثير الشارع التعزِّي -هذه الأيام- العديد من المشاكل اليومية، من بينها أزمات الغاز المنزلي، وانعدامه، وغلاء أسعاره، إذ وصلت قيمة الإسطوانة الواحدة إلى 22 ألف ريال، بالتزامن مع عبث وتلاعب الوكلاء بالكميات المتوفّرة، وبيعها في السوق السوداء، وارتفاع أسعار الخبز والروتي والخضروات والمتطلبات الظرورية، ما خلق معانات قاتلة للكثير من  الأسر، يذكر مصدر مسؤول في حركة "ثورة الجياع" لموقع "بلقيس".

عدم حصول الجرحى على حقوقهم، ومرتباتهم، والرعاية الصحية، وتكاليف العلاج، والسفر إلى الخارج، زاد من حدّة التظاهرات، وجعل الجرحى يقطعون الشوارع، ويحرقون الإطارات، ويتظاهرون باستمرار من أجل المطالبة بحقوقهم المسلوبة، ما يؤدي إلى تصاعد وتيرة السخط الشعبي، حسب الناشط ورئيس لجنة "رصد الانتهاكات" في تكتل "ثورة الجياع"، فيصل العسالي.

بالإضافة إلى ذلك، ساهم في تأجيح الاحتجاجات استمرار دول التحالف العربي في سياسة تجويع الشعب اليمني، وتخليها عن دعم العملة الوطنية، والاقتصاد المحلي، في الوقت الذي وضعت يدها على موارد البلاد، ومنشآت النفط والغاز ومنعت تصديرهما، وفرضت سيطرتها على الموانئ والمطارات، وأوقفت حركة الملاحة البحرية والجوية، طبقاً لرئيس لجنة "رصد الانتهاكات".

يواصل العسالي "تسببت ممارسات تحالف دعم الشرعية في انهيار الاقتصاد بشكل عام، وقيمة العملة المحلية بشكل خاص، إلى جانب قطع المرتبات، وانتشار الفقر والبطالة  والجوع، وفاقم معانات السكان في تعز، وغيرها من المحافظات المحررة، وأثار استياءهم وغضبهم، ودفعهم نحو التظاهر المستمر ضد السلطات المحلية والحكومة الشرعية ودول التحالف العربي".

شهدت المدينة -خلال الأشهر الماضية- وبشكل شبه يومي عشرات المظاهرات والمسيرات والوقفات الاحتجاجية والاعتصامات والإضرابات، وهي مظاهر احتجاجية شارك فيها طيف واسع من المواطنين والنازحين والموظفين والطلاب والناشطين والمهمشين وجرحى الحرب والتجار ووكلاء الغاز وأسر الضحايا وعمال النظافة والمتضررين من الاعتداءات والانتهاكات وأصحاب القضايا والحقوق الضائعة، وغيرها من الأوساط المدنية والسياسية والعسكرية والأمنية.

المشهد العام

نددت معظم المظاهر الاحتجاجية، التي شهدتها المدينة، بالفساد وتردي الخدمات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، واستفحال أزمات الغاز المنزلي، في حين تدرّجت مطالب المحتجين بدءاً بتصحيح وضع المؤسسات والمكاتب الحكومية، ومكافحة الفساد، ومحاكمة الفاسدين، وهيكلة المؤسسة الأمنية والعسكرية، ومعالجة مشاكل  المواطنين.

بعد سلسلة تظاهرات، رضخت السلطات المحلية  لمطالب الشارع، وغيّرت بعض مديري المكاتب الحكومية، المتهمين بقضايا فساد، وأحالتهم إلى التحقيق، وصدرت في وقت لاحق أحكامٌ بسجن بعضهم، تزامن ذلك مع تعيين مدراء آخرين في مواقعهم، وهي قرارات تمرّد عليها البعض، 

ولم تلتزم بمعايير الوظيفة العامة، ولم تأخذ في الاعتبار الكفاءة والنزاهة، بقدر ما خضعت للمحاصصة والتقاسم، واتخذت طابعاً سياسياً، ولم تخلُ من محابات أطراف سياسية محلية ودول التحالف. 

سليمان حميد (38 عاماً)، شاب لم يرقْ له الوضع الحاصل في المدينة، شارك في معظم المظاهر الاحتجاجية آملاً في حياة كريمة ومستقبل أفضل، يقول لموقع "بلقيس": "أثارت تلك الإجراءات جدلاً واسعاً في مختلف الأوساط، وعدها المتظاهرون شكلية واعتبروها تحايلاً والتفافاً على مطالبهم، وتخديراً لهم، وتكريساً لفساد آخر، ما دفعهم نحو رفع التصعيد والمطالبة برحيل كافة الفاسدين، وعلى رأسهم المحافظ، ومن معه في قيادة السلطة المحلية".   

يعتزم حميد وغيره من المحتجين الاستمرار في التظاهرات السلمية، ومواصلة الحراك الثوري حتى تحقيق كافة مطالبهم، ويُبدي خشيته من تدخلات بعض الأطراف، التي تحاول الالتفاف، وحرف مسار "ثورة الجياع"، وركوب موجتها، واستثمارها من قِبل بعض الأحزاب، التي تحاول تحقيق مكاسب سياسية لصالحها، ولو على حساب معانات المواطنين وعذاباتهم.

