مقالات

التوافق المسلوق ومستقبل البلاد..

01/05/2022, 10:01:50
المصدر : خاص

لدينا الآن توافق وطني عريض، مطلوب من الجميع مباركته والإشادة به كمفتتح لمسار جديد لا نعلم -بشكل يقيني- إلى أين سيصل. قد لا يكون اليقين مطلوبا مبدئيا في مسار سياسي خاضع للإرادة البشرية وتقلباتها، لكن حدا من الوضوح مطلوب؛ كي لا تكون آمال الرحلة مدفوعة بما نرغب أن يكون لا بما تؤشر إليه الحقائق الموضوعية، وما يمكن أن تؤول إليه. 

لهذا السبب، يكون من اللائق أخلاقيا وتجسيدا لمبدأ المسؤولية الاجتماعية أن يتساءل المرء: ما الجهود الفكرية والعملية المبذولة لتحويل هذا التوافق السياسي الظاهري لتوافق داخلي يتعلق بإزالة التناقضات فيما بين مختلف القوى السياسية المنخرطة بهذا التوافق الخارجي..؟ 

وإذا ما كان من المفترض أن جهودا كهذه تحدث مسبقا قبل إعلان الإجراءات التوافقية الظاهرة؛ لكن يمكننا التغاضي هنا عن الطريقة المسلوقة لخروج هذه الإجراءات إلى حيّز الواقع قبل تنضيجها داخليا، فالمهم ألا يستمر هذا المسار كنوع من التظاهر الشكلي، والفعلة المتعمدة على ما يدور في النفوس والأذهان المتوافقة شكلا، والمعبّأة بكل أسباب التوتر ضمنا. 

الأمر لا يتعلق بحاجتنا إلى التفاؤل ولو بقشة واهية، ولا هو دافع تشاؤمي متعمد يحاول ايقاظ نوازع الفرقة الكامنة؛ لكن التفاؤل لا يكون ممكنا لمجرد رغبتنا به، التفاؤل الحق يقوم على وضوح داخلي وليس مغالطة للذّات، سوف تنتهي إلى مآل ينسف كل هذه السذاجة التي نتعمّد التشبّث بها ولا ندري ماذا يحمل لنا الغد من خلفها. 

لنأتي هنا إلى مثال واحد فقط مما يثير الريبة ويستدعي وقفة معه، مثال لكوامن شقاق محتملة، ومؤشراتها ليست خافية على أحد. 

هو مثال المجلس الانتقالي وممثله في المجلس الرئاسي. إلى ما قبل إعلان تشكيل المجلس الرئاسي الجديد، كان لدينا تيار جنوبي يحتكر الحديث باسم الجنوب، ويُزعم حقه الحصري بتمثيله، ثم فجأة، وافق هدا التيار على فتح المجال الجنوبي أمام كل القوى الفاعلة في الساحة، وتقبل تقديم نفسه كطرف داخل هذا المسار التوافقي العريض. 

ليس في موافقة ما يسمّى "المجلس الانتقالي" على الدخول ضمن مسار التوافق ما هو غريب أو سلوك غير قابل للتفسير، بمعنى أن خطوته هذه ممكنة بالنظر لسياساته وسياقاتها سابقا؛  لكن ما هو باعث للريبة هو أن التحولات الفجائية، دونما تمهيد تدريجي، لا تمنحك سببا راسخا للموثوقية بها. 

كان واضحا طوال السنوات الماضية، منذ إعلان تشكيل المجلس اللنتقالي في منتصف العام 2017، أننا أمام كتلة جنوبية، مهما بالغت نظريا في تضخيم حضورها ووزنها، إلا أنها عمليا أثبتت عدم امتلاكها لأي مشروع عملي وتصوّر واضح للمستقبل بما في ذلك مشروعها المركزي المعروف والرامي إلى الانفصال واستعادة دولة الجنوب المزعومة. 

وهو ما يفسّر قابليّتها للتذبذب بين شعارات جموحة ترفعها وبين خيارات واقعية، هي مجبرة على الرضوخ لها. 

عمليا، يحاول الانتقالي أن يثبت قدرته على المناورة وتقديم سلوك براجماتي، وصولا إلى أهدافه البعيدة التي يطمح لها.

 لكن براجماتيته هذه تكشف عن فجوات مربكة ليس للمسار الوطني العام؛ بل حتى داخل تياره الخاص. إنها ليست براجماتية متسقة، وهو ما يؤكد لنا احتمالية ظهور سلوكيات نقيضة لقرارها بقبول التوافق. أي أنها ستظل تشتغل بالميكانزم المتذبذب ذاته. قبول التوافق والخروج بمواقف مخلخلة له بين الفينة والأخرى. 

وعليه، فليست المخاوف هنا من عدم وجود ضمانات تؤكد التزام الانتقالي في المضي داخل مسار الشراكة والتوافق الوطني حتى النهاية، ولا حتى في طبيعة مواقفه المتذبذبة والمعروفة؛ بل في خطورة اعتبار قبوله بالمسار، كما لو أنه نجاح كبير لمصير البلاد أو تنازل جدير بالاحتفاء.

 من الحكمة هنا ألا نبالغ في مباركة خطوته والاحتفاء به ومضاعفة مشروعيته تحت مبرر تمتين التوافق، طالما كان سلوكه هذا غير موثوق. 

أكثر من هذا، علينا أن ندرك أن القبول بالوحدة يكون تنازلا، حين يتمكن طرف من فرض الانفصال، وينجح بذلك. لكن الانتقالي، ولئن كان رافضا للوحدة فيما قبل علنا، أو حتى الآن ضمنا، فهو لم يتمكّن من فرض الانفصال. 

لقد ظلت الوحدة خيارا واقعيا، حتى في ظل غياب قوى حاملة لها أو قمعها من التعبير عن ذلك في جغرافيا الجنوب. ما يعني أن تنازل الانتقالي لا يستحق كل تلك التهليلات التي يطالبنا بها المفرطون في التفاؤل والمحبطون وعديمو الحيلة. 

الخلاصة: 

ما تمكن الانتقالي من تجسيده، تمثَّل في تكوين قوى عسكرية واحتكار سياسي للجنوب، وظل الأمر مجرد سطو فوقي على الواقع لا يتعدّى أثره ذلك. ولم يكن في الأفق ما يجعله قادرا على استكمال حيازة الأرض، والتحكّم السيادي بالقرار في كامل جغرافيا الجنوب. 

هو بنفسه يدرك هشاشته بشكل لا واعٍ، ولو لم يكن كذلك لما تقبل مسارا توافقيا يجعله جزءا من اللعبة وليس كلها، بل إن قبوله للتوافق تقوية له ولموقعه، والتخفف من مأزقه الذي كان يشعر به، وهو مغلق الساحة في الجنوب عليه وحده، دون قدرة على أن يتحمل مسؤولية جموحه ذاك. وهذا ما يفرض علينا أن نهوّن قليلا من الحفاوة به، فهو لئن كان خسر نظريا فقد كسب عمليا ما هو أكبر. 

لكن الحيطة والاقتصاد في مواقفنا منه يتوجّبا أن يوجّه انتباهنا منذ الآن كي لا نغدق عليه بصفات الوطنية ثم نتفاجأ به ينقلب على هذا كله، ونضطر حينها إلى اتخاذ موقف جذري منه ومعاكس لما كنا نقوله عنه تحت وهْم التوافق وزخم الدَّفع به.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.