مقالات

أكثر من توفيق في الطريق!!

16/07/2021, 07:55:03

قبل أزيد من عامين كتبت منشوراً قصيراً، للتذكير بواحد من الصحفيين المجددين في اليمن، الذي صار يعيش حالة مؤلمة من التشرّد، ويُقيم في إحدى 'اللوكندات' الشعبية البائسة  بالقرب من شارع 'هائل' في صنعاء.
وقلت وقتها:
"منذ فترة طويلة والكتابة عن قاسم أحمد عبد الرب هاجساً يتلبّسني.. فهو أحد القلائل من الصحفيين اليمنيين الذين كُنت أتابع كتاباتهم ـ على قلّتها ـ بكثير من الاهتمام، لما تجمعه بين رشاقة الأسلوب وعُمق الأفكار، وكُنت أعتبره أديباً سرقته الصحافة، وهو ما كان يتعزز عندي حينما كنت ألتقي به، وأستمع إليه وهو يتحدث عن الكتب والكُتاب، ومدارس الأدب والفنون، برصانة القارئ ونباهة الناقد. مرهف الأحاسيس لم يحتمل الانحدارات المُريعة لوضع البلاد إلى ما هو أسوأ مما كان يتوقعه عاقل، فهجر الكتابة والناس، ليعيش حالته الخاصة، التي صارت بمثابة ازدراء مقيت للحياة ذاتها. لا أدري كيف السبيل إلى انتشاله من وضعه هذا؟! أظنُّ أن قيادة نقابة الصحفيين وأصدقاءه وزملاءه القدامى في الحزب الاشتراكي وصحفه يستطيعون عمل الكثير لقاسم المثقف والصحفي المحترم".

أعاد بعض الأصدقاء تداول المنشور مع الرحيل المؤلم للشاعر والمثقف الصديق توفيق سيف القباطي، الذي تُوفي في مدينة الحديدة في 10 يوليو الماضي، بعد أن عاش الظروف ذاتها التي يعيشها اليوم قاسم عبد الرّب، وطالب العديد منهم بالسعي الجاد لانتشاله من هذا الوضع القاسي، قبل أن تنهمر الرِّثائيات في بكائه، وقبل أن تكرِّمه الكلمات بعد مماته، وهو الذي لا يجد ما يسدُّ به رمقه في حياته.
وغير قاسم عبد الرّب هناك الفنان التشكيلي المرموق رشاد إسماعيل، أحد أبرز  مخرجي 'مجلة اليمن الجديد' في ذروة مجدها في ثمانينات القرن الماضي، التي كانت بمحتواها تُعد ضمن الصحافة الثقافية المتقدّمة في المحيط.

رشاد المتخرِّج من كلية 'الفنون الجميلة' في القاهرة، في العام 1984م، عاد إلى اليمن ليعمل موظفاً في إدارة الفنون التشكيلية في وزارة الإعلام والثقافة، ومصمماً ومخرجاً في المجلة، ويعتبر من أوائل المتخصصين في فن 'الجرافيك' وروّاده  في اليمن، لكنّه منذ أكثر من عشرين عاماً، وبعد توقّف المجلة، حدد خياراً صعباً لمساره، وهو الصمت والهروب المُؤلم، وها هو اليوم يعيش الظروف ذاتها التي يعيشها قاسم، وعاشها قبلهما الراحل توفيق سيف القباطي.   
هاتان الحالتان المتجسدتان أمامنا تختزلان عشرات القصص عن مبدِعين يمنيين يعيشون ظروفاً قاسية في ظل الحرب والتنكيل في شمال البلاد وجنوبها، ولا يجدون في طريقهم أياً من المؤسسات والجهات الرسمية وغير الرسمية لمساعدتهم في تجاوز مثل هذه المحن، التي لم يعودوا وحدهم المسؤولين عن إنتاجها، أو عن تأثيراتها في حياتهم الشخصية، بعد أن صارت واقعاً مفروضاً عليهم.

