مقالات

الحرب في السودان تهديد وجود

13/08/2023, 05:50:27

 

 

الحرب في السودان - كشقيقتها اليمن- قديمة متسلسلة ومتناسلة. من أخطرها حروب الأنصار، وحكم المهدي الذي استمر لما يقرب من أربعة عشر عامًا، ثم حروب الجنوب، ولعلّ أكثرها خطرًا وتدميرًا حرب البرهان وحميدتي، فقد قارفت جرائم غير مسبوقة عمت الأرض السودانية كلها؛ هادفة بذلك العودة بالسودان إلى مكوناته الأولى.

كان عبد الفتاح البرهان، ومحمد حمدان دقلو، ذراعا البشير - قائد انقلاب الجبهة الإسلامية القومية عام1989م. صراعهما المدمّر، منذ البداية، من أجل احتكارهما للحكم، ونهب ثروات البلد، ولو أدى ذلك إلى تدمير الكيان السوداني، وتمزيق نسيجه المجتمعي، وتقتيل شعبه، وتشريد الملايين من أبنائه.

الهدف الأساس لعبد الفتاح البرهان، ومعه كتائب الظل، وقوات الدفاع الشعبي، والأمن الشعبي، والأمن الطلابي، وكتائب التائبين، إضافة إلى فصائل الجيش المرتبطة به التفرد بالسلطة والثروة، كما هو الحال في الطرف الآخر محمد حمدان دقلو - قائد مليشيات الجنجويد التي أسسها البشير لقمع انتفاضة دار فور عام 2013، ولمواجهة أي تمرد في صفوف الجيش؛ وهي القوة الموصومة بقمع الاحتجاجات الشعبية، وارتكاب جرائم اغتصاب كثيرة، وجرائم حروب وضد الإنسانية، وتمتد حروبها إلى اليمن وليبيا وأكثر من بلد أفريقي، ولها ارتباطات مشبوهة بإسرائيل، ودول أوروبية استعمارية.

الطرفان المتحاربان خارجان من مغارات الجبهة الإسلامية القومية، ونظام البشير الممتدان لما يقرب من ثلثي قرن، ولعلّ خطأ «جماعة نداء الحرية والتغيير» الانقسامات الكثيرة والمتتالية، والأخطر انحياز الحرية والتغيير (المجلس المركزي) للدعم السريع حاليًا، وقبل ذلك التوافق مع العسكر، وقوات الدعم على اقتسام الحكم إبان حكم الدكتور عبد لله حمدوك فيما يشبه الانقلاب على انتفاضة 2018. ورغم انقلاب البرهان ودقلو ضد هذه الشراكة الجائرة إلا أن جماعة المجلس المركزي أعادوا التجربة في الاتفاق الإطاري في 5/ 12/ 2022م، والذي أفضى إلى الحرب.

في كل الانتفاضات السودانية، ابتداءً من انتفاضة أكتوبر 1964، كانت الانقسامات في صفوف الأحزاب التقليدية مصدر الخلل، وكعب أخيل؛ ما مكن العسكر من القفز على الحكم، ثم إن الانقسام الحالي بين جماعة نداء الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، و«الكتلة الديمقراطية»، سبب من أسباب ضعف المواجهة ضد طرفي الحرب.

رهان جماعة المجلس المركزي على محمد حمدان دقلو - قائد الجنجويد خائب مرتين، كما أن حصر الانتقاد لأحد طرفي الحرب خطأ هو الآخر؛ فإذا الفلول والكيزان قد تركزا في جبهة الجيش، ويريدان عودة النظام القديم؛ فإن للجنجويد ارتباطات بأبشع جرائم الحرب ضد الإنسانية، ويتقاسم كلا الطرفين جريمة الخراب اللاحق بالسودان، وتقتيل، وإصابة المئات والآلاف، وتشريد الملايين، ونهب ثروات السودان، وتدمير كيانه الوطني، والارتباط بالمخططات الاستعمارية والإسرائيلية ضد وطنهما وأفريقيا، كما أنهما ليسا بعيدين عن صراعات دول النفط المنفذة للمخططات الأجنبية.

الانحياز لطرف ضد الآخر فيه إذكاء للصراع، وإطالة لأمد الحرب. يتسابق قادة الجيش، ومعهم البرهان، على التطبيع مع إسرائيل؛ وهو نفس ما يقوم به دقلو، ومن معه من قادة الجنجويد.

لقد تشارك الاثنان كطرف واحد في قمع الاحتجاجات السلمية، وتقتيل المتظاهرين، ويتشاركان في نهب الثروات، ورفض الحكم المدني، والاحتكام إلى الغلبة والقوة، ونشر الإرهاب والعنف.

