منوعات

لماذا توقفت عدن عن استقبال الطيور المهاجرة؟!

25/03/2021, 14:33:47

عند الثامنة صباحا، وجدتُ نفسي أقف في ساحل 'أبين' بمدينة عدن. بدا الجو لطيفا وهادئا، ولا يوجد غير عدد محدود من الأهالي والأسر التي تستغل حالة الهدوء في هذا الوقت من الصباح الباكر.

بالنسبة لي، بدت الصورة حزينة للمكان الذي كان قبل سنوات يشكل متحفا زاخرا بتشكيلات وأنواع كثيرة من أسراب الطيور المهاجرة والنادرة، التي ظلت تقطع المسافات الطويلة في مثل هذا التوقيت من العام، للوصول إليه وإلى أماكن أخرى في عدن.
اليوم لا شيء من ذلك، وبات المكان مهجورا بشكل كامل. لا وجود لأي من تلك الطيور التي كانت هنا كجزء من المكان.

اعتاد الناس على مشاهدتها وهي تقضي أوقاتا سعيدة هنا. كانت في الماضي القريب تشكل الطيور جزءا من معالم هذه المدينة الزاخرة بالكثير من المقوِّمات الجاذبة للطيور النادرة، ومكانا تجد فيه الدفء ومصادر الحياة لقضاء فصل الشتاء والاستجمام.

يقول عبده ردمان، أحد أبناء المدينة: "في الماضي كانت عدن زاخرة بمئات الطيور المهاجرة، التي تستقر فيها خلال فصل الشتاء، قادمة من أماكن مختلفة من العالم، لتحط هنا في عدن كل عام، وخلال تلك الفترة اعتاد الناس على مشاهدتها في سواحل عدن المتعددة، وظلت مصدر جذب للزوّار والهُواة أيضا، وتضيف  للمدينة طابعا خاصا، وتشكل معلما من معالمها البارزة".
يضيف -بحزن- "للأسف، خلال السنوات الماضية، ظلت أعداد الطيور المهاجرة، التي تتواجد في عدن، تتناقص".

خلال الست السنوات الماضية من الحرب، التي عاشتها اليمن عموما وعدن خصوصا، انخفض أعدادها بشكل ملحوظ، لكن العامين الآخرَين -تقريبا- لم تعد تتواجد بشكل كامل، خصوصا هنا في ساحل 'أبين'.
وحيث لا يمتلك الرجل -كغيره من السكان- إجابة واضحة تفسّر هذا الغياب للطيور المهاجرة، التي لم تعد تأتي إلى عدن، يحاول تفسير الأمر بأن عدن أصبحت مُوحشة، ولم تعد مصدر جذب لا للبشر ولا للطيور.
ويقول: "عدن اليوم ليست عدن الأمس، فلم تعد عدن المكان الذي ظل الناس يأتون إليه من مختلف محافظات الجمهورية، للاستمتاع والنُّزهة أو العمل والاستقرار. باتت عدن اليوم مدينة تسكنها الفوضى والتطرّف والأحقاد".

▪️ حالة الفوضى

منذ عقود، ظلت الطيور المهاجرة تأتى إلى ما يُعرف ب'الأراضي الرّطبة'، وتحطّ فيها أسراب وتشكيلات في رحلتها السنوية بين قطبي الكرة الأرضية.
وتشير المصادر في مؤسسة 'الحياة البرية' إلى أنه، منذ العام 2015، وتحديداً منذ بدء الحرب، توقفت عملية المراقبة لحركة الطيور المهاجرة، وهذا يعني أنه ليست هناك معلومات دقيقة حول ما إذا كانت هجرة الطيور قد تضررت بسبب الحرب، بعد تحول العديد من المناطق إلى ساحة مواجهات.

