تقارير

فقدان العقول.. الوجه الخفي للحرب في تعز

10/10/2021, 09:14:02

الندوب العميقة والآثار الغائرة، التي تركتها الحرب الدائرة في تعز منذ العام 2015، أرهقت السكان وكوت أعماقهم، وأنهكت ذاكرتهم، وعصفت بأذهانهم، وسرقت عقولهم، ورسمت في أعماقهم نسخة مطابقة للتشوّهات والتجاعيد التي تركتها على ملامح المدينة وشوارعها وأحيائها ومبانيها ومظاهر الحياة فيها.

رافقت الأوضاع الراهنة تداعيات مأساوية وخوف ورعب ومشاهد مفزعة وأخبار صادمة وتدهور مريع للأوضاع المادية والمعيشية والصحية والإنسانية وغياب للخدمات وفقدان للرواتب والوظائف ومصادر الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وندرة للمساعدات والأعمال وغلاء للمعيشة وارتفاع في الأسعار وأجور السكن وانهيار قيمة العملة المحلية وتردي القدرة الشرائية وأزمات وقود وغاز متواترة.

سلسلة معانات وعذابات لا متناهية ضاعفت من الصدمات والضغوطات النفسية لدى المواطنين، كما تسببت في تدهور صحتهم النفسية، وتزايد أعداد المرضى النفسيين، تقول روايات متطابقة لموقع "بلقيس".

باغت البؤس والشقاء وشدة الحاجة العشرات ممن دمّرت الحرب منازلهم وممتلكاتهم وجرّدتهم من مصادر رزقهم ومِهنهم وممتلكاتهم وفاقمت من معاناتهم وأثقلت كاهلهم وجعلتهم محاطين بكمٍ هائل من الفاقة وشدة العجز عن تأمين الغذاء والماء والدواء والمأوى والكسوة ونفقات التعليم وغيرها من المتطلبات، كما أوصدت في وجوههم جميع الأبواب وأفقدتهم الأمل وجعلتهم عرضة للاكتئاب والقلق والضيق والحزن والعزلة والشعور باليأس والضياع. 

وجد الكثيرون أنفسهم محاصرين بالتحدّيات ومكبلين بالصعوبات والعجز عن التأقلم والتعايش مع التدهور المتسارع في أوضاعهم المختلفة، كما فقدوا القدرة على السيطرة عليها، والتقليل من حدتها وشدة ضراوتها، ما ألقى بهم في وحل الهموم والشرود والتفكير المتواصل والصدمات النفسية المتتالية، وزاد من اضطراباتهم النفسية ومخاوفهم وأرَقهم وشعورهم بالفاجعة وانفعالاتهم.

استدرجتهم التداعيات الكارثية للحرب والحصار نحو الشك والوسواس والعنف والسلوك العدواني والمشاكل الأسرية، وسلبتهم عقولهم ببطء، ودون أن يدركوا أن طريق الإصابة بالأمراض النفسية والجنون تبدأ من تلك التفاصيل.

* سرقة العقول

محفوظ علي (38 عاماً)، شاب سرقت الحرب عقله بعد أحلامه وطموحه في الحصول على وظيفة مناسبة لتخصصه إذْ تخرج وهو أب لطفلين العام 2014 من كلية الحقوق - جامعة تعز، وظل يعمل في نقل الرّكاب بباصه الذي يمتلكه منذ سنوات، ويعيل أسرته المقيمة معه في المدينة الواقعة جنوب غرب البلاد، ويوزّع عائداته المتواضعة على إيجار السكن ومصاريف عائلته ومتطلباتها الأخرى.

عاش حياة مستقرة في عشه الصغير، حتى حلت الحرب وبدأت تتسرّب إليه أخبارها، ومشاهد القتل والدمار، وكذلك تبعاتها المتعددة، بما فيها تراجع مستوى دخله، وتدهور أوضاعه المادية والمعيشية، وعجزه عن إطعام أسرته، والإنفاق عليها، والإيفاء بالتزاماته نحوها، ما زاد من حجم الضغوطات النفسية لديه.

داهمه القلق والاكتئاب، وساءت صحته النفسية، وأصبح ميالاً للعزلة، وكثير الشرود، وسريع الانفعال، ما رفع من وتيرة خلافاته ومشاكله الأُسرية، التي انتهت بترك زوجته منزله وأطفاله، وذهابها إلى بيت أهلها، وهناك طال بها المُقام، وتصاعدت حدة التوتر، ورفضت العودة، وطلبت الطلاق، وهو ما تم فعلاً. 

كان التشرّد من نصيب أطفاله، الذين أرسلهم إلى والدته في أحد الأرياف المجاورة، وتراكمت عليه الديون، وإيجارات السكن، وهو ما اضطره إلى بيع الباص، ومحتويات الشقة، التي غادرها عقب سداده إيجاراتها المتراكمة عليه.

شُوهد فجأة وهو يحدّث نفسه، ويهيم على وجهه في الشوارع حافياً وشبه عار، وتبادر الخبر إلى ذهن بعض أقاربه الذين بدورهم اقتادوه إلى إحدى العيادات للعلاج، ولكن دون جدوى. 

تدهورت حالته النفسية بشكل متسارع، في حين تملكت الحسرة والحزن والدموع والدته، ووالده الذي سرد لموقع "بلقيس" قصة نجله، كما تحدّث عن عدم قدرته على تحمل نفقات العلاج الباهظة، وهو ما دفعه إلى توثيق مخفوظ وإيداعه في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية العام في تعز.

سرقت الحرب عقول الكثيرين بمن فيهم الشاب سامي أحمد (32 عاماً)، الذي أصيب مؤخراً بحالة نفسية حادة، وهو ليس الوحيد في عائلته، فشقيقه الأكبر أصيب قبل سنوات بالمرض ذاته، ولأسباب تكاد تكون متشابهة -حسب والدهما الذي ذكر لموقع "بلقيس" أن الحرب لم تمكّن نجليه من العثور على وظائف بعد التخرج من الجامعة، كما أفقدتهما مصادر دخلهما.

ويضيف بكلمات متقطعة ومخنوقة بدموعه: "أفلس سامي، وأغلق بقالته المتواضعة، في حين فقد محمود عمله في إحدى المنشآت الخاصة، وساءت حالتهما النفسية، ولم أستطع تحمل تكاليف علاجهما".

رؤية علمية لما يجري 

إلى ذلك، أوضح أستاذ الإرشاد النفسي في جامعة تعز، الدكتور عدنان القاضي، لموقع "بلقيس": "الحرب سلبت الناس الكثير، وأثرت على مختلف النواحي، وأوقفت حياتهم، وأثّرت على الجانب الاقتصادي والاجتماعي والصحي والتعليمي والمادي والمعيشي، وأفقدتهم وسائل الترفيه النفسية والاجتماعية".

ويضيف: "أثّر ذلك سلباً على الصحة النفسية للمواطنين من مختلف الشرائح والفئات العُمرية، وجعلهم يشعرون بالضيق والقلق والاكتئاب، وزاد من حدة الضغوطات النفسية". 

استعرض القاضي الأعراض التي ظهرت مؤخراً في أوساط الأطفال والشباب وطلاب المدارس والجامعات، ومن أبرزها: القلق، والاكتئاب، والميول نحو العزلة، والشرود، وكثرة التفكير، والهمّ، والخوف، والشعور بالضياع، وقلة النوم، والغضب، والانفعالات العصبية، والتوتر، والهيجان، والهلع، والشعور بالندم، والحزن، والضياع، والتفكير بطريقة سلبية، والميول نحو العنف والعدوانية، وتقليد كل ما يدور أثناء الحرب، وتكوين الشلل والعصابات، حد تعبيره.

غزت الأمراض النفسية العديد من الأسر، وذلك على مستوى المنطقة الواحدة، وتشير تقارير دولية إلى إصابة شخص من بين كل 5 أشخاص في مناطق الصراع بأعراض نفسية، وترجّح منظمة الصحة العالمية أن خُمس اليمنيين، الذين يعيشون في مناطق الحرب، يعانون بعض أشكال الاضطرابات النفسية، بما في ذلك الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة أو الذهان. 

تصدرت الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، خلال سنوات الحرب السبع، قائمة الأسباب التي تقف وراء زيادة أعداد المرضى النفسيين في تعز، وذلك بنسبة 30% تقريباً، مقارنة بسنوات ما قبل الحرب، طبقاً لأطباء متخصصين في هذا المجال.

 

مصادر طبية في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية العام في تعز أكدت تزايد أعداد المصابين بالحالات النفسية في أوساط سكان هذه المحافظة، ولفتت -في حديثها لموقع "بلقيس"- إلى أن المستشفى يستقبل يومياً ما بين 15 إلى 30 حالة، في حين ذكرت إحصائية رسمية أن المشفى استقبل -خلال الربع الأخير من العام الماضي- قرابة 1700 إصابة باضطرابات نفسية متفاوتة.

المصدر : بلقيس - خاص - هشام سرحان
تقارير

معركة العبدية بمأرب.. تحولات الصراع ودلالاته

تُلقي التطورات الأخيرة للمعارك في محافظة مأرب بظلالها على مجمل الصراع في اليمن، لكن لا يعني ذلك أنه إذا حسم أحد الأطراف المعركة في مأرب لصالحه أن الحرب ستتوقف في البلاد عموما، وأنه سيتم تثبيت الوضع الراهن بانقساماته وتشوهاته، فالمعركة لن تتوقف إلا بعد القضاء على مليشيا الحوثي واستعادة السيطرة على العاصمة صنعاء وتسوية مختلف الملفات الشائكة في البلاد، وما عدا ذلك ستظل معارك الكر والفر قائمة إلى ما لا نهاية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.