مقالات

الإمامة والشعور بالعزلة

21/07/2022, 07:20:50
بقلم : محمد صلاح

إذا كان لكل سلطة سيكولوجيتها، ونفسيتها الخاصة التي تميزها عن غيرها، فقد تميزت الإمامة بالنهب، والفيد، وتدمير كل ما يخدم المجتمع، والصالح العام.

تطرح الزيدية بأن "الإمام من آل البيت المفترض الطاعة على المسلمين هو الذي يمضي بدعوته شاهرا سيفه" وهو ما يؤكد على شعور الدعاة والأئمة برفض الناس لسلطتهم، بسبب طبيعتها المستندة على الاستعلاء العنصري التي ترفضها الشرائع السماوية، والارضية، وتنفر منها الطبيعة البشرية، ولذلك أدخلوا القوة، والعنف بحد السيف، وشرعنته دينيا ليضفي الشرعية على أفعالهم.

كان الأئمة يدركون الرفض الشعبي لسلطتهم التي تقوم على الاصطفاء، والتفضيل، تلك التي ترفضها طبيعة المجتمع اليمني كما أشرنا إلى أسباب ذلك في مقالات سابقة، لذلك سعوا إلى جانب تشريعهم لاستخدام السيف ببث الدعاة، وتأليف الكتب، والرسائل، ونشرها بين العامة من أجل تعزيز تميزهم، واحقيتهم في الحكم، وقد حققوا اختراقا بشأن السلطة بين البسطاء في بعض المناطق المعزولة، وقد جاء ذلك بسبب طول الفترة التي ظلوا يبثون فيها تعاليمهم، ثم إلى ربط ذلك بالعقيدة، بحيث جعلوا الإمامة من أصول الدين لا يكتمل إيمان الفرد إلا بتحقيقها.

كما كان كل إمام يصل إلى السلطة، يدرك عدم استمراره، واحتفاظه بما تحت يده من المناطق، إذ سرعان ما كان يجد نفسه محاصرا بالمطالبين بالإمامة، وكل داعية كان يقدم نفسه باعتباره الأحق بها من سواه، وقد سوغ ذلك ما قامت عليه النظرية السياسية في المذهب الزيدي، والتي تجيز خروج أكثر من إمام، الأمر الذي أغرى المتنافسين، والطامعين بالسلطة، لشرعنة كلما يخدم أطماعهم في الحكم.

كانت سياسة استباحة أموال الخصوم هي الوسيلة المتاحة لتمويل الصراع على السلطة، وقد تحولت مع الزمن إلى استراتيجية ثابتة، وراسخة، حتى في عهود الاستقرار، تلك التي شهدتها البلد، ومن أمثلتها ما جرى بعد خروج العثمانيين من اليمن في القرن السابع عشر 1635، إذ تحولت المناطق ذات الموارد الزراعية إلى ساحة للتنافس على نهب أموالها، واستباحة خيراتها، حن قبل أقطاب السلطة الإمامية، إلى أن وصل بالمتوكل على الله إسماعيل أن تعامل معها باعتبارها أرضا خراجية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الوضع، بل ضاعف الجبايات على السكان تحت مسميات متعددة، ومطالب متنوعة، لم يعرفها قطر من أقطار الإسلام، الأمر الذي قاد إلى انتفاضات متكررة، من قبل السكان، في وجه السلطة المركزية، وخروج المناطق تباعا، حتى تفككت البلد إلى عديد من المشيخات، والسلطنات، وسهل على الاستعمار البريطاني الوثوب على جزء من البلد، والهيمنة عليه، وقاد إلى عودة العثمانيين مجددا إلى القسم الآخر.

ومثلما نال المتوكل على الله إسماعيل ثالث أئمة الدولة القاسمية، ومن تلاه من الأئمة في انهاك المجتمع بالجبايات، والضرائب، والمكوس في القرن السابع عشر، والثامن عشر، فعل ذلك ايضا الإمام المتوكل على الله يحيى حميد الدين بعد خروج العثمانيين عقب الحرب العالمية الأولى من اليمن، فقد كانت طريقته في الحكم والوسائل التي استند عليها نظامه، جعلت من ابناء مناطق الجنوب، والمشرق، تنفر من التقارب معه، خصوصا، بعد الذي رأت منه في تعامله مع اليمن الأسفل، وكيف نهب خيراتها، وسجن رجالها، وأخذ الأطفال رهائن لديه، رغم أنهم وقفوا إلى جواره في مواجهة العثمانيين خلال جولات حروبه المخادعة، وكان من نتائج تلك السياسات كما يقول الدكتور أبو بكر السقاف "انها اماتت الحس المعادي للاستعمار في نفوس اليمنيين". 