غير أن الواقع يكشف أن هناك عوامل أخرى، فقد شهدت عدن موجة سطو كبيرة على الأرضي، والتوسّع على حساب البحر، وتم دفن الكثير من مساحات الأراضي الرّطبة، لغرض البناء، ووفقا لنائب وزير الإعلام في الحكومة "المعترف بها دوليا"، حسين باسليم، الذي أوضح جزءا من الصورة عن واقع الطيور المهاجرة، فإن حصة عدن من 'الأراضي الرطبة' الأهم على مستوى الجزيرة العربية، والمقصود هنا بالأراضي الرّطبة: هي تلك المساحات من الأرض، التي تلتقي فيها اليابسة بالماء، وفي حالتنا هنا هي السواحل، البحيرات الساحلية، والسبخات المتنوعة.
وفي عدن، أعلنت في سنوات سابقة 5 محميات رطبة، هي: بحيرات 'البجع'، و'المملاح' في 'خور مكسر'، مستنقعات 'كالتكس' و'الحسوة' في 'المنصورة' ومصب الوادي الكبير و'خور بير أحمد' في 'البريقة' والمشهور محليا باسم "الفارسي".
وخلال الفترة من منتصف أكتوبر وحتى نهاية مارس من كل عام، وفي أجواء شتوية معتدلة، تكون الأراضي الرّطبة في عدن مستَقرا لنحو 10 آلاف طائر من 150 نوعا مختلفا من الطيور المائية، التي تتحرّك في أسراب مهاجرة بين آسيا وأوروبا من جهة وأفريقيا على الجهة الأخرى.

▪️ أشهر الطيور

وفقا للبيانات، التي تحتفظ بها هيئة 'حماية البيئة'، فإن أشهر تلك الطيور المهاجرة: 'النحام الوردي' و'اللقلاق' و'النورس' أبيض العين (البعض منها مهدد بالانقراض)، كما لوحظ في السنوات الأخيرة انخفاض أعداد هذه الطيور لأسباب عديدة.
وتأتي الطيور المهاجرة من أماكن متفرِّقة من العالم، بسبب تغيّرات مناخية تجعلها غير قادرة على العيش في موطنها الأصلي، إلى مدينة عدن عبر 'باب المندب'، الذي يعد أهم طُرق هجرة الطيور في العالم، حيث تهاجر من أفريقيا ومن 'الوادي المتصدّع' و'أوراسيا' في الصيف، وتعود إلى مواطنها الأصلية في الشتاء، وتتم عملية الهجرة عبر 'باب المندب'، وهو أضيق ممر مائي فاصل بين آسيا وأفريقيا، حيث تعْبره تلك الطيور قبل أن تتوزّع على أكثر من مكان.

▪️ 13 نوعا من طيور مستوطِنة

هناك الكثير من الدراسات التي عنِيت بالطيور المهاجرة،
وفي أحدث دراسة جرت في أكثر من 22 موقعاً هاماً في اليمن، ومنها مواقع في محافظة عدن، فقد كشفت دراسة أعدّتها منظمة 'حماية الطيور الدولية'، بالتعاون مع مجلس 'حماية البيئة'، عن احتواء عدن على 13 نوعا مستوطناً من الطيور، لا توجد في أي مكان آخر من العالم.

حيث تهاجر إلى اليمن آلاف الطيور خلال موسمي الهجرة في الخريف والربيع، فيما يزيد معدل الطيور التي تعْبر اليمن، ومضيق 'باب المندب' على وجه الخصوص، في موسم الهجرة، عن ستين ألف طائر يومياً، بحسب تلك الدراسة.
وحسب مختصين في علم البيئة، يمكن تصنيف تلك الطيور حسب الوقت الذي تهاجر فيه، والأسباب التي تفد من أجلها، إلى أربع فئات هي: طيور عابرة، وطيور زائرة صيفية، وطيور زائرة شتوية، وأخيراً طيور متحرّكة داخل اليمن.
وتكشف الدراسات، التي أجراها علماء التاريخ الطبيعي في فترة ماضية، أن أكثر من نصف فصائل الطيور التى سُجلت في اليمن هي طيور مهاجرة عابرة لا تتكاثر فيها أبداً.

