تقارير

عودة الاغتيالات السياسية في اليمن.. فتش عن المستفيد؟!

12/10/2021, 17:18:43

بعد مدة قصيرة من انقطاعها، عادت الاغتيالات السياسية مؤخرا في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظة حضرموت، ومن المحتمل أن تزداد وتيرتها في الأيام المقبلة في بعض المحافظات الجنوبية التي تسيطر عليها أو على أجزاء منها مليشيا ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا، وهي ظاهرة تعود بداياتها إلى ما قبل سنوات عدة، ونظرا لاستمرارها واتساع دائرة ضحاياها، في ظل غياب -أو تغييب- السلطة الشرعية في بعض المحافظات، فقد صارت تلك الاغتيالات وكأنها من ثوابت الوضع الأمني الهش الذي أفرزه غياب الدولة وحضور المليشيا.

ففي يوم الاثنين الماضي، اغتيل ثلاثة ضباط من وزارة الداخلية اليمنية من خلال تفجير عبوة ناسفة زرعت في سيارتهم بمدينة سيئون في محافظة حضرموت، وذلك بعد يوم واحد من محاولة اغتيال فاشلة استهدفت كلا من محافظ عدن أحمد لملس ووزير الزراعة والثروة السمكية سالم السقطري، وهما من قيادات المجلس الانتقالي، وأسفرت محاولة الاغتيال بواسطة سيارة مفخخة عن ستة قتلى وسبعة جرحى، ولم تكشف أي جهة فوريا مسؤوليتها عن الحادثتين المذكورتين، كما أن الأجهزة الأمنية، سواء التابعة للحكومة الشرعية (في سيئون) أو للانتقالي (في عدن)، لم تذكر أنها توصلت لمعلومات أولية حول منفذي العمليتين.

 من المسؤول؟

تعود ظاهرة الاغتيالات السياسية في العاصمة المؤقتة عدن وغيرها بعد تحريرها وطرد الحوثيين منها، إلى 6 ديسمبر 2015، وهو اليوم الذي شهد أول عملية اغتيال سياسي من العيار الثقيل طالت محافظ عدن الأسبق جعفر محمد سعد، تبعتها محاولة اغتيال فاشلة استهدفت رئيس فرع حزب الإصلاح في عدن أنصاف مايو، في 29 من الشهر ذاته. 

ومنذ ذلك الحين، اشتدت وتيرة الاغتيالات السياسية التي طالت عددا كبيرا من السياسيين والعلماء والدعاة وغيرهم، وغالبا تُوجَّه أصابع الاتهام إلى تنظيمات إرهابية غير مرئية ولا يراها أبناء عدن في مدينتهم ولم تداهم أوكارها الأجهزة الأمنية، إلا أن طبيعة الشخصيات المستهدفة بالاغتيالات جعلت أصابع الاتهام تتجه نحو الفاعل الحقيقي، وفقا للمقولة السائدة في عالم الجريمة المنظمة وغير المنظمة أو الفردية وهي "إذا أردت معرفة الفاعل الحقيقي فتش عن المستفيد".

ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية منذ ديسمبر 2015، وازدادت معها أجواء الخوف والقلق والاضطرابات النفسية والاجتماعية وموجات النزوح إلى محافظات شمالية أو إلى خارج الوطن من قبل كثير من الأشخاص الذين يشعرون أنهم "الهدف القادم" للجهة المنفذة للقتل والاغتيالات، وعادت إلى الأجواء مرحلة الصراعات البينية التي شهدها الشطر الجنوبي من الوطن قبل إعادة تحقيق الوحدة الوطنية، وتحديدا بعد أحداث 13 يناير 1986، التي أعقبتها موجة نزوح خوفا من القتل والاغتيالات السياسية التي سادت حينها.

ظل الفاعل الحقيقي المسؤول عن الاغتيالات في عدن وغيرها متواريا عن الأنظار وينفذ جرائمه بكل أريحية، بينما وسائل إعلامه أو التابعة له تحمل مسؤولية ارتكاب تلك الجرائم تنظيمات إرهابية، وهو ما تردده الأجهزة الأمنية أيضا بعد كل عملية اغتيال، وتؤكد أنها ستلاحق منفذيها.

لكن بعد نحو ثلاث سنوات من استمرار أبشع جريمة منظمة لم يسبق أن شهدتها اليمن عبر تاريخها الطويل، كشف موقع "بزفيد" الأمريكي، في أكتوبر 2018، تفاصيل مرعبة وموثقة تميط اللثام عن هوية الفاعل الحقيقي والمسؤول المباشر عن ملف الاغتيالات السياسية التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن ومدن أخرى، في حين كانت الأجهزة الأمنية تؤكد بعد كل عملية اغتيال أنها ستلاحق "الإرهابيين" المنفذين لها.

لكن موقع "بزفيد" كشف أن دولة الإمارات موّلت برنامجا لاغتيال ساسة ودعاة، خاصة قيادات في حزب الإصلاح، مستخدمة مرتزقة أمريكيين ضمن شركة يديرها إسرائيلي. وقال الموقع إن شركة "سبير أوبريشين" الأمريكية، التي تعاقدت معها الإمارات عام 2015، أسسها الإسرائيلي المجري أبراهام غولان، والأخير أكد أنه كان يدير فرقة مرتزقة ونفذ البرنامج المقر من الإمارات.