يرى رفاقه أن سخط الشارع المحتد اليوم لم يأتِ من فراغ، بل بعد تعرّضه لسلسلة طويلة ومتراكمة من المعانات والظلم والقهر والتجاهل والتهميش  والممارسات الرسمية الخاطئة، وما رافقها من فساد وعبث وتلاعب بأقوات الناس وأرزاقهم، ومصالحهم، ولقمة عيشهم، وحاضرهم ومستقبلهم.  

استبعد أحد رفاقه -دون أن يدلي باسمه- أمر توقّف الاحتجاجات خلال الأسابيع القادمة، مرجعاً ذلك إلى انزلاق الأمور نحو المزيد من التردي، وعدم تحقق الأهداف التي تطلعوا نحوها، ومطالبهم التي خرجوا من أجلها، كما توقع -وهو ناشط سياسي ومصدر مطّلع- أن تتجّه الأمور نحو المزيد من التصعيد، ولفت إلى أن المؤشرات تشي بإمكانية حدوث انتفاضة شعبية عارمة.

توتر

مطالب المحتجين، التي لم تتحقق، لا تتعامل معها الحكومة الشرعية بجديّة، وتتجاهلها أُسوة بدول التحالف والسلطات المحلية في المحافظة، التي تراوغ حتى اللحظة، وتتنصل عن  مسؤولياتها، ولم تبذلْ أي مساعٍ للحد من التدهور المُرعب في حياة الناس. 

تقلّ فرص التقارب بين المحتجين والسلطات المحلية، ويتسع الخرق 

بين الجانبين، اللَّذَين لم يجلسا على طاولة الحوار بعد، ولم يحاول الأخير تشكيل لجنة للتفاوض مع المتظاهرين، وتقريب وجهات النظر، والبحث عن آلية لانتشال المواطنين من وَحَل البؤس والشقاء.

تضيق خيارات المحتجين، ولا يجدون بديلا آخر لإستمرار الاحتجاجات ضد التحالف السعودي - الإماراتي والحكومة الشرعية، والسلطات المحلية في المحافظة، وهي أطراف لم يعد المحتجون يثقون فيها، ويتهمونها بتضييق الخناق عليهم، ومحاولة ترويضهم للقبول بالأمر الذي تحيكه، رغم أنه لا مصلحة فيه للبلاد والعباد.

يعتبرون الواقع المرير والمأساوي، الذي يعيشونه اليوم، والحال الذي وصلوا إليه قد فرض عليهم بالقوّة خلال سنوات الحرب السبع، كما صُنع عمداً من قِبل تلك الأطراف المحلية والخارجية.

باتوا يحصرون مطالبهم في البقاء على قيد الحياة، وهو ما لم يعدْ ممكناً في نظر الحركات الثورية في تعز، التي تواصل التحشيد، وتدفع بالشارع نحو الخروج في تظاهرات هادرة، وذلك ضد من استغلوا صمته وصبره الطويل، واستمرأوا الإثراء الفاحش والمتاجرة بأقوات الناس ودمائهم وأرواحهم، وأمنهم، وحُرماتهم، وسكينتهم.

أكد تكتل "ثورة الجياع" في مدينة تعز، في بيان له صدر مؤخراً وحصل موقع "بلقيس" على نسخة منه، أن الحراك الثوري لن يتوقّف حتى تحقيق كافة المطالب، ودعا إلى الخروج في تظاهرات حاشدة، معتبراً ذلك أمراً مصيرياً وحتمياً، لا يمكن تأجيله أو التراجع عنه، كون الموت جوعاً أو قتلا أو مرضا أو قهرا هو البديل عن التحرّك الشعبي الهادر، والحراك السلمي الجارف، ضد عصابات الفساد والإفساد، والنّهب والصراع على السلطة والثروة والإيرادات، وتنفيذ أجندات الخارج.

المصدر : قناة بلقيس - هشام سرحان - خاص
تقارير

دعم التعليم.. نموذج رائد لتمسك أهالي قرية ريفية في تعز بحق أبنائهم

'تشتَدُّ المعاناة، يضيقُ الأفق، تنعدمُ الحلول، فتظهر روح المبادرة منقذاً، وتشرعُ صخرة الواقع المرّ بالإنزياح'، ذاك توصيف لحالة متكررة يمرُ بها المجتمع اليمني في مناطقه المفتقرة للكثيرِ من الخدمات الأساسية في ظل كسوف شبه كُلي لشمس الدولة ووهج خدماتها، لتمتَدّ المعاناة عقوداً، لكنّها قد تنتهي بمبادرة مجتمعية تُنْهيها أو تُخفِفُ منْ حِدّة وطأتِها على الأقل.

تقارير

انعدام الأصناف الدوائية المهمة.. طريق المهربين للربح السريع!!

أدى انهيار النظام الصحي في البلاد، وانعدام الكثير من الأصناف المهمّة والحيوية من الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة وغيرها، إلى تشكيل بيئة خصبةٍ لشبكات تهريب الأدوية التي أغرقت سوق الدواء بآلاف الأصناف المهرّبة، ويقبِلُ عليها المواطنون إمّا لانخفاض ثمنها أو لانعدام أدويتهم الضرورية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.