▪️ 600 نوع توقفت عن القدوم


للتأكيد على أن الطيور المهاجرة ظلت جزءا من حياة مدينة عدن، تتقاسم مع الناس الحياة في مدينة لطالما ظلت مصدر جذب، يقول أحمد علي: "في الماضي ظل شغف الناس واضحا بالطيور المهاجرة، يترقبون موعد وصولها، كانت ثقافة الناس عالية جدا، حيث تقضي الطيور المهاجرة في عدن أوقاتا، تحظى خلالها باهتمام الناس وشغفهم كضيف عزيز مرحّب به. لا أحد يفكِّر في أذيّتها".
وما سمعناه عن هذه الفترة السابقة قبل إعادة تحقيق الوحدة اليمنية جدير بالتوقّف، يقول: "سمعنا عن أفراد من شدّة علاقتهم وحُبهم للطيور يقومون بتحويل منازلهم الخاصة إلى محميّة تحوي آلاف الطيور المهاجرة".

ويضيف: "للأسف، قست قلوب الناس اليوم، وصار الواقع صادما، واقع لم يعد مناسبا لهذه الطيور في عدن. لقد عانت محميّة عدن للطيور المهاجرة من إهمال، ازداد مع مرور الوقت، وهي التي كان يزورها أكثر من '600' نوع من الطيور، اليوم باتت خالية تماما،  وفقدت معها عدن هجرة الطيور السنوية المتنوعة، التي لطالما ظلت جزءا من معالم هذه المدينة".

▪️مطار الطيور المغلق

في مكان آخر، وفي طريق العودة من 'خور مكسر' تجاه 'المنصورة'، وعلى الطريق البحري الطويل، الذي يصل بين المنطقتين، اختفى ما كان ظاهرا هنا، فقد ظل هذا الجسر الشهير في السابق متحفا جميلا للطيور المهاجرة، يضيف لهذه المدينة جمالا آخر مع مشاهدات ظلت حاضرة لأسراب من الطيور البحرية، وقد حلت ضيفة على مياه البحر الضحلة، المتوزعة على الضفتين (اليمنى واليسرى) من الطريق، تتنقل من مكان لآخر على صفحة الماء، بحثا عمّا تقتات به من أعشاب وأحياء بحريّة.
هذا المطار الحيوي تعرّض لعوامل التجديف والبسط والتوسّع العمراني وتوسيع جنبات الطريق وردم البحر، في صورة من صور أنانية البعض، ممن بسطوا نفوذهم على المساحات.

• محميّة عدن


أما حال أشهر  محميّة بحيرات في عدن، والمعروفة باسم "بحيرات البجع" الممتدة من طريق "بدر" شرقا في مديرية 'خور مكسر' إلى مديرية 'المنصورة' جنوبا، وهي مساحة من أرض تغمرها المياه، بارتفاع يتراوح ما بين بضعة سنتميرات إلى ستة أمتار من أدنى مستوى للبحر (حالة الجزر). وهي مناطق حساسة، كونها تمثل بيئة وسطية بين اليابسة والماء، فقدت اليوم جزءا كبيرا من مساحتها بفعل توسع البناء، وما تبقى منها فإنها أيضا مهددة بالزوال، وأصبح الحفاظ عليها أمرا بالغ الأهمية للتوازن البيئي والتنوع الحيوي.
وتعتبر 'بحيرات عدن' آخر ما تبقّى من أنواع الأراضي الرّطبة المالحة في المدينة، وبالأخص في مديرية 'خور مكسر'، في ظل التوسّع العمراني الذي تشهده المدينة الساحلية. هذا التوسع شكّل أهم الأسباب الرئيسة التي أدت إلى توقّف الكثير من أنواع الطيور المهاجرة، التي ظلت تأتي في السابق إلى عدن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.