مقالات

آثار معنوية خالدة لمعركة طوفان الأقصى

17/11/2023, 08:47:42

لم أعد أُفرِّق بين العلماني والإسلامي، بين الملحد والمؤمن، ذلك الذي يرى الوجود كله سوداوية وبين صاحب الميول المشرق والمزاج المنشرح. الشاعر والطبيب والروائي والفيلسوف. الكلّ يصدح بالنشيد ذاته. يا الله، لم يسبق في حياتي أن شعرت بهذا الإيقاع الموحد للشعوب كما ألتمسه منذ عشرون يومًا. ما الذي يحدث يا قوم..؟ يقال: لقد وقف البطل في ال7 من أكتوبر،  وقرأ البيان. فصعدت النغمة الأساسية لوجودنا المطمور. 

منذ أكثر من قرن، والعالم الغربي يُسرِّب إلينا معارك لا تنتمي إلينا. اهتمامات فكرية وتصورات عن حياة لا تشبهنا. حتى كدنا ننسى، من نحن..؟ ما هو المهم في وجودنا، أين يجب أن نعمل. في أي جبهة يتطلب تصريف جهدنا. كان يبدو أن الكثير لم يعودوا متأكدين من شيء. كل الطرق متشابهة. نشاطاتنا مبعثرة ومساراتنا متضاربة. جاء المُلثَّم وأشار بأصبعه نحو قصة كادت تغدو منسية. لكنها جذر، لن تنفتح مسارات ازدهارنا، دون العناية به. لكأن وحي ما هبط وأعاد اتصالنا بقضية، لا يمكننا الوقوف كعرب دون حسمها. 

أتذكر كلامًا، للمفكر والفيلسوف عزمي بشارة، تحدث به قبل أربعة عشر عامًا، في ندوة عن القضية الفلسطينية، قال فيما معناه: " لعل من قبيل الصدفة أن كانت فلسطين موقع لنشوء دولة اسرائيل. كان يمكن أن يتم زراعتها في أي مكان، فالهدف ليس فلسطين بذاتها؛ بل تفكيك الوجود العربي. ذلك يعني أن القول بإنها قضية العرب؛ ليس شعارًا عاطفيًا للتحشيد الديماغوجي؛ بل هي كذلك، لكونها متصلة بتصور هذه الأمة لنفسها وجوديًا." 

أتأمل ما يحدث في غزة، أحاول أخذ مسافة؛ كي أفهم فكرة عابرة للأحداث. وأعود لهذه الفكرة المبدئية: لا يُمكن أن يكون هذا مجرد صراع بين مجموعة مسلحة وجيش كبير. هذا الصدى العالمي، يحمل دلالة تتخطى حدود القضية بكل مركزيتها وخطورتها. لكأننا أمام تنازع حضاري وما فلسطين سوى رمزية لوجود عربي يحاول الفكاك من قيوده واستعاده وزنه الكامل في خارطة العالم. 

بوضوح أكبر: غليان العالم تضامنًا مع غزة؛ مؤشر أننا أمام قضية تتعلق بمصير أمة واسعة من البشر. " الأمة العربي من غرب أفريقيا حتى شرق أوربا" هذا حدث له علاقة بالموقع النهائي لهذه المنطقة الحساسة والمقصيّة في خارطة العالم. 

الصدى الذي اتخذته عملية طوفان الأقصى، ليس هياجًا عاطفيًا مبالغ به؛ انعكاس عفوي ودقيق لحدث يتخطى دائرته الجغرافية. لقد نجحت شرارة الحدث أن تتحول لكرة لهب وتدفقت الحشود في عواصم مدن العالم؛ منادية بعدالة القضية وساخطة ضد السياسات المنحازة للمحتل. 

ولعل من المفارقات الغريبة أن تكون غزة الواقعة تحت موت لا يفارقها طوال الوقت، هي أيضًا مصدر الولادة الجديدة لضمير الشعوب في معظم بقاع العالم الحيّة. فبقدر الموت المنتشر في كل شبر من أرض غزة. إلا أنّ هذه المدينة المنكوبة، تمكّنت أن تُوقظ وجدان الشعوب. العربية أولًا ثم باقي دول العالم. عربيًا، هذا المكسب المعنوي هو الأثر الأهم من آثار المعركة. لم يكن من السهل أنّ تصطّف الجماهير بهذه الحرقة والغضب وتُعيد التفكير بخطورة الخنجر المغروس في قلب خارطتها. 

