تقارير
مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

أثار المؤتمر القبلي الذي احتضنه قصر الأمم المتحدة في مدينة جنيف نقاشات واسعة في الأوساط اليمنية والسياسية، بعد أن نظمته البعثة السويسرية ومركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (ديكاف)، بإشراف المديرة العامة لمركز "ديكاف" السفيرة ناتالي شوارد، وبرعاية وزارتي الخارجية السويسرية والهولندية.
وجاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.
أهداف معلنة وتساؤلات حول الجدوى
هدف المؤتمر، الذي شارك فيه نحو مئة شخصية من زعماء قبليين ووجهاء وممثلين عن منظمات دولية، إلى إشهار "ميثاق الشرف القبلي اليمني". وركزت الوثيقة التي عُرضت في جنيف على تعزيز دور القبيلة في ترسيخ السلم الأهلي، وحماية المدنيين والفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال والنساء وكبار السن، إضافة إلى احترام الأسرى والجثث وتحييد الأعيان المدنية كالأسواق والمستشفيات ودور العبادة.
غير أن هذه البنود قوبلت بتساؤلات نقدية حول مدى حاجة المجتمع اليمني لوثيقة جديدة، في ظل امتلاكه منظومة عرفية متوارثة وغنية بقواعد حماية الغرباء والمدنيين منذ قرون.
أزمة التمثيل وهوية المشاركين
وفي هذا الصدد، تساءلت الباحثة السياسية الدكتورة نادين الماوري عن المعايير المعتمدة في اختيار المشاركين، قائلة إن السؤال الأهم يتجاوز العناوين الاحتفالية للبحث في مدى تمثيل الحضور الفعلي للقبائل اليمنية، وما إذا كان المؤتمر قد جمع بين مشايخ وناشطين وإعلاميين تحت عنوان واحد يوحي بتمثيل قبلي واسع.
وأضافت الماوري أن الناشط أو الإعلامي لا يصبح شيخ قبيلة بمجرد جلوسه في مؤتمر دولي، مطالبة مركز "ديكاف" بكشف قائمة المشاركين وصفاتهم، وتوضيح مؤهلات الشخصيات المشاركة مثل باكحيل، والتحقق من الادعاءات المتعلقة بالاتصالات الخارجية والتدريب، لضمان عدم تحول هذه الفعاليات إلى واجهة لتبييض الانتهاكات أو منح شرعية لجهات دون مساءلة.
الأعراف التاريخية والقواعد المرجعية
من جانبه، أشار الصحفي، مأرب الورد، في طرحه إلى أن الأعراف القبلية اليمنية تتضمن بالفعل منظومة متكاملة لحماية المدنيين والأعيان المدنية، متسائلاً عما يضيفه ميثاق جديد لمنظومة عرفية قائمة.
واستشهد الورد بما تناوله الباحث السياسي عبدالناصر المودع حول حماية الفئات غير المقاتلة وتحييد الأسواق والقرى، وما وثقه كتاب "القواعد المرجعية العرفية لكافة القبائل اليمنية" الصادر عن الشيخ محمد بن علي صياد، والذي يتضمن 222 قاعدة عرفية تحمي الغرباء والمدنيين وتُغلّظ العقوبات على المعتدين عليهم.
وأكد الورد أن حماية المدنيين ليست مفهوماً طارئاً على المجتمع القبلي، وكان الأجدى دعم الأعراف القائمة وتعزيز تطبيقها بدلاً من الاكتفاء بإعلان وثيقة جديدة.
غياب آليات التنفيذ والمسؤولية الوطنية
وفي السياق ذاته، يرى الناشط الحقوقي رياض الدبعي أن حماية المدنيين واحترام الأسرى وحقن الدماء هي مبادئ موجودة أصلاً في القانون الدولي الإنساني والأعراف القبلية المعروفة.
وأوضح الدبعي أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب النصوص، بل في عجز بعض المشايخ عن أداء واجبهم الوطني والجمهوري في مواجهة مليشيا الحوثي وترك أبناء قبائلهم وقوداً للحروب.
وقال الدبعي إن المؤتمر كان ينبغي أن يبدأ بالبحث في آليات إلزام شيوخ القبائل بمنع تجنيد أبنائهم ومحاسبة المخالفين، مؤكداً أن اليمن يحتاج إلى مواقف عملية تعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، لا إلى مواثيق جديدة يُكتفى بالتوقيع عليها.


