منوعات

جفاف ومطمع للنافذين.. هكذا صارت مقاشم وبساتين صنعاء القديمة!!

11/03/2021, 14:56:41

قناة بلقيس - حسان محمد

لم يعد للورد مكان فيها، ولا لاخضرار الشجر، وتناساها الناس بعد أن كانت مقصدا للزائرين، ومتنفسا طبيعيا للعائلات، وروّاد المدينة التاريخية صنعاء القديمة، فاستبدلت زينتها الخضراء بأكياس المخلفات، وأكوام القمامة، وصارت مطمعا لأصحاب النفوذ والقوّة.

وعلى مشارف بستان 'العامري'، الذي كان أكثر المساحات الخضراء جمالاً، خيّم الجفاف وبقايا الأوراق الصفراء المتساقطة على المكان، باستثناء بقعة خضراء صغيرة على الرغم من وجود بِئر فيه.
تلك هي بساتين ومقاشم صنعاء القديمة، التي أصبحت خاوية على عروشها، وليس فيها سوى أشجار يابسة، وحشائش جافة تذروها الرياح، بعد أن كانت حدائق غَناء، ورئة تتنفس منها المدينة، وتوفر لقاطنيها العديد من الخضروات.

منتزه ومحاصيل

اشتق اسم "المقاشم" من الفجل، الذي يسمى باللهجة العامية الصنعانية  "القُشمي"، وهي عبارة عن المزارع الصغيرة التي تتوسط الأحياء السكنية في المدينة القديمة، وتزرع فيها محاصيل زراعية تُستهلك يومياً على الموائد اليمنية، مثل: "الفجل، البقدونس، الجرجير، البصل، وغيرها".
ويوجد في صنعاء القديمة 43 مقشامة وبستانا، تقع 34 منها داخل أسوار المدينة القديمة، و9 على الجهة الغربية من السائلة، وكانت مساحتها تزيد عن نصف مساحة المدينة القديمة، التي تبلغ  160 هكتاراً.

وبحسب السبعيني عبدالواحد الحبابي –أحد سكان المدينة- تعطي المقاشم، التي تطل عليها شرفات ونوافذ البنايات، مناظر جميلة للأحياء، لا سيما عند الإطلالة عليها من سقف المباني المجاورة، ويعد وجودها من الضرورات الحياتية لأبناء المدينة، لأنها توفر خضروات أساسية لموائد اليمنيين، وبساتين تقصدها العائلات والزوّار للتنزه، وقضاء أوقات استثنائية.
يقول الحبابي لـ"بلقيس": "صُممت صنعاء القديمة، بحيث لا يكاد يخلو حي من مقشامة تطل عليها البيوت من أربع جهات أو ثلاث أو جهتين على الأقل".

توقف دورة الحياة

يتناسب عدد المقاشم والبساتين مع عدد المساجد في صنعاء القديمة، حيث تمثل مع بعضها حلقة مترابطة ودورة حياتية، تبدأ بالمساجد والبئر الخاصة فيها، وصولا إلى المقشامة التي تستفيد من تصريف مياه الوضوء وعدم هدرها.

يقول منصر الطويل –أحد أبناء المدينة-: "ارتبطت المقاشم والبساتين بالمساجد، فكل مسجد نجد إلى جواره مزرعة تستفيد من مياهه، ولم تكن مياه المساجد في الماضي ملوثة، نظراً لتصميمها التقليدي الذي يراعي عدم اختلاطها بمخلفات المصلين، وانحصار استعمال المياه على غسل الوجه والأيدي والأرجل فقط".

في الوقت الحالي، تبدل النمط التقليدي لبناء المراحيض في المساجد، واختلطت المياه المنعدمة بالمخلفات الآدمية، ولم تعد مجدية في ري المحاصيل، لأنها قد تؤدي إلى أضرار صحيّة لمستهلكيها، كما أنها صارت تصرّف عن طريق شبكة المجاري الحديثة.
وتزامن غياب مياه المساجد مع عدم وجود حلول بديلة، سوى ربط بعض البساتين بشبكة المياه الحكومية التي تشكو حتى المنازل من انقطاعها، مما أدى إلى تدهور الكثير من المقاشم التي لم يكن أمام أصحابها من خيار سوى تركها تواجه الجفاف والانقراض، ويتحوّل بعضها إلى أماكن لرمي المخلفات، كما يقول منصر الطويل  لـ"بلقيس".

سطو بلا رقيب

ازدحام المباني، وتراصها أو تلاصقها أحيانا بسبب إقبال الناس على السكن داخل أسوار المدينة القديمة، نتيجة لدوافع أمنية، تمثلت في خشية الناس من مهاجمة اللصوص، وقطَّاع الطرق، أدى إلى تقلص المساحات المفتوحة، فجاءت حاجة الناس إلى المقاشم التي تمثل الفضاءات المفتوحة للمدينة.
ولأهمية هذه المقاشم والبساتين، التي تعد الرئة التي تتنفس منها المدينة التي تقل فيها نسبة الأوكسجين، خضعت المقاشم، في الماضي، إلى نظام محدد، ساهم في الحفاظ عليها وازدهارها، حيث منحت 'الأوقاف' تلك المزارع لأشخاص مهتمين بالزراعة، ويعيشون بالقرب منها، للإشراف عليها مقابل انتفاعهم بمحاصيلها دون دفع أي مبالغ للأوقاف، لكن هذه الإجراءات عُطلت، وتعرّضت المقاشم، التي كانت مساحتها تفوق مساحة البناء، للإهمال، وتناقصت مساحتها بفعل استحداث المباني والسطو على أراضيها، بحسب مصدر في الهيئة العامة للحفاظ على المُدن التاريخية.

يقول المصدر: "الصندوق الاجتماعي تبنى مشروعاً لترميم وإعادة تأهيل مقاشم صنعاء القديمة، بالتنسيق مع الهيئة العامة للحفاظ على المُدن التاريخية، إلا أن بعض أصحاب المصالح والنفوذ قاموا بعرقلة المشروع بهدف الاستيلاء والبسط عليها".
وتعرضت كثير من المقاشم للسطو على أيدي أشخاص نافذين في حكومة مليشيا الحوثي والحكومات السابقة، حيث تم الاستيلاء على مساحات واسعة من 'مقشامة' الجامع الكبير، وأجزاء من مقشامة "شكر"، التي هُدِّمت أجزاء كثيرة من سُورها, كما تعرّض بستان 'الهبل' ومقشامة 'العلمي' و'الحميدي' وغيرها، للاعتداءات والسطو.
ويستغرب المصدر من أنه "في ظل هذه الاعتداءات تلتزم وزارة الأوقاف والإرشاد، التي تعد هذه المقاشم تابعة لها، الصمت، وكأنها مغيّبة عن ما يحصل من مخالفات، كما هو الحال في الهيئة العامة للحفاظ على المُدن التاريخية وأمانة العاصمة".

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.