منوعات

الأدوية المهربة في تعز.. بديل البسطاء السام!

21/01/2021, 15:33:37

قناة بلقيس - هشام سرحان

يجد المواطن محمد سيف (45 عاماً) صعوبة في اختيار الصّنف الدوائي "الأصلي" والفعّال، وتمييزه عن المهرّب، الذي ينتشر بكثرة في صيدليات وأسواق مدينة تعز.
ويبذل ما بوسعه للبحث عن العلاجات اللازمة لحصوات الكُلى، وهي معاناة يكابدها منذ عشر سنوات، لكنها اشتدت عليه مع غلاء أسعار الأدوية بنسبة 200%، ما جعله يتردد على عدد من الصيدليات، سعياً وراء التخفيض، في حين يجهل هذا القادم من أحد الأرياف الأدوية التي يتعاطاها، ويميّزها بأغلفتها وألوانها، ما يوقعه في فخّ الأنواع "المزوّرة"، التي تشكل نسبة 90% من الأدوية المهرّبة، المتواجدة في المدينة بمعدل 60% - حسب مصادر متطابقة.
ولم يعد سيف يلمس تحسناً في صحته، فالحصوات لم تعد تخرج كما كانت، فيما يشعر بمضاعفات صحيّة أخرى، ما يثير استغرابه من تدهور وضعه الصحي، وعدم فعالية العلاجات التي يتعاطاها بانتظام.
وتؤثر الأدوية المهرّبة سلباً على صحّة الإنسان لرداءتها وعدم مطابقتها للمواصفات، وانتهاء صلاحيتها، وسُوء نقلها وتخزينها، ما يجعلها في غاية السميّة والخطورة.
هذه الأدوية تتسبب في ارتفاع عدد الوفيات والمصابين بالأمراض القاتلة والمُعدية، التي تفتك باليمنيين، وتأخذ الكثير من الأرواح، كما تطيل أمد معاناتهم وتضاعف أوجاعهم.
وتحظى الأدوية المهرّبة بقبول المواطنين، لأسعارها المنخفضة، التي تزيد من معدل الإقبال عليها، وفق أحد الصيادلة (لم يدلِ باسمه)، والذي يرى "النُّبل" فيما يقوم به ويفسّر الغرض من ترويجه لها ب"تقديم بديل مناسب عن الأدوية الرسمية غالية الثمن وصعبة المنال".


* عوامل


ويعترف بأن عشرات الأصناف المهرّبة متوفرة في صيدليته وغيرها، وهو ما أشارت إليه مصادر متطابقة، مؤكدة وجود مئات الأصناف الدوائية، التي تدخل المدينة بطريقة غير مشروعة.
وتنتعش هذه الظاهرة في حالة غياب الرقابة ومغادرة الكثير من مكاتب الشركات والوكالات الدوائية مدينة تعز إبان الحرب، وتوقف ما تبقى منها عن الاستيراد جراء تفشي فيروس "كورونا"، وفرض جمارك مضاعفة على شركات الأدوية، إلى جانب تواجد مقراتها في العاصمة صنعاء، ما يجعلها غير قادرة على افتتاح فروع لها في مناطق سيطرة الشرعية.

وتلعب مليشيا الحوثي الدور الأكبر في خنق المدينة، واحتجاز الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء، ما يقلل من حجم الإمدادات، ويضاعف مأساة المواطنين، ويؤثر سلباً على حركة العرض والطلب، في ظل استغلال المليشيا الوكالات الدوائية المتواجدة في مناطقها ومنعها من إدخال الأدوية إلى مدينة تعز، التي تسيطر على معظم منافذها البرية للعام السادس على التوالي، فيما تسيطر القوات الموالية للشرعية على منفذ وحيد يربط المدينة بالعاصمة المؤقتة (عدن)، الأمر الذي يشي بتعدد الأطراف الضالعة في عمليات التهريب.


ويصعب على الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية تشخيص الوضع بدقة، لتواضع الإمكانيات، ومحدودية الصلاحيات، وتداخل السلطات مع مكتب الصحة العامة في المحافظة.
تقول نائبة مدير فرع هيئة الأدوية في تعز، الدكتورة سهام ملهي، لموقع "بلقيس"، إن جميع الصيدليات تتبع مكتب الصحة ولا تتبع الهيئة، والتي لا يسمح لموظفيها بتفتيش الصيدليات ومخازن الأدوية، وبالتالي لا يمكن التكهن بمدى تفشي الأدوية المهربة، ونسبة تواجدها في الصيدليات والأسواق.

وتعمل الهيئة العليا وفق التشريعات والقوانين المحلية، التي تحدّ من صلاحياتها، وتجعلها مقتصرة على رسم السياسات الدوائية، ومتابعة شركات الأدوية، وإرسال لجان إلى المصانع في دول المصدر، للتأكد من معايير التصنيع وجودة المواصفات، وإخضاع المنتج للفحص، ومراقبة أساليب التخزين، ومدى سلامتها.
وفيما تجرّم سهام الأدوية المهرّبة، تنفي قدرة الهيئة على تجفيف منابعها، "لكنها تقوم بمكافحة الظاهرة حسب إمكانياتها، من خلال توعية المواطنين بكيفية تمييزها".

*"مجبرون على شرائها"

وتؤكد أن "الدواء المهرّب سامّ وغير فعّال، كما يحتوي على مواد كيميائية خطرة على المرضى". في حين تشير إلى خلو المخازن الرسمية التابعة لتجار الجملة من الأدوية المهرّبة، لا تستبعد حيازتهم كميات مهربة في منازلهم أو مخازن أخرى مجهولة.
وتندرج الأدوية المزوّرة، وتلك التي يتم إدخالها بطريقة مموّهة مع بضائع تقلها شاحنات ليست مخصصة للأدوية، ضمن "المهرّبة".

ويدفع غلاء الأدوية الرسمية وشحتها في الأسواق المواطن إلى اللجوء إلى "المهرّبة"، كما يقول الدكتور الصيدلاني بكيل اليماني، مضيفاً "بينما تندر وترتفع أسعار أدوية 'ضغط الدم' و'السكري' و'القلب' المهمّة بالنسبة للمرضى، الذين يستخدمونها باستمرار، يلجأون إلى شراء المهرّبة".


ويفاقم انقطاع المرتبات من عجز الكثيرين عن توفير الأدوية، التي يشتري البعض "المهرّبة" منها، والبعض الآخر لا يستطيع شراءها، طبقاً للدكتور اليماني، الذي ذكر أن دواء "ليموكسين"، الذي يضبط عمل القلب، "كان سعر العلبة الواحدة منه 3600 ريال، وحالياً اختفى من الأسواق، ولم يستطع مرضى القلب أن يجدوه حتى ب10 آلاف ريال".
ويلفت إلى أن "هناك أنواعا مهرّبة من هذا الصنف متوفرة في الصيدليات، وتحتوي على رُبع كمية الصنف الأصلي، وبسعر يقارب 3500 ريال.

* دروب التهريب

"وتتجاوز طرق التهريب الطريق الرسمي إلى الموانئ والمطارات"، الحديث هنا لضابط في الجيش الوطني -لم يفصح عن اسمه-، ذاكراً "في حين تقترب السفن الكبيرة من سواحل ميناء 'راس العارة' في لحج، تقوم قوارب صغيرة بملاقاتها لحمل البضائع والعودة بها، ليتم إفراغها ونقلها إلى أحواش بين 'راس العارة' و'معبق' في لحج، وتتبع هذه الأحواش مشايخ وقيادات في السلطة المحلية والعسكرية بمحافظة لحج، بالتنسيق مع قيادات في الجيش والسلطة المحلية بتعز".

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.