مقالات

الجرائم الموازية للحرب..

08/08/2021, 06:45:12
المصدر : بلقيس - خاص

أتساءل أحياناً: ماذا لو لم يكن هناك حرب؟ ما الذي كان سيأخذ وقت الناس واهتمامهم؟ كيف كان يجب أن نعيش ولم نتمكن؟ هل ثمة صورة مثلى للحياة انحجبت عنا بفعل الحرب؛ لصالح صورة مشوّهة استنزفت كل طاقتنا؟

بالطبع ثمة أمور كثيرة تستحق أن يمنحها الناس وقتهم وجهدهم، هناك حياة مغيَّبة عنا، هي تلك التي تعيشها كل شعوب العالم. 

كل ما لديهم، وما ليس متوفراً لدينا، فلا شيء هنا يحدث لنا ويستحق اهتمامنا، وحدها الحرب هي الحدث الفائض عن الحاجة، الهمُّ الذي يتمنّى أحد لو أنه لم يوجد من أساسه. 

لقد التهمت الحرب كامل المساحة الزمنية والذهنية والنفسية لليمني، وصارت هي الشاغل الأبرز للجميع، وتلك جريمة ظاهرة ومعروفة، فيما تظل الجريمة الباطنية الموازية هي أن كثيراً من الاهتمامات الأساسية للبشر في  الحياة انطمست، وتراجعت لصالح الحرب وشؤونها ومخلّفاتها. 

لا تكتفي الحرب بإحراق الحياة وتدميرها، لا تغيِّب الناس بقتلهم فحسب؛ بل وتحجب الباقين منهم عن أنفسهم، تنسيهم ما كان يجب أن يفعلوه، وكلّما طالت الحرب تتسع الفجوة بين الناس وأنفسهم، يتوه بعضهم في دروب شتّى، يتغرب آخرون، تنتكس فئة ثالثة، ولا تتبقّى نفس واحدة في دنيا الحرب، إلا ومسّتها شظية أو علقت فيها كَدمة، ومات شيء كثير بداخلها. 

لا تحرمنا الحرب من الخبز والدواء والإقامة والسفر، احتياجات البقاء وأشياء أخرى جوارها، بل تُصادر منّا متطلّبات الروح والكينونة، تحرمك من ساعة تقرأ فيها الشعر، لأن حدثاً دامياً يحصل هناك، لأن خبر معركة يُذاع ويشوِّش ذهنك؛ لأن رقيباً يترصدك، إن كتبت رأيك وتركت لضميرك حقه في ممارسة حريّته بالكلام. 

وكيف للروح أن تهنأ، وللخيال أن يعمل، وللإنسان أن يتفتق بكامل قواه الداخلية وهو خائف، أليست تلك جريمة موازية للحرب؟!!

في زمن الحرب ينشغل الناس بالسياسة، قد يعتقد البعض لوهلة أن هذا شيء طبيعي، فيما الحقيقة أنه لأمر غريب، أليست الحرب هي نقيض السياسة؟ بلى. 

اهتمام الناس الكبير بالسياسة ليس ظاهرةً صحيةً، بل امتدادٌ لمرض المجتمع، وهل ثمة مرض اجتماعي أشدّ فداحة من الحرب؟!! 

ما جدوى أن ينشغل الناس بمتابعة الأحداث إذاً؟ إنه دافع غريزي للاطمئنان على ما يحدث حوله فحسب، فضول بشر خائفين، يشعرون بالضياع وليس لديهم ما يصنعونه، حياة فارغة ومعطّلة؛ يسعون لملْئها بحديث فارغ عن السياسة، هي إذاً متابعة للضرورة، ردة فعل عفوية لا تتضمن أي غاية مفيدة بحدِّ ذاتها. 