هناك تقارير إخبارية عن تورط الجنجويد في الحصول على معدات، وتدريب من بعض الدول الأوروبية، لإنشاء مركز استخباراتي أوروبي في قلب الخرطوم؛ لتحويل السودان إلى منطقة إدارة أفضل للهجرة، وتمويل عمليات التخريب في المحيط الأفريقي، وتحويل السودان إلى بؤر للحركات الجهادية، والتنظيمات المتطرفة.

إشعال الحرب في السودان الوسيلة المثلى للخلاص من الانتفاضة الشعبية التي امتدت إلى كل مدن وأحياء وأرياف السودان، ومثلت تهديدًا لحكم الجيش، ومليشيات الجنجويد؛ ومن هنا؛ فإنهما، وهما يتقاتلان، يتفقان على هدف واحد هو عدم تسليم الحكم للمدنيين، وانقلابهما ضد سيدهما البشير، والانقلاب ضد حكومة حمدوك يؤكدان هذا المعنى.

هناك أكثر من سيناريو لمآلات الحرب: امتداد وتحول الحرب إلى أهلية، أو انتصار أحد الطرفين، والسيناريو الثالث: التقسيم.

الأخطر استمرار الحرب، والعودة بالسودان إلى مكوناته الأولى؛ وهو ما يتيح نهب الثروات، والقضاء على الكيان السوداني؛ فاستمرار الحرب وتصاعدها يعني -فيما يعني- تحويلها إلى حرب أهلية، وغرس الفتن، والصراعات بين المكونات الأثنية، والجهوية، والقبائلية، والثقافية، والدينية، واللغوية الكثيرة، وتقسيم السودان.

ربما كان لقاء القاهرة يومي 24 و 25 من شهر يوليو 2023، والتصريحات الصادرة مؤشرًا مهمًا لإدراك القوى المدنية (قحت): المجلس المركزي، والكتلة الديمقراطية؛ فقد اتفقت هذه القوى المدنية على ضرورة إنهاء الحرب، والتوصل إلى حل شامل، ورأى القيادي في الكتلة الديمقراطية نور الدين طه أن هذا الهدف يمكن أن يتحقق بوحدة القوى المدنية السياسية، واتفاقها على رؤية محددة قبل التحدث إلى المكون العسكري، مشددًا على ضرورة مخاطبة رئيس مجلس السيادة، وقوات الدعم السريع بصوت سوداني واحد موحد حول وقف الحرب، وخروج المكون العسكري كله من العمل السياسي؛ داعيًا إلى دمج الدعم السريع في الجيش.

الجلي الآن عجز طرفي الحرب عن حسم الصراع؛ وهو ما قد يؤدي إلى تحويلها إلى حرب أهلية؛ ويفسح السبيل أمام التدخل الإقليمي والدولي بشكل سافر بدلاً من الدعم الخفي للطرفين.

لا يمكن التعويل كثيرًا على المبادرات الخارجية لوقف الحرب، ولكن الحراك الداخلي السوداني أساس؛ فتوحد الإرادة الداخلية السودانية في التصدي لزبانية الحرب، وتصعيد الاحتجاج، والرفض بمختلف الوسائل والأساليب الممكنة هي المهمة الأساس أمام شعب السودان، وبالأخص قوى الحرية والتغيير ممثلة في الكتلتين: المجلس المركزي، والكتلة الديمقراطية.

مقالات

هل تنتصر حرب الإبادة في غزة؟

ما يجرى في غزة من تقتيل وتدمير وإبادة كل شيء، والقضاء على معالم الحياة وكل مظاهر التمدّن والتحضر، وتقتيل وإصابة ما يزيد عن مئة ألف، والإصرار على الاستمرار في الإبادة حتى النهاية، هو النهج الإسرائيلي. فهل يُعتبر ذلك انتصارًا أو تحقيقًا للأهداف المعلنة أو الخبيئة؟

مقالات

"ما احلى هواك"

لكل شخص مفتاح، أكان فناناً، أديباً، أو إنساناً عادياً. ومفتاح أيوب طارش هو البساطة. مفتاحه هو البراءة الصادقة. أصالة إنسان لا تأسره الأضواء، ولا تُفقِدَهُ الشهرة براءته وإحساسهُ التلقائي بذاتَهُ.

مقالات

في السلم والحرب

وفي الحروب تزدهر أمور وأحوال كثيرة، تكون بمثابة حقول تجارب ومرايا اكتشاف لعلماء النفس والتربية والاجتماع.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.