تقارير

أمن البحر الأحمر.. بين تهديدات إيران وفشل السعودية

10/01/2022, 15:29:50

قناة بلقيس - خاص - عبد السلام قائد

تزايدت المخاطر التي تهدد أمن البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة، والملاحظ أن تلك التهديدات تستهدف السعودية حصريا، نتيجة لاستمرار الحرب في اليمن، وأيضا استمرار سيطرة الحوثيين على شريط طويل من الساحل الغربي للبلاد، وسيطرتهم أيضا على موانئ الحديدة، التي يتخذون منها منطلقا لأعمال عدائية ضد سفن الشحن والناقلات المختلفة، حيث سبق أن نفذوا هجمات بواسطة زوارق بحرية مفخخة ضد ناقلات نفط سعودية، كما زرعوا ألغاما بحرية على امتداد الشريط الساحلي الغربي الواقع تحت سيطرتهم لتهديد الملاحة الدولية.

وبرزت قضية أمن البحر الأحمر إلى واجهة الأحداث مجددا بعد احتجاز الحوثيين سفينة إماراتية قبالة سواحل الحديدة، كما نشر التحالف بقيادة السعودية مقاطع فيديو تؤكد عسكرة الحوثيين لموانئ الحديدة وتحويل أجزاء منها إلى مخازن سلاح، واتخاذها منطلقا لتهديد الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب، كما يتخذ الحوثيون من موانئ الحديدة منافذ لتهريب السلاح القادم من إيران، فضلا عن استفادتهم من العوائد المالية الكبيرة للميناء الذي تأتي من خلاله معظم واردات اليمن من الخارج.

- التسلل الإيراني

تعكس التهديدات المتزايدة لأمن البحر الأحمر فشل الإستراتيجية الأمنية للسعودية وإدارتها العبثية للأزمة في اليمن، والعمل على إطالة أمد الحرب، طمعا في تحقيق مكاسب هامشية لا تمثل شيئا يُذكر قياسا بما ستتكبده من خسائر مترتبة على ذلك، لأن إدارتها العبثية للأزمة اليمنية مكنت إيران من تهديد أمن البحر الأحمر عبر حلفائها الحوثيين، ما يعني توسع مساحة التهديدات وابتزاز إيران للسعودية والمجتمع الدولي عموما، من خلال التلويح بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، أو دفع مليشيا الحوثيين إلى تهديد طريق التجارة الدولية المار عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وشن هجمات بالفعل استهدفت عددا من ناقلات النفط والسفن التجارية، والتنصل من المسؤولية عن تلك الهجمات، واعتبارها أحد أوجه الحرب بين السعودية ومليشيا الحوثيين.

وكلما طال أمد الحرب في اليمن، ستظل المخاطر التي تهدد أمن البحر الأحمر في ازدياد، وترتبط تلك المخاطر بالخطر الوجودي الذي تمثله إيران ومليشياتها الطائفية على السعودية ودول الخليج، لا سيما بعدما مدت أذرعها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وباتت المليشيات الموالية لها في الدول المذكورة على تواصل وتنسيق فيما بينها، وتتبادل المقاتلين والخبراء والمدربين، لتشكل جميعها تحالفا وثيقا ضد دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية. وبما أن البحر الأحمر الأحمر بمثابة فضاء حيوي للاقتصاد السعودي، خصوصا بعد عزم المملكة تنشيط السياحة في عدد كبير من جزرها في البحر الأحمر وإعادة تأهيلها، فضلا عن مشروع بناء مدينة "نيوم"، بحسب رؤية 2030، فإن إيران ترى في البحر الأحمر وسيلة للي ذراع السعودية، وأيضا ابتزاز المجتمع الدولي، في حال توسيع العقوبات الدولية عليها بسبب برنامجها النووي.

- رهانات خاسرة

تراهن السعودية ودول الخليج على توثيق تحالفاتها الدولية لتأمين صادراتها النفطية، خصوصا أنه تنتشر بالقرب من مضيق باب المندب الكثير من الأساطيل والسفن البحرية للعديد من دول العالم بذريعة حماية سفنها التجارية، لكن ذلك ليس كافٍ، لأنه بإمكان الحوثيين والحرس الثوري الإيراني تهديد المياه الإقليمية السعودية وموانئ المملكة مباشرة انطلاقا من أقرب مسافة من السواحل اليمنية، وتحييد التواجد العسكري الدولي في جنوبي البحر الأحمر وخليج عدن (بالقرب من مضيق باب المندب) من خلال عدم التعرض له، علما أن دور التواجد العسكري الأجنبي بالقرب من مضيق باب المندب وجنوبي البحر الأحمر يقتصر على تأمين الملاحة الدولية، وليس تأمين موانئ السعودية ومياهها الإقليمية والتصدي لهجمات الحوثيين عليها.

كما أن إيران، ورغم ضعف قدراتها العسكرية البحرية، إلا أنها قادرة على إلحاق الضرر بصادرات الخليج النفطية، وتحديدا الصادرات السعودية، سواء بالقرب من مضيق هرمز أو في جنوبي البحر الأحمر، كما حدث في يوليو وأغسطس من العام الماضي من اعتداءات على ناقلات نفط خليجية، ما أعاد إلى الأذهان "حرب الناقلات" التي شهدتها المنطقة خلال ثمانينيات القرن الماضي أثناء الحرب بين العراق وإيران، واستهداف إيران لعدد من ناقلات النفط الخليجية بذريعة تقديم دول الخليج الدعم لنظام صدام حسين في العراق ضدها، وقد تسببت "حرب الناقلات" حينها بتدمير أكثر من 500 سفينة أو إلحاق أضرار كبيرة بها، وتوقف تصدير النفط تماما خلال عام 1984، كما قتل بسبب الهجمات أكثر من 430 بحارا مدنيا.

وقبل أكثر من عشر سنوات، ذكرت وسائل إعلام غربية أن إيران كانت تدعم القراصنة الصوماليين بالقرب من مضيق باب المندب لتهديد ناقلات النفط السعودية، تزامن ذلك مع الدعوة التي وجهها تنظيم القاعدة إلى أتباعه للتوجه إلى جنوبي البحر الأحمر وخليج عدن واستهداف السفن التجارية وناقلات النفط التي تمر عبر مضيق باب المندب. لكن منذ ذلك الحين حدثت تطورات كثيرة، فقد انحسرت ظاهرة القرصنة، وتراجع دور تنظيم القاعدة، وبرز في مقابل ذلك تزايد خطر إيران ومليشياتها الطائفية في بلدان عربية عدة، وصارت تشكل خطرا وجوديا على السعودية وتهاجمها برا وجوا وبحرا، وأغراها بالتمادي في ذلك فشل السعودية، وعدم قدرتها على حماية أمنها، وتقديمها المكائد والمؤامرات لإضعاف جيرانها على مواجهة الخطر الوجودي الذي تشكله إيران ومليشياتها عليها، وعدم قدرتها على إنشاء تحالفات قوية وجادة تضع حدا للنفوذ الإيراني الآخذ في التوسع وتطويق المملكة من جهات عدة.

- التدويل أم الحسم؟

يتزامن تمدد الخطر الإيراني إلى البحر الأحمر مع توجهات الدول الكبرى للسيطرة على البحار والمحيطات والمضائق البحرية في العالم، ومن بينها البحر الأحمر الذي تحول أيضا إلى ساحة للنفوذ العسكري، وكانت إيران من دول المنطقة السباقة إلى توسيع نفوذها البحري بالقرب من مضيق باب المندب، حيث تتواجد سفن حربية إيرانية في خليج عدن منذ نوفمبر 2008، للقيام بدوريات مكافحة القرصنة، بعد استيلاء قراصنة صوماليين على سفن شحن إيرانية، كما تعمل إيران على توسيع وجودها في منطقة القرن الأفريقي، وأنشأت هناك معسكرات تدريب لمليشياتها. وباستمرار الحرب في اليمن، وسيطرة الحوثيين على الساحل الغربي للبلاد، وانسحاب "القوات المشتركة" من هناك، فإن السعودية بذلك تكون قد منحت إيران مكاسب مجانية في خاصرتها الجنوبية والجنوبية الغربية، لتهديد أمن البحر الأحمر وأمن المملكة بواسطة الحوثيين.

وفي المقابل، فإن السعودية ليس لديها أسطول بحري قوي لتأمين مياهها الإقليمية وصادراتها النفطية، رغم الخطر الإيراني الذي بات ملاصقا لها، خصوصا أنها -أي السعودية- تعد أكبر دولة لديها شريط ساحلي على البحر الأحمر قياسا بالدول الأخرى المطلة على البحر ذاته، كما أنها تسعى إلى تطوير حوالي 200 كيلومتر على طول شريطها الساحلي على البحر الأحمر، ضمن رؤية 2030، لتنشيط المبادرات السياحية وجذب الاستثمارات الأجنبية، وأيضا فمدينة "نيوم" المستقبلية ستكون داخل نفس الشريط الساحلي، بالإضافة إلى مشروع سعودي - مصري مستقبلي لبناء جسر فوق البحر الأحمر، وما لم تحسم الحرب في اليمن واستعادة الدولة وتحقيق الاستقرار، فإن كل تلك المشاريع الطموحة للمملكة ستكون في مرمى التهديدات الإيرانية والحوثية، وقد لا يُكتب لتلك المشاريع النجاح.

كما أنه إذا استمر عبث السعودية والإمارات في اليمن والعمل على إطالة أمد الحرب إلى أجل غير مسمى، وإغراق البلاد بالمليشيات الفوضوية والسلاح المنفلت وتغييب الدولة، فإن ذلك سيترتب عليه تزايد الخطر على الملاحة الدولية وبالتالي تدويل أمن البحر الأحمر، كون البحر يكتسب أهمية اقتصادية كبيرة على الصعيد العالمي، وحركة الملاحة والتجارة العالمية عبره لا تهدأ، ويربط بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، وتدويل أمنه سيحوله إلى مسرح للأساطيل البحرية للعديد من القوى الكبرى المتصارعة، وفي حال حدوث احتكاك بينها، فإن الخطر حينها سيكون أشد، وكل ذلك بسبب سوء تقدير السعودية وفشلها وعبثها بالملفات الأمنية الحساسة.

تقارير

هجوم الحوثي على الإمارات.. هل ينعكس سلبا على الاقتصاد اليمني؟

يعيش اليمن على وقع تصعيد خطير، إثر قصف مليشيا الحوثي لأول مرة أبوظبي بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة وردّ الإمارات الفوري بقصف مكثف طاول صنعاء، والذي ستكون له تداعيات جسيمة على الاقتصاد اليمني والجهود الإنسانية الدولية للحدّ من الأزمة الإنسانية في اليمن، حسب مراقبين.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.