ألا يكفي الناس في بلاد الحرب أن ينهمكوا في واقعهم الخاص ويتدبروا حياتهم كيفما قدروا عليها؟ هل ينقصهم استنزاف أنفسهم في متابعة واقع خاوٍ وحياة عدمية؟ بلى. إن الناس أشد حاجة في الحرب لحراسة وقتهم وحياتهم من النزيف العبثي في اللاشيء.

لكن الحرب لا تتركك معافًى وقادراً على اختيار  ما تريد، لا تبقيك متزناً ومركّزاً حياتك فيما تحب، ولذلك هي خطئية البشر الكُبرى، إنها لا تنهب واقعك فحسب؛ بل وتنهبك معها، تصيبك بالفزع، تُفرغك من كل شيء، فتصير ريشة مذرورة في مهبّ الفضاء الكبير، نفس تائهة لا تدري ماذا تفعل، ولم تعد تجد لحياتها قيمة في شيء؛ فتواصل الهروب من ذاتها وممارسة مزيد من العبث حتى النهاية. 

أراقب مُجمل نقاشاتنا العامة، كل يوم وأقول في نفسي: هل هذه النقاشات مفيدة لنا؟ هل يُحسم بواسطتها شيء؟ هل ترمم جروح داخلنا؟ أشك في ذلك. إنها على النقيض تماماً، تعبير جلي عن فقداننا لذواتنا، إننا نعك في المواضيع نفسها منذ البداية، ولا يزيدنا هذا إلا تيهاً وشتاتاً. 

أما ما هو غائب عنا فهو: الإحساس العالي بوجودنا، نشاطات البشر الطبيعيين، الفن، النقاشات الثقافية، الابتكار، الفلسفة، الإنجاز، كل ما يمثل قيمة ومعنى ووفرة وغنًى، ما يضاعف من تقدّم الوعي البشري، ويحفّز طاقات الناس باتجاهات مثمرة، يغيب عنا ما كان خراب واقعنا سبباً نابعاً عن غيابه. 

هل تبدو الجملة السابقة غامضة بعض الشيء، أعني أن خراب واقعنا هو نتيجة لغياب كل تلك النشاطات المعنوية السويّة. 

الحرب نتيجة للخلل الفكري والارتباكات المجتمعية، وتلك أمور تُحسم بمعالجة الفكر، بتفعيل النشاطات الذهنية والروحية والنفسية والاشتغال على جوانب الخلل في أعماقنا، يتوجّب أن نكثف اهتماماتنا بهذه المواضيع، لتعطيل الحرب من أساسها، وانتزاع جذورها؛ قبل إنهاء الحرب بعمل عسكري أو اتفاق سياسي. 

قد تنتهي الحرب بأي صيغة كانت؛ لكن انتهاء الحرب لا يعني تلاشي الأمراض المجتمعية ونقاط التوترات في الوعي الجمعي للشعب، كل ما في الأمر أنها ستعود للكمون، تحت غطاء سياسي هش، ثم ما تلبث أن تنفجر مجددا؛ لتعاود الأمراض نشاطها ويحتشد المجتمع للتمترسات مرة ثانية، وسنظل ندور هكذا بلا أفق حتى النهاية، ما لم نضع حداً للمشكلة في بُعدها الجذري قبل تسوية مظهرها الخارجي. 

الحرب هي نتيجة وسبب في الوقت ذاته، نتيجة للخلل العميق في المجتمعات، وسبب لمضاعفة هذا الخلل وتعميق الفجوة بين مكوّنات المجتمع. 

الحرب: جريمة شعب، هناك من أجرم بحقه، تنتج جوارها جريمة موازية، الشعب فيها مشارك بالإجرام، وضحية في الوقت نفسه، مشعل النار وحطبها، ينفخ فيها وتلتهمه نيرانها. 

وهل ثمة حياة محروقة كحياتنا، هذه التي يمكن أن تقول عنها كل شيء، باستثناء قولك إنها حياة ذات قيمة.. هذه ليست حياة؛ بل جريمة مفتوحة، ورطة، محسوبة علينا كحياة لم نعشْها.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.