عالميًا، انحياز معظم شعوب العالم للحق الفلسطيني، هو أمر يضاعف من القوة الأخلاقية للفلسطينيين باعتبارهم الطرف الحامل للحق وصاحب المطلب العادل. فما تقوله مظاهرات الشعوب في العواصم الغربية، تصريحًا أو بشكل ضمني: هو أن الفلسطيني صاحب حق مهدور ويقاتل ليسترد حقه وليس إرهابي كما يروِّج لذلك المحتل الصهيوني. 

وصحيح أن معظم حكومات الدول الغربية؛ خانت مبادئ الحضارة الحديثة وظهرت مواقفها كأنها انعكاس للفاشية الإسرائيلية، إلا أن الشعوب المتشربة لقيم الحياة وقداسة الإنسان، ظلت متّحدة بالأخلاق وخرجت لتعلن انحيازها ضد القتلة رافضة وحشية المحتل وهو يحرق الأرض؛ تحت مزاعم الدفاع عن نفسه. هذه اليقظة العالمية هي أهم مكسب أعاد القضية للواجهة ونشر الوعي بها بصورة ما كان بمقدور أحد أن يفعله. 

مرة أخرى، أتأمل بذهول احتشاد شعوب العالم، حالة التضامن من أقصى الأرض إلى أقصاها. ليس الأمر مجرد صدى لوحشية الكيان المحتل ولا اندهاشًا من بطولة أصحاب الأرض. وإن كانت هذه تفسيرات صحيحة. غير أن هذا التفاعل العالمي يحمل دلالة خفية وبعيدة. هذا الميلاد الأول للقضية بهذا المستوى العالمي منذ قيام دولة الكيان المحتل. إنها الولادة الأولى للقضية وربما مقدمة لولادة عربية شاملة مهما احتاج الأمر لقرون لاحقة ليتحقق بصورة كامل. 

كانت الشعوب العربية قد وصلت حدّ الملل والشعور بفقدانها أي دافع نحو القضايا الكبرى.

" أتذكر كلامًا لنيتشه يقول فيه: لا يكون المدافعون عن قضية ما نادرين، حين يكون الدفاع عنها أمرًا محفوفًا بالمخاطر، بل حين يصبح الدفاع عنها مملًا. والملل هنا ليس مزاج نفسي عابر فحسب، بل حالة ذهنية تنشأ نتيجة لعوامل كثيرة تحيط بالقضيّة، حتى يصبح الحديث عنها مشوشًا ومرهَقًا وباعثًا للسأم لدى المؤمنين بها والكافرين على السواء." 

عربيًا وقبل أي شيء، كان الملل هو الطابع السائد في الجو العام تجاه القضية. ذلك أنه مهما يقال عن وفاء الشعوب العربية وتمسكّها بالولاء لقضية فلسطين_ وهو قول صحيح طبعًا_ إلا أن الأجيال الجديدة كانت تفتقد لأي وعي يقظ بماهية القضية الفلسطينية ولم تكن تنطوي على أي شحنة عاطفية أو خلفية ثقافيها تجعلها مدركة لعلاقة مصيرها بمصير تلك الأرض المحتلة. 

حتى عشية اليوم المجيد؛ بدأ أن العربي محشور بهمومه الخاصة، هناك حالة من التباينات والنقاشات الهامشية المشتعلة في كل مكان وحول مواضيع مبعثرة. كما لو أن العرب قومية مذرورة، ما من شيء يؤطرها سوى اللغة وحتى اللغة لم تعد فعالة وحاسمة؛ كي توفر أرضية لنشيد موحد. لا أحد بمقدوره نكران التيه الواسع المُعمم فيما يخص شعور العربي بنفسه وموقعه من العالم؛ حتى جاء طوفان السابع من أكتوبر، نفض الغبار عن الحكاية فانتشر صداها ملء العالم. 

الخلاصة:

شعراء يكرهون السياسة حد الموت، مثقفون علاقتهم بكل ما هو ديني متوترة وينفرون من أي لغة لها علاقة بالأديان، رومانسيون يرون الوجود كله قصة حب وأغاني وأفلام. تنويريون حذرون من أي انزلاق لبيع الأوهام للناس. وأناس عاديون لا تجذبهم الشعارات الكبرى وليس من اهتمامهم الولاء لأي تيار أو قضية. كل هؤلاء تحولوا فجأة لبشر منخرطون في قلب القضية. 