كانت المعلومات المثيرة التي كشف عنها موقع "بزفيد" الأمريكي بمثابة صدمة عنيفة في الأوساط اليمنية، لكنها لم تترك أثرا أو تحرك راكدا في مسار الأحداث أو موقف اليمن الرسمي من الإمارات، بل فقد ظلت الاغتيالات السياسية مستمرة، ولم تخف وتيرتها إلا خلال مدة زمنية قصيرة أعقبت سيطرة مليشيا ما يسمى المجلس الانتقالي على مدينة عدن في أعقاب أحداث أغسطس 2019، ربما لأن ترتيبات السيطرة على عدن والسباق على نهب الأراضي والممتلكات العامة والخاصة وصراع النفوذ بين قيادات "الانتقالي" صرف الأنظار مؤقتا عن الاغتيالات السياسية التي عادت بعد ذلك، وتشتد وتيرتها أحيانا وتخف أحيانا أخرى.

وفي حين كان هناك ترقب للموقف الإماراتي إزاء المعلومات الصادمة التي كشفها موقع "بزفيد" الأمريكي، خصوصا ما يتعلق بحجم الأموال الطائلة التي أنفقتها أبو ظبي مقابل كل عملية الاغتيال، إلا أن الصدمة التالية كانت عندما أقرت الإمارات بمسؤوليتها عن الاغتيالات السياسية في عدن وغيرها، ووصفت ذلك بأنه ضمن حربها على من سمتهم "الإخوان المسلمين" في اليمن، رغم أن عددا ممن اغتيلوا ينتمون للتيار السلفي الموالي للسعودية.

وخلال حفل استقبال رسمي، بحضور قيادات دولة الإمارات، بعودة قوات إماراتية من اليمن، في 10 يناير 2020، قال نائب رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية، قائد العمليات المشتركة في اليمن، عيسى بن عبلان المزروعي، إن قوات بلاده كانت تقاتل ثلاثة أعداء في آن واحد وهم الانقلاب الحوثي، والإخوان المسلمون، والقاعدة وتنظيم داعش.

الاغتيالات ودلالاتها

تعد ظاهرة الاغتيالات السياسية واستمرارها في العاصمة المؤقتة عدن وغيرها، منذ أواخر العام 2015 وحتى اليوم، نتاجا طبيعيا لإرث استبدادي محلي من خلال بعض شخوصه ونهج استبدادي آخر نقله حكام دولة الإمارات من وراء الصحاري والبحار إلى اليمن، وشجع ضعف السلطة اليمنية الشرعية والانقسامات الداخلية كلا من دولة الإمارات والمليشيا المحلية الموالية لها على خلق وضع شاذ غُيّبت فيه الدولة لتحل مكانها المليشيا والفوضى الأمنية والاغتيالات السياسية، ضمن ترتيبات طويلة ومعقدة لتصفية السلطة الشرعية وحلفائها والشخصيات الوحدوية المؤثرة تمهيدا لمشروع الانفصال.

ولذا، فإن الاغتيالات السياسية تستخدم لأول مرة كوسيلة لتحقيق مشروع سياسي خطير لا يحظى بالإجماع الشعبي، أي مشروع الانفصال، مع أن من يتبنون هذا المشروع ليس لديهم شعبية ولم يكتسبوا شرعية تمثيل جنوب البلاد للمطالبة به أو تبنيه أو محاولة فرضه كأمر واقع، ورغم ما حصلوا عليه من أسلحة وأموال وتشكيل مليشيات بدائية، إلا أن ذلك يظل دون الحد الممكن لفرض مشروع الانفصال.

كما أن الاغتيالات السياسية التي تطال بعض الشخصيات الوحدوية المؤثرة لا يعني أنه بمجرد التخلص منها سيتحقق مشروع الانفصال، بل فإن تلك الاغتيالات تسلب منفذيها أي مشروعية سياسية أو أخلاقية لتولي السلطة، وتصورهم كمجرمين وقتلة لا يأمن الناس حكمهم وتسليم رقابهم لهم وجعل مصير المواطنين والأجيال الجديدة مرهونا بنزواتهم في القتل وسفك الدماء.

وإذا كانت الاغتيالات السياسية وسيلة الأنظمة السياسية المتخلفة والاستبدادية في العالم الثالث للتخلص من الخصوم السياسيين، فإنها في حالة جنوب اليمن تعد وسيلة دولة الإمارات والمليشيات الانفصالية المحلية الموالية لها لتحقيق هدفين رئيسيين هما: الأول، ترتيب الأوضاع تمهيدا لمحاولة انفصال جنوب اليمن وإزاحة من سيعرقلون ذلك بواسطة القتل. والثاني، خلط الأوراق كلما ازدادت الدعوات المحلية والأجنبية لعودة أعضاء الحكومة الشرعية إلى العاصمة المؤقتة عدن، وإدارة شؤون البلاد من الداخل، بهدف خلق بواعث قلق ومحاذير أمنية تعيق عودتها إلى البلاد.

 

المصدر : بلقيس - خاص - عبدالسلام قائد
تقارير

معركة العبدية بمأرب.. تحولات الصراع ودلالاته

تُلقي التطورات الأخيرة للمعارك في محافظة مأرب بظلالها على مجمل الصراع في اليمن، لكن لا يعني ذلك أنه إذا حسم أحد الأطراف المعركة في مأرب لصالحه أن الحرب ستتوقف في البلاد عموما، وأنه سيتم تثبيت الوضع الراهن بانقساماته وتشوهاته، فالمعركة لن تتوقف إلا بعد القضاء على مليشيا الحوثي واستعادة السيطرة على العاصمة صنعاء وتسوية مختلف الملفات الشائكة في البلاد، وما عدا ذلك ستظل معارك الكر والفر قائمة إلى ما لا نهاية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.