مقالات

أسباب التلاعب الحوثي بمبادرات السلام

31/03/2021, 10:41:48

من المفارقات الغريبة أن تتمكن جماعة صغيرة، كل تاريخها المُعطى يتلخص بجدارتها في إدارة الحرب، لكنك تلاحظها أيضا وقد تمكنت من إدارة علاقتها بالعالم بطريقة لا تخلو من التفوّق على خصومها، ولو بالتحايل والمناورة، بمعنى أنها أجادت توظيف البُعد السياسي بنفس طريقتها في إدارة الحرب، وبما يخدمها في الحالتين. 

في لحظات الهزيمة، كما في لحظات النصر، يتحدّث الحوثي مع المجتمع الدولي بشروط عالية، ويحتفظ بمنطق متصلّب، كما لو أنه الطرف الأقوى الذي يتوجّب أن يخطب الجميع ودّه ويتنازلون له، وبهذا فهو يعزل أثر الواقع عليه، ويتعاطى من منطلق طموحاته القصوى، بصرف النّظر عن كل المتغيّرات المحيطة به، والمؤثرات الواقعة عليه. 

طريقة الحوثي في التعامل مع المجتمع الدولي نابعة من إدراكه لعدم وجود أي إمكانية دولية للضغط عليه، وهذا يعود إلى كونه جماعة داخلية بلا روابط حقيقية مع العالم، وبلا مشروعية داخلية أو خارجية تجعله عُرضة للإحراج والتراجع، لجانب تخففه من أي مسؤولية داخلية تجبره على تقبّل السلام. 

لهذا يحاول الحوثي دوما تصدير صورة دولية عنه، تُوحي بالقوة والقدرة على الصمود لفترة أطول، ويبدو بتلك الوقاحة المعتدّة بذاتها، متخففا من أي التزام قيمي أو سياسي إزاء الجميع، وبالتالي فهو ليس مستعجل ولا متحمس للقبول بأي مبادرة لا تحقق الحد الأقصى من طموحاته. 

يدرك الحوثي شعور السعودية باستحالة الحسم العسكري ورغبتها بانهاء الحرب المفتوحة، وما دام الخيار العسكري بات معطلا ولم يعد يشكل عامل تهديد حقيقي للحوثي، فالجماعة هنا تملك مساحة مريحة للمناورة، وهو ما يدفعها للتشدد في شروطها؛ كي تضمن انتزاع أكبر قدر من المكاسب في أي مبادرة معروضة للسلام. 

هناك تكتيك حوثي تستخدمه الجماعة دوما في طريقة تعاطيها مع المجتمع الدولي، وهو أنها تُطلق مواقفها العلنية المتعنّتة في البداية ثم بعدها تبدي مرونة في حديثها المغلق مع المجتمع الدولي، بما يجعل المجتمع الدولي يعوّل على تجاوبها ويُحجم عن اتخاذ مواقف دولية أكثر وضوحا تجاه تلاعبها. 

بلغة أخرى، وعند أي حديث عن مبادرة للسلام يدفع الحوثي بلغته الرافضة لمستوى حاد، ثم يلجأ لفتح الباب قليلا وإبقائه مواربا، هذا المدّ والجزر يغري الوسطاء الدوليين بتكرار المحاولة، ولا يمنعهم عدد تجاربهم السابقة والمتعثرة في الحديث معه، عن تكرار اللعبة، مهما كانت مآلات هذه التجارب غير مضمونة.

في اللحظة الراهنة، لا يبدو الحوثي متحمسا للقبول بالمبادرة بكل ما فيها، ليس الأمر لكون موقعه التفاوضي جيّدا، بل أيضا لكون حليفته الإقليمية ليست مستعجلة كذلك، وأعني هنا "إيران"، فهي -وإن كانت مثخنة بالعقوبات- تقول في نفسها: لقد تحملت ظروفا أشد اختناقا، ولم أتنازل، فكيف أتخلى الآن عن تصلبي والأجواء كلها تميل لصالحي والمجتمع الدولي يفكر بشكل حثيث كيف ينتزع مرونة ما منّي، ولهذا فلن تكون مستعدة للإيعاز لحلفائها في المنطقة والحوثي أولهم، بتقبل أي مبادرة، ما لم يسبقها تنازلات دولية تجاهها تخفف عنها العقوبات دونما مطالبتها بخطوات مماثلة تتعلق بمشروعها النووي. 

ليس من المصادفة أن الشروط التي يتمسك بها الحوثي (فتح مطار صنعاء، دون قيد ولا شرط، ودون خضوع الرحلات للتفتيش) كمثال، ليست شروطا ذات أبعاد إنسانية صرفة كما يدعي -حتى وإن بدت لوهلة كذلك- فهي في حال تمكّن الحوثي من دفع الطرف الآخر للقبول بها، سوف تصبّ في صالح رفع القيود عن الحوثي وتعزيز قدرته على التواصل بحليفته الإقليمية (طهران)، وهو ما يعني أن الجماعة لا تبيّت نوايا جادة لتجميد المسار العسكري، ومنح السلام فرصة للتحقق، بل تهدف إلى تعزيز عوامل قوتها الداخلية، وبما يضمن تفوّقها على خصومها، سواء في مستقبل التسوية أو في أي دورة حرب جديدة. 

الخلاصة: يحسن الحوثي استثمار نقاط ضعفة، ويتحرّك بخفة أكبر، فيما تبدو الشرعية مكبّلة بنقاط قوّتها. فالحوثي جماعة بلا مشروعية، وهذا نقطة ضعفها الأبرز؛ لكنها تستخدم تخففها هذا في التعامل بجموح أكبر، وتمضي في عنادها للنهاية. 

اكتسب الحوثي من إيران قدرتها على التعامل بسياسة النَفَس الطويل وتمديد الحرب والمكابرة لزمن مفتوح، حتى يصل العالم إلى حالة من السأم، ويتقبل تمرير شروطها بحدودها القصوى، وهذا ما ينتهجه الحوثي، خصوصا أنه يستمد مشورته من خبرائها الجيدين في إدارة اللعبة مع أمريكا والدول العظمى منذ زمن طويل.

المصدر : خاص

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.