أتابع تفاعلات الجميع، وأشعر بتحول غريب. كيف حدث هذا..؟ بظرف قياسي تفككت كل الحواجز النفسية في أعماق الكثير، وصاروا يرددون نغمة موحدة. تجاوزا تلك الحساسيات المبالغ بها تجاه بعضهم. تلك المحاذير تجاه الدين والجهاد والشقاقات الثقافية المتضخمة بينهم، وصار من يُعرِّف نفسه بأنه" لا ديني " يحاول كتابة قصيدة؛ يُمجّد فيها أبو عبيدة. ويشعر بالفخر. هذه الهزة المعنوية تحمل في جوهرها بذور مهمة لوعي كبير. وعي بأن هذه المنطقة الملتهبة من العالم، لها قدر وينتظرها استحقاق وتحتاج أن ترتفع فوق نفسها، تتأمل أين هي، وما الذي يجعلها حبيسة لهذا الوهن، تحتاج تسامي، حكمة سياسية، يفهم الناس بموجبها حاجتهم لفتح مسارات وعي جديدة، لتقليص الفجوات فيما بينهم؛ تمهيدا لصعود دورهم كأمة مركزية، من حقها لعب دور في إعادة تشكيل مصير العالم. 

هذا ممكن جدا، شريطة أن يتخلق اشتغال ثقافي متواصل؛ كي يمسك الخيط ويشدّه ويستثمر الأثر،ث ويبني عليه. أثر الطوفان في السابع من أكتوبر وهو يعلن فجر جديد، فجر يحمل أهلية كي يتواصل ويفتح آفاق جديدة للشعوب، للدول، للمستقبل الذي فقد الكثير طرقهم نحوه. 

مقالات

إسرائيل ولبنان.. حرب أو لا حرب؟!

أولاً: احتمالات الحرب حاليًا قائمة، ليس مع لبنان وحدها، وإنما مع دول الجوار: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان منذ احتلال فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني في 1948، وهي الآن قائمة بصورة مباشرة مع الأمة العربية كلها، رغم تهافت الدول المطبعة وذِلتها.

مقالات

طفولة أعياد القرية!

ذكرياتنا الندية عن أعياد الطفولة شجن لا ينتهي. الحنين للمّة العائلة الكبيرة، الأحضان الدافئة للأب والأم والجدات، مرح أرواح الأطفال وهي ترسم العِيد ببهجة جذلى للقلوب الغضة، أصوات الألعاب النارية وهي تقرع جرس إيذان العِيد بالمرح الشقي، عناق الأهل وزيارة الأرحام والأقارب، سلام الجيران وتهانيهم العِيدية "المقدسة"، وعلي الآنسي.

مقالات

حكاية الزَّمَار سعيد الفاتش (2-2)

لشدّة ما كان الفقيه مقتنعاً بنجاح خطته وصوابها من الناحية الشرعية، هجم على الفاتش لينتزع منه مِزمَارَه، ولِيزيلَ المنكر بيدِه عملا بالحديث الشريف؛ لكن الزمَّار سعيد الفاتش -رغم مرضه- كان مازال قوياً، وكانت يداه مازالتا قادرتين على الضرب والبطش، ثم إنه كان منتبهاً ومتوقّعاً وجاهزاً للرد، وبمجرد أن اندفع الفقيه لينتزع المِزْمَار منه سَلّ مِزْمَارَه المعمول من خشب صلب، وضرب به الفقيه ضربةً في يده، التي امتدت لأخذ مِزمَارِه، لكن تلك الضربة لم تشفَ غليله من الفقيه، الذي ألحق به الكثير من الأذى. ولشدة ما كان موتوراً منه، ضربه ضربةً قويةً في رأسه جعلت الدَّم ينبجس غزيراً، ولحظتها صَرخ الفقيه صرخةً أفزعت وكيل الشريعة حمود السلتوم، والحاج علوان، حتى أنهما بدلا من أن يهجما على الزَمَّار -بحسب الخطة - لاذا بالفرار.

مقالات

حكاية الزَّمار سعيد الفاتش (1-2)

كان سعيد الفاتش زمَّاراً ومغنياً وقارع طبل، وراقصاً موهوباً، وحكاءً وإنساناً جميلاً، وكان مدرسةً في الحب يحب الناس ويحب الحياة ويعيشها بشغف، ويجعل كل يوم من أيامه عيداً ومهرجان فرح

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.