اتصل بي أحد الزُّملاء القُدامى، ممن اشتغلنا معاً في الصحافة الثقافية، من يومين فقط، وكُنت أظنّه قد غادر إلى أحد المستقرات الجديدة في العواصم لتعدد علاقاته التي أعرفها، تفاجأت بهذا الاتصال، بسبب انقطاع تواصلنا الطويل.. وبعد السلام  والسؤال عن الاتحاد والزملاء، بدأ حديثاً صعباً، ثم أجهش بالبكاء، طالباً منِّي السعي لدى صديق مشترك لمساعدته في كسوة أطفاله الأربعة،  بعد أن ضاقت به السُّبل، وإن الأعمال الهامشية، التي يزاولها في مدينة ثانوية بعيداً عن أعين الناس، لم تعد تطعمهم.

العديد من الأصدقاء المعروفين يتلقون مثل هذا الاتصال مراراً وتكراراً، من مبدعين ومثقفين قهرتهم الأيام بصعابها، وحمّلتهم جبالاً آثمة من الوجع.
في الحالات القريبة التي أعرفها، وتنتمي للمؤسسة النقابية ذاتها، أقول، وعن معرفة أكيدة، إنه لا يمكن لجهة اعتبارية، مثل اتحاد الأُدباء والكُتاب اليمنيين بوضعه الحالي، أن توفِّر أي نوع من الحماية لمنتسبيها وأعضائها الواقعين تحت هذه الوطأة، بسبب الانقسام البائن في هيئاتها (الأمانة العامة والمجلس التنفيذي)، فقد ترتّب على هذا الانقسام تعطّل عمل الاتحاد بشكل مطلق، بما فيه الاسنادات المعنوية في البيانات والمناشدات، على العكس من نقابة الصحفيين التي تشكِّل، بين وقت وآخر، متراس دفاع عن منتسبيها، وإن لبعض قياداتها النشطة في الخارج بعض العلاقات، التي يمكن أن تقدِّم بعض المساعدات الفردية هنا وهناك، حسب علمي، وهو ما نتمنّى أن ينعكس بشكل مباشر على الأخوين قاسم ورشاد وغيرهما، في حال الرغبة بمساعدتهما.

أما التعويل على وزارة الثقافة - المنقسمة بين صنعاء وعدن - بوصفها مؤسسة رسمية، لمساعدة العزيزين وغيرهما من المبدِعين المشرَّدين غير مجدٍ أيضاً، لأن حسابات القائمين عليها هنا وهناك  تُبنى على قُرب  أو بُعد الأشخاص من مواقفها في ظرف الانقسام، وتتحدد أيضاً على مكان إقامتك وقُربك من مسيِّريها والنافذين فيها.

ليس أمام المنهكين والمتهتكين من المثقفين والمبدِعين والإعلاميين اليمنيين من وسيلة غير البحث عن أدوات مقاومة أخرى، لانتزاع حقوقهم من بين أنياب وحوش الإفساد والاستبداد، وأول خطوة في الطريق الطويل والشاق هي إدانة أدوات الحرب ومفاعيلها بمن فيهم المتكسبون من إطالة أمدها، وكذا إدانة المنتفعين من اقتصادها المادي والمعنوي، الذي أثرى منه الكثيرون، ومنه صنع البائسون أمجادَهم في الخراب

المصدر : خاص
تقارير

فشل مساعي الحل السياسي.. كيف تعقدت الأزمة اليمنية؟

تزداد الأزمة اليمنية تعقيدا يوما بعد يوم، لدرجة يبدو معها استحالة الحل السياسي، حيث فشلت كل الجهود المبذولة لحل الأزمة سياسيا ووقف إطلاق النار، وآخرها المساعي الأمريكية والأممية والعُمانية المكثفة، خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي عجزت عن تحقيق مجرد اختراق في جدار الأزمة يمكن التسلل من خلاله لإحداث ولو نوع من التقارب والمرونة التي يمكن البناء عليها لتحقيق السلام.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.