منوعات

الحكمي .. مخرج صحفي أجبرته الحرب على "غسل السيارات" في صنعاء

28/12/2020, 07:48:54

قناة بلقيس - هشام سرحان

يعمل المخرج الصحفي سابقاً، هشام محمد الحكمي (37 عاماً)، في تنظيف السيارات بالقرب من مدرسة "الكبسي"، وسط حي "الجراف" بصنعاء، وذلك منذ أربعة أعوام، سبقها 17 عاماً من العمل الفني والإداري والنقابي في عدد من المؤسسات الإعلامية الرسمية.
والتحق بالعمل الإعلامي العام 2001، وغادره بعد انقطاع راتبه العام 2016، متجهاً نحو أحد الأرصفة، ومعه أدوات متواضعة خاصة ب"غسل السيارات"، وحلم متواضع لا يتجاوز كسب لقمة العيش وسد رمق أسرة مكونة من زوجة وثلاث فتيات وولد.

ويدرك اليوم جيداً غياب العمل الصحفي المهني والمفيد للمجتمع، إذ أضحت وسائل الإعلام تخدم أطرافا معيّنة وتراعي مصالحها الحزبية والسياسية، وتشوّه سمعة الأطراف الأخرى، في تراجع ملحوظ للعمل المؤسسي.
لم يرقْ للحكمي التعصّب الحزبي والمهاترات وخدمة أطراف بعينها، ما جعله يخفق في إيجاد عمل بديل، وينزلق في وحل الفقر والبطالة والفراغ والحرمان وتردي الأوضاع المعيشية والمادية.
ووصل به الحال إلى مستوى حرج وبالغ الصعوبة والسوء، فلم يجد في منزله رغيف خبز واحد، في حين أغلقت في وجهه كل الأبواب، ورفض أصحاب البقالات والخضروات إقراضه، لمعرفتهم بعجزه عن سدادهم بعد نقطاع راتبه.
ويعيش الإعلاميون أوضاعاً معيشية بالغة الشدة والخطورة، حسب نقابة "الصحفيين اليمنيين"، والتي طالبت الحكومة الشرعية مراراً بدفع رواتب العاملين في وسائل الإعلام الحكومية بالمناطق الخارجة عن سيطرتها، باعتبارها حقاً مكفولاً في الدستور والقانون.

*مأساة على الرصيف


وأجبرت الحرب الدائرة في البلاد للعام السادس على التوالي الكثير من الصحفيين والإعلاميين على مغادرة مهنهم، والتوجه نحو مزاولة أعمال أخرى، بينها أشغال شاقة، إلى جانب العمل في جمع النفايات، وبيع الخضار، والثلج، والمياه المعدنية، وغيرها.


وتعرّض الإعلام اليمني لانتكاسة خطيرة إذ تلاشت واختفت وسائل إعلام كثيرة، ما دفع بالإعلاميين وغيرهم من العاملين فيها نحو رصيف البطالة والفقر وشدة الحاجة، وأجبرهم على البحث عن  أعمال بديلة قد تمكنهم من سد رمقهم وتعصمهم من الجوع مع أسرهم.
اتجه الحكمي نحو "غسل السيارات"، معتقداً أن هذا العمل سيكون مفيداً ومدراً للدخل ومصدر رزق مناسب لتوفير احتياجات أسرته ويقيه طلب معونة الآخرين أو انتظار مساعدتهم وعطفهم وإحسانهم.
يقول لموقع "بلقيس": "بعد فقدان وظيفتي وانقطاع راتبي، تضررت مع أسرتي بشكل كبير، وعانيت معاناة شديدة، ففكرت بوسيلة تعصمني من الهمّ والعوز وشدة الحاجة".
ويضيف: "بعد شهرين اشتريت سرويس سفري وخزان مياه صغير، بمبلغ مائة ألف ريال، ورثتها زوجتي من أبيها، وبدأت أغسل السيارات في رصيف مدرسة قريبة من منزلنا، واتقاضى مبلغا زهيدا، لكني لم أسلم من المضايقات، وتكسير الخزان، والسجن مراراً من قبل البلدية، بحُجة مخالفتي للقوانين، واستيلائي على رصيف الدولة".
وتدخل بعض العقلاء، وأعطوه أدوات بديلة، مقابل توقيع التزام خطي بترك العمل في السرويس، وإزالته في حال تم صرف الرواتب.

*معاناةٌ بين "الشتاء" و"الصيف"

ورغم  الحرج، الذي كان يعتريه في مستهل عمله، إلا أنه قرر مواصلة المشوار لتوفير لقمة عيش شريفة له ولأسرته، مع تحمل المتاعب والمشاق المرافقة، وهي كثيرة ومتعددة، حسب الفصول، وتقلبات الطقس والمناخ.
ففي الشتاء، تتقرح قدماه ويداه من موجة الصقيع وبرودة المياه، التي يكافحها بدهان متواضع لا يوقف آلامه، بل يخفف منها، فيما يكتوي بأشعة الشمس في فصل الصيف، والتي يقاومها بقبّعة لا تقيه إلا القليل من الحر الشديد.
ويتعرّض للسبّ والانتقادات من قبل البعض، ممن يرون أنه اعتدى على الرصيف، وشوّه المنظر العام، وهو ما يتحمله، حفاظاً على لقمة عيشه ومشروعه الصغير، الذي يكفيه مد يده للناس.


ويشكو من مضايقات إدارة المدرسة، التي يعمل بجوارها، مشيراً إلى إقدامها أكثر من مرّة على رفع شكوى إلى البلدية للمطالبة بإزالته من الرصيف إلى جانب محاولتها إلزامه بدفع مبلغ شهري للمدرسة، وهو ابتزاز قابله بالرفض، ما عرّضه لتعنّت المدير والوكيل.
ويستعين بعائداته المتواضعة وغير الكافية، لمواجهة متطلبات الحياة الضرورية، حيث يوزّع دخله على إيجار المنزل ومصاريف أطفاله اليومية وأجرة العاملين معه، فضلاً عن شراء المياه والبترول، والذي يجلبه من السوق السوداء بسعر مرتفع، ليضمن استمرار العمل، والذي يتوقف أحياناً، إما بسبب الأمطار، أو انعدام المشتقات النفطية.

* مواقف مؤلمة

وتعلق في ذاكرته الكثير من المواقف، بينها لحاق نجله به مؤخراً للعمل بجانبه في "غسل السيارات"، إثر تعرضه للضرب والتعنيف والطرد من المدرسة، لعدم دفعه مبلغ ألف ريال، وهو ما تفرضه إدارتها شهرياً على الطلاب.
ووسط هذه الحسرة، يتطلع نحو اتفاق  الأطراف السياسية على صرف الرواتب المنقطعة منذ أكثر من خمسة أعوام، ويختتم حديثه لموقع "بلقيس"، قائلاً: "تحييد الراتب عن الصراع واجب ديني وأخلاقي وإنساني".

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.