مقالات

الحوثي: تاجر الحرب والسلام..

08/06/2022, 06:32:07
المصدر : خاص

كعادته في خوض الحرب وإدارتها، يخوض الحوثي في السلام بمثل المكر والمراوغة. حين يخوض حربا أو يمهّد لها، يتصرّف بطرق ملتوية، يحشد ويناور ويتوقّف ويباغت، حتى يصل إلى هدفه ويقضي على