إن طبيعة السلطة الإمامية أفرزت انقساما ليس فقط بين ابناء المناطق اليمنية المختلفة، ولا مع المذاهب الأخرى وحسب، بل إنها أنهكت الأسر التي تنتمي إلى ال البيت، وكان الصراع بين الأقارب، أشد من الصراع مع غيرهم.

وبسبب تأسيس السلطة داخل المذهب الزيدي على قواعد عصبية، ومنطلقات عشائرية ضيقة، بغطاء ديني زائف، في ظل أوضاع، وأحوال مجتمعية لا تتيح الهيمنة، والسيطرة على وسائل القوة، واحتكارها، من قبل ال البيت، فإن ذلك أسهم في استمرارية الحروب، والفتن بصورة عبثية.

وما يلفت النظر أن المسألة التي تفوقت فيها الإمامة على سواها من القوى الاجتماعية، هي التعبئة لخوض الصراعات تحت لافتات دينية، وهي وإن تقدمت على من عداها، في هذا الجانب، فإنها لم تكن قادرة على التحكم بها، لأنها كانت مرهونة، وعالة على قوة غيرها.

إن عدم تمكن الإمامة من الهيمنة، أو احتكار وسائل القوة، قد أورثها نزعة انتقامية من المجتمع، عبرت عن نفسها، في استباحة أموال الخصوم، ونهب الممتلكات الخاصة، وتدمير المدن، وعدم بناء مشاريع لخدمة المجتمع، رغم الضرائب التي كانت تفرضها على السكان متى وصلت إلى السلطة.

وإذا كانت الزيدية قد انتجت العديد من الكتابات، والاجتهادات ذات المنحى العقلي، فإن الطروحات والرؤى والكتابات العديدة لدعاة الأئمة، وفقهاء المذهب، التي تركز على الاصطفاء، والتفضيل استنادا على النسب تعبر عن شعور بالعزلة المجتمعية، أكثر مما تعبر عن شعور بالتفرد.

 وأمام العجز في فرض التمييز، والاصطفاء اجتماعيا، وعلى أرض الواقع، فإنهم قد عوضوا عنه من خلال الإلحاح عليه، وتكراره في النقاشات الفكرية والفقهية، والكتابات التاريخية، وسير الأئمة.

وإذا كانت دعوات الأحقية في السلطة، والحكم لم تجد لها قبولا في الأزمنة التاريخية السابقة، فإن إعادة التأكيد على ذلك بلافتات وشعارات جديدة في الوقت الراهن، هو أمر يسئ للبلد، ولسمعتها أمام غيرها من الدول، كما يسئ للمجتمع أمام بقية الشعوب، ويعد محرضا على بروز وظهور عصبيات مناهضة، وكل ذلك يعد نكوصا عن أهداف الجمهورية التي ضحى من أجلها اليمنيون جميعا، وعودة إلى مرحلة الجاهلية التي دفنها الإسلام.

مقالات

حينما تناقض موقفا القاضي والأستاذ بسبب السعودية!!

"إن المعالم لدينا واضحة، فأي طريق ينتهي بنا إلى إلغاء النظام الجمهوري لن نسلكه مهما كانت العقبات والأشواك في الطريق الآخر، وأي سبيل يفضي إلى عودة بيت حميد الدين هو الآخر لن نضع قدماً فيه" القاضي عبد الرحمن الإرياني - "المذكرات" الجزء الثالث ص 74.

مقالات

إشكالية الماضي والتاريخ والسلالة والأقيال

المجتمعات العربية بشكل عام والمجتمع اليمني بشكل خاص أكثر المجتمعات الإنسانية «تدثراً» بثياب الماضي التي تسربل حاضرنهم على الدوام. هذا إذا لم يكن الماضي هو روح الحاضر الذي يرسم ملامح المستقبل في بلد تعطلت فيه صيرورة التقدم والتاريخ، رغم التضحيات الجسام، في سبيل ثلاث ثورات ووحدة خاضت جميعاً معركة الخلاص التاريخي.

مقالات

العزل التدريجي لحزب الإصلاح من السلطة

يحاول الإنتقالي استثمار نتائج سيطرته العسكرية والأمنية على العاصمة عدن؛ كي يضغط باتجاه تمكينه سياسيًا وازاحة خصومة. يستخدم نفس التهمة التي كان خصوم الإصلاح بما فيهم هو، يصرخون بها ضد الحزب. مع فارق أن الإصلاح وفي مرحلة نفوذه في الرئاسة. كان يتحرك بحذر ويحاول جاهدا موازنة سياسته، ولم يتهور ليستحوذ فعليًا على كل شيء. كان يتصرف مستندا لخبرة سياسية تراكمية تدرك جيدا مالات النزوع الإقصائية. فيما نحن اليوم أمام فصيل يتصرف بخفة ويعتقد أن امتلاكه بضع آلاف من مسلحين يديرون العاصمة عدن وما حولها وأن هذا الامتياز يخوله لابتلاع كل شيء.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.