تقارير

العنف الممنهج.. هكذا يعمل الحوثيون لإخراج القبائل من معادلة الصراع

24/01/2023, 07:13:34
المصدر : قناة بلقيس - عبد السلام قائد

تواصل مليشيا الحوثيين اعتداءاتها على قبائل مديرية همدان شمال العاصمة صنعاء منذ أيام، حيث داهمت منازل السكان واختطفت عددا كبيرا من المدنيين، واستولت على أراضٍ زراعية واسعة وجرفت بعض محاصيل المزارع، كما طردت عددا كبيرا من السكان وهددت آخرين بتفجير منازلهم، ضمن حملة ممنهجة تستهدف القبائل اليمنية في مناطق سيطرتها بدأت منذ تحركاتها لدخول العاصمة صنعاء وما تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

- الانتقام من القبائل بعد خسائر معركة مأرب

ازدادت وتيرة قمع المليشيا الحوثية للقبائل في مناطق سيطرتها منذ مطلع العام 2022، إثر فشل معركتها الهادفة للسيطرة على منابع النفط الغاز في محافظة مأرب، حيث تعتقد المليشيا أن عدم وقوف القبائل إلى جانبها بقوة كان من أهم أسباب الهزيمة، لاسيما في ظل خسائرها البشرية الكبيرة، واعترافها بأنها خسرت في معركة مأرب 15 ألف مقاتل خلال ستة أشهر فقط، وربما أن الرقم أعلى من ذلك بكثير، خصوصا إذا أحصيت الخسائر البشرية خلال المعركة التي استمرت حوالي عام. 

وتتنوع مبررات مليشيا الحوثيين لقمع القبائل وإفقارها وتفكيك روابطها وإجراء تغيير ديمغرافي في المناطق التي توجد فيها أراضٍ زراعية خصبة، كما تستفرد المليشيا بكل قبيلة بمعزل عن الأخرى، وتحرص على تنويع جغرافيا القمع وتباعد المدة الزمنية بين كل حملة قمع وأخرى، لكي لا تتكتل مجموعة من القبائل وتخوض مواجهات مسلحة مع مليشيا الحوثيين يمتد شررها إلى قبائل في محافظات عدة. 

وإذا كانت حملات قمع القبائل واضطهادها والتنكيل بها تتم بذرائع غير سياسية، مثل افتعال خلافات حول أراضٍ زراعية أو معامل الأحجار والخرسانات المستخدمة في البناء، لكن ليس ذلك إلا ذرائع للتغطية على هدف أكبر، وهو إضعاف القبائل وإذلالها وإخراجها من معادلة الصراع تماما، خصوصا القبائل التي تبدي نوعا من الممانعة إزاء مشروع الحوثيين، مثل التي لا تدفع بأكبر عدد من أبنائها للقتال في صفوف المليشيا أو أنها تراوغ في دفع الإتاوات والجبايات الباهظة أو ما يسمى المجهود الحربي.

ويرى الحوثيون أن مثل هذه القبائل ترفضهم وتشكل خطرا على سلطتهم، فيتعمدون افتعال مبررات واهية للانتقام منها وإذلالها ونهب ممتلكاتها وتشريد أبنائها من خلال الاعتقالات والإخفاء في السجون السرية والطرد وزرع الثارات، وهذا ما تكرر حدوثه خلال السنوات الأخيرة في محافظات صنعاء وعمران وذمار وحجة والمحويت وغيرها، وذلك بعد أن تعمدت المليشيا تغيير مشايخ بعض القبائل واغتيال آخرين، بينما بعضهم اضطروا للمغادرة إلى المحافظات المحررة أو إلى خارج البلاد.

وبالتالي انتقلت حرب المليشيا على القبائل من المشايخ والوجاهات إلى عامة أبناء القبائل مباشرة، أي أن المليشيا بدأت بتحييد دور المشايخ والوجاهات الاجتماعية الذين تلتف حولهم قبائلهم وخشية من أن يتفقوا على تشكيل تحالف قبلي ضد الحوثيين، ثم انتقلت للتنكيل بالقبائل بعد أن صارت بلا قيادات محل إجماع، ذلك أن الحوثيين عينوا مشايخ لكثير من القبائل من المتحوثين الذين يخدمون المليشيا ويقفون إلى جانبها ضد أبناء قبائلهم.

- الخوف من دور القبائل

عندما بدأت مليشيا الحوثيين تستعد للانقلاب على السلطة الشرعية والنظام الجمهوري، كانت تدرك مدى فاعلية الدور القبلي في أي صراع سياسي أو عسكري في البلاد، استنادا إلى دور القبائل في ثورة 26 سبتمبر 1962 ضد الإمامة الكهنوتية التي جاءت من نسلها مليشيا الحوثيين، وقد استغلت المليشيا الانقسامات التي كانت بين بعض ما تسمى قبائل طوق صنعاء وتوظيفها لمصلحتها، لاسيما القبائل التي كانت ترى أنها مهمشة من نظام علي صالح، أو القبائل المعادية لقبيلة حاشد.

غير أن العامل الحاسم في تطويع كثير من القبائل للعمل لمصلحة مليشيا الحوثيين، يتمثل في تحالف الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح مع مليشيا الحوثيين وتسخير نفوذه وتحالفاته القبلية طوال 33 عاما لمصلحة المليشيا، كما سلم المليشيا أيضا عددا كبيرا من ألوية الجيش ومخازن الأسلحة، وبالذات ما كانت تسمى قوات الحرس الجمهوري، التي اندمجت سريعا في مليشيا الحوثيين دون عوائق نتيجة لتجانسها الاجتماعي والمذهبي مع المليشيا، لأنها تنتمي للمناطق التي تشكل حاضنة شعبية وطائفية للحوثيين، كما أن تحالف علي صالح والحوثيين وظف في بدايته العوامل القبلية والمناطقية والطائفية في الصراع، وذلك لاستثارة حمية القبائل في مناطق سيطرتهم، ودفعها للقتال إلى جانبهم.

وبعد أن تمكنت مليشيا الحوثيين من ترسيخ سلطاتها في مناطق سيطرتها، ومماطلة التحالف السعودي الإماراتي وعرقلته حسم الحرب ضدها وعرقلة استعادة الدولة، كان أول عمل قامت به المليشيا الحوثية هو التخلص من حليفها علي صالح، تلا ذلك التخلص من المشايخ القبليين الذين مهدوا لها الطريق إلى العاصمة صنعاء، وبعضهم قادوا قبائلهم للقتال إلى جانبها، لتبدأ المليشيا مرحلة جديدة من قمع مشايخ القبائل بدءا من العام 2018، ثم قمع القبائل ذاتها، لاسيما القبائل التي لم تنخرط كليا في صفوف المليشيا، وتدفع بأبنائها للقتال، وخسارة كل شيء لأجل حكم الحوثيين السلالي، وعدم المطالبة بأي شيء.

- إخراج القبائل من معادلة الصراع

تدرك مليشيا الحوثيين أن ترابط النسيج القبلي والاجتماعي بشكل عام يشكل خطرا عليها، لذلك فهي تتخذ كل الإجراءات الوحشية لإخراج القبيلة من معادلة الصراع وتطويعها لصالح السلالة الهاشمية العنصرية، وترسيخ نظام اجتماعي جديد تمثل فيه السلالة الهاشمية الطبقة العليا في المجتمع، لتكون هي صاحبة الحق المقدس (الإلهي) في السلطة والثروة، وتأتي القبائل في المرتبة الثانية، والتي ليس لها الحق في المشاركة السياسية، وإنما يقتصر دورها على خدمة المليشيا الحوثية والتضحية من أجلها بالمال والبنين وغير ذلك.

ولتكريس النظام الاجتماعي الجديد الذي من أهم أعمدته إخراج القبيلة من معادلة الصراع، بدأت المليشيا الحوثية بتصفية مشايخ قبائل ممن كانوا موالين لها في مناطق سيطرتها، حيث نفذت 30 عملية تصفية لزعامات ورموز قبلية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، ومارست أساليب مذلة لمشايخ ووجهاء قبائل أمام أتباعهم، ووضعت نهاية مأساوية لمشايخ لدرجة التمثيل بجثثهم وسحلها، عبر ما يسمى "جهاز الأمن الوقائي" التابع للمليشيا.

وبعد التخلص من عقدة المشايخ والوجاهات القبلية، بدأت المليشيا الحوثية بمحاولة إجراء تغيير ديمغرافي في مناطق بعض القبائل، بعد إجراء تغيير ديمغرافي في المدن الرئيسية، ولتحقيق ذلك، بدأت بمحاولات السيطرة على القطاعات التي تمثل العمود الفقري للرأسمال القبلي، مثل المزارع ومعامل الأحجار والخرسانات و"النيس" و"الكري"، وهي مواد أساسية تستخدم في أعمال البناء.

وقد كانت البداية من استهداف القبائل التي لم تعد تلبي رغبة مليشيا الحوثيين في استمرار تجنيد أبنائها والدفع بهم للقتال في صفوف المليشيا، خصوصا بعد أن خسرت بعض القبائل كثيرا من أبنائها في الحرب دون أي مردود، فالمليشيا تريد القبائل إما أن تكون وقودا لمعاركها حتى الفناء أو ستكون مهددة بالانتقام والعنف ونهب الممتلكات وغير ذلك من الانتهاكات.

الخلاصة، إن ظاهرة كراهية القبائل لمليشيا الحوثيين ونفورها منها تثير قلق المليشيا، مما دفعها لتكثيف إجراءاتها القمعية لإذلال القبائل وإخمادها ونهب ممتلكاتها وتفكيكها وإضعافها وتفخيخ نسيجها الاجتماعي بثارات ستنفجر مستقبلا، وفي مقابل ذلك تتراكم العداوات بين القبائل والمليشيا، وهذا التراكم يمهد لثورة شعبية ضد المليشيا، لكن ذلك يحتاج إلى التنظيم والتنسيق والتكتل في إطار تنظيم ثوري يضم مختلف المكونات الوطنية الرافضة للحوثيين ليكون فاعلا وحاسما.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.