تقارير

بحثا عن الكنوز.. عصابات منظّمة تدمّر المواقع الأثرية في تعز

29/06/2022, 07:31:04
المصدر : هشام سرحان

خلال سنوات الحرب الماضية، انتشرت ظاهرة التنقيب عن الكنوز في المواقع والمقابر والقباب والأضرحة الأثرية بتعز، حيث تتم أعمال الحفر  والبحث في العتمة وتحاط بالسرية والتكتم، لكنها لا تخفي حجم الأضرار والخراب والدمار والتشويه الذي خلفته تلك الممارسات.

تبدأ الحكاية بقيام مواطنين، وتجار آثار، وعصابات مسلحة وجماعات مدفوعة من قِبل جهات خارجية ومنظمات مجهولة بالحفر بأدوات بدائية، بحثاً عن المخطوطات والعملات الذهبية والفضية القديمة، والتحف والتماثيل والنقوش والأشياء النفيسة، وغيرها من المقتنيات الأثرية. 

يستغل المنقبون الأوضاع الراهنة، وتفشي الفوضى والانفلات الأمني وغياب القانون، وافتقار المعالم الأثرية للحماية، وضعف السلطات المحلية والجهات المعنية بالآثار في المحافظة، وعدم قيامها بدورها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف العبث الحاصل بالشواهد التاريخية، وحمايتها وتعقّب العابثين بها، وضبطهم وإحالتهم إلى الجهات المختصة، وإنزال العقوبات الرادعة لهم.

- الفقر والبطالة 

كما أن انقطاع الرواتب، وتدني مستوى الوعي لدى المجتمع، وجهلهم بأهمية التراث الثقافي والتاريخي والأثري للشعوب، وذلك بالانجرار وراء الوهم والشائعات، جعلهم يبحثون عن الكنوز في عدد من المواقع الأثرية، سواء داخل مدينة تعز أو خارجها.

يذكر نائب المدير العام لفرع الهيئة العامة للآثار والمتاحف في تعز أحمد جسار، لموقع "بلقيس"، أن عمليات التنقيب عن الكنوز تتم غالباً في المواقع الأثرية التي تقع في أعالي المرتفعات والمناطق غير المأهولة بالسكان، وهي  ممارسات عشوائية وهمجية وعابثة، كما أنها ليست مدروسة، ولا تتبع منهجا علميا في الأغلب.

ويضيف "يستخدم المنقبون تقنيات وأدوات غير صالحة للتنقيب، ويحفرون وينبشون، بشكل عشوائي في أماكن متفرّقة من المعالم الأثرية، ما يحدث خرابا كبيرا في مرافقها، ويتسبب بكسر القطع الأثرية، والعبث بها، وطمس الشواهد الحية، والأدلة التي تشي بحقبتها الزمنية.

- أبرز المواقع 

يقول بعض المختصين: "إن هناك جهات خارجية داعمة، تدفع ضعاف النفوس، وتجار ولصوص الآثار نحو نبش المواقع الأثرية، والبحث عن الآثار والكنوز، وذلك من خلال نشر الإشاعات، وبث مقاطع فيديو وإعلانات مفبركة وكاذبة حول اكتشاف كنوز في بعض المناطق، في مسعى لتوجيه لصوص الآثار وعصابات الاتجار بها نحوها والمواقع التي تتواجد فيها"، حسب جسار.

تتعدد المواقع الأثرية، التي طالها النبش والتخريب، وذلك في مختلف مديريات  المحافظة، التي من بينها مدينة ثعبات التاريخية، ومديرية صالة، وموقع الظهرة في منطقة المشاولة، وموقع مدينة السواء، وحصن القدم المتواجد فيها ك، ومدينة جبا الأثرية في مديرية المعافر، وعدد من المواقع الأثرية في منطقة العزاعز بمديرية التربة.

ولم يتوقف التنقيب عند هذا الحد، بل شمل مواقع أخرى في مديريات موزع والوازعية والمخا الساحلية، والواقعة تحت سيطرة القوات المشتركة المدعومة إماراتياً، كما توسع نحو المزيد من المواقع وذلك في عدد من المناطق الأخرى، حسب الرواية الرسمية.

ويمتد عمر تلك المواقع إلى مئات السنين، كما تعود إلى حقب زمنية مهمّة ومتفرّقة، بينها عصور ما قبل الإسلام، وتحديداً الدول القتبانية والحِميرية والأوسانية، والعصور الإسلامية بما فيها عهد الدول الرسولية والأيوبية، والعثمانية، وغيرها حسب باحثين في الآثار.

يعيد ذلك الأذهان إلى ما حدث، قبل سنوات، إذ أقدمت عناصر مسلحة تابعة لجماعة أبو العباس، المدعومة إماراتياً، على نبش ونسف العديد من القباب والأضرحة والمعالم الأثرية، بينها مقبرة الملوك المتواجدة في المدرسة الأتابكية، التي تقع جنوب غربي مدينة تعز، وتعد المعلم الوحيد الذي أسسته الدولة الأيوبية في العام 589.

يقول سكان محليون لموقع "بلقيس": "إن أتباع جماعة أبو العباس، التي يقودها القيادي السلفي عادل عبده فارع، هدمت ثلاثة أضرحة نصف دائرية، ثم حفرت فتحة دائرية من الجزء العلوي إلى السفلي، ونبشت قبور الملوك الثلاثة، وهم مؤسس المدرسة الوالي سيف الإسلام سنقر الأيوبي، واثنين من عظماء ملوك الدولة الرسولية، هما الملك عمر بن علي بن رسول والملك المظفر يوسف بن علي بن رسول". 

- بعض التفاصيل 

يضيفون "أتباع الجماعة، التي تدّعي أن الأضرحة من مظاهر الشرك بالله، كانت تخفي الغرض الحقيقي من أعمال النبش بأدوات حفر حديدية، وهو البحث عن كنوز دفينة، ومخطوطات تاريخية قديمة، لكنها أخفقت في الحصول على مقتنيات أثرية، وألحقت خراباً ودماراً واسعاً في المكان".

وظهرت بوادر ظاهرة التنقيب عن الكنوز بالتزامن مع تزايد أعمال البسط والسطو على المواقع الأثرية والبناء عليها، والقيام بأعمال الحفر اللازم لوضع قواعد المبنى، ما يمكِّن القائمين على ذلك من العثور على مبانٍ قديمة وقطع أثرية تدل على ماهية الموقع، الذي يشاع أنه مليء بالآثار والكنوز، ويصل ذلك إلى مسامع لصوص الآثار وعصابات التنقيب عن الكنوز.

وقامت بمعظم التنقيبات عصابات وجماعات وأشخاص يفتقرون إلى الخبرة، وذلك خلافاً لبعض التنقيبات التي تجري أحياناً، وتقوم بها جهات منظمة ومتخصصة في ذلك، ولديها خبرة كافية في هذا المجال.

ويعثر أحياناً المنقبون على نقوش حجرية أو أوانٍ فخارية، لكن يتم كسرها أو رميها، وذلك لكونها لا تمثل قيمة مادية لدى لصوص الآثار وعصابات التنقيب عن الكنوز، حسب فرع هيئة الآثار في المحافظة، الذي شدد على قيمة تلك المقتنيات التي تساعد الباحثين والمختصين على كشف أسرار الموقع الأثري، ومعرفة تاريخه كما تروي حكاية التطوّر التي رافقها، وغيرها من التفاصيل الدفينة.

وفيما يجهل فرع هيئة الآثار في المحافظة الجهات التي تقف وراء التنقيب عن الكنوز، ذكر مسؤول محلي رفيع -دون أن يدلي باسمه- لموقع "بلقيس": "هناك جهات خارجية ومنظمات خفية تعمل تحت مسميات عدة، وتقوم بدعم وتمويل فرق تنقيب منظمة، توكل إليها أعمال البحث عن الكنوز، وسرقة الآثار والمخطوطات الأثرية، وتهريبها الى خارج البلاد".

وأضاف "لا نستطيع التكهن أو اتهام جهة بعينها في الوقت الذي توجد جهات مختصة بينها أجهزة الأمن والجيش والأمن القومي والسياسي وإدارة البحث الجنائي، التي تقع على عاتقها مسؤولية التحري والضبط، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المواقع الأثرية من النبش والعبث.

- فجوات أمنية 

تغيب الجهود والمساعي الرسمية الرامية نحو ملاحقة وتعقّب وضبط العصابات، التي تقوم بالتنقيب عن الكنوز 

حسب المسؤول ذاته، الذي أكد على أنه لم يتم ضبط أي متهم أو متهمين بأعمال التنقيب حتى الآن، فيما تم ضبط بعض  المتهمين بتهريب القطع الأثرية والمخطوطات إلى خارج تعز.

إلى ذلك، نفّذ فرع الهيئة العامة للآثار في المحافظة زيارات ميدانية إلى العديد من المواقع التي تعرضت للنبش والاعتداءات، كما خاطب محافظ المحافظة، نبيل شمسان، ودعاه إلى منع وإيقاف أي تصاريح للبناء أو الحفر أو البسط على المواقع الأثرية، وتعميم تلك الأوامر على مدراء المديريات، وفروع مكاتب الأشغال، وتوجيه أجهزة الأمن بضبط المخالفين، وإحالتهم إلى الجهات المختصة.

ويشدد فرع الهيئة على ضرورة القيام بحماية وحفظ المواقع الأثرية من الاعتداءات والحفر، ويقترح مسؤولون فيه العديد من الحلول، بينها تسوير تلك المواقع بأسلاك شائكة، وتوظيف حراس عليها، والقيام بأعمال تنقيبات علمية وممنهجة من قِبل مختصين في الآثار.

وتتطلب تلك الأعمال تمويلا مناسبا، وتوفير مبالغ كبيرة لإنجازها، وهو ما لا يمتلكه فرع هيئة الآثار في تعز، الذي تتواضع إمكانياته، ويفتقر إلى الموازنة التشغيلية، التي تمكّنه من القيام بأبسط واجباته، ما دفعه نحو إعداد خطط ودراسات للحفاظ على المواقع الأثرية، والتواصل مع المنظّمات الخارجية المعنية بحماية الآثار، وذلك لطلب العون منها والحصول على دعم وتمويل لخطط ومشاريع الهيئة.

من الناحية القانونية، يجرّم القانون تلك الممارسات، إذ يعاقب كل من هدم أو أتلف أو زوّر عمداً أثراً منقولاً أو ثابتاً، أو شوه أو غيّر أو طمس معالمه، أو فصل جزءا منه، أو تعمّد إخفاءه، أو اشترك في ذلك، بعقوبة الحبس لمدة ل اتزيد عن ثلاث سنوات، أو يدفع غرامة مالية تساوي قيمة الأثر، أو بالعقوبتين معاً، كما يعاقب كل من سرق أثراً أو جزءا منه، أو اشترك في ذلك بالعقوبتين مع مصادرة أدوات الجريمة لصالح صندوق دعم الآثار.

قانونيون ومسؤولون قالوا لموقع "بلقيس" إن العقوبات، التي ينص عليها القانون، خفيفة، وليست مناسبة أو كفيلة بالحد من الظاهرة، كما شددوا على ضرورة تعديل بعض القوانين الخاصة بالاعتداءات على المواقع الأثرية، وتضمينها بعقوبات صارمة.

خاص
تقارير

جباري: إيران تقدّم الحوثيين للعالم كأنهم أصحاب قرار بينما السعودية تتباهى بإذلال اليمنيين

استضافت قناة "بلقيس"، في الجزء الثاني من برنامج "لقاء خاص"، نائب رئيس مجلس النواب، عبد العزيز جباري، للحديث عن مشروعية البرلمان اليمني، وما الذي تريده السعودية والإمارات من اليمن، والعلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران، وكيف خدمت أبوظبي والرياض الحوثيين وأعاقتا مشروع استعادة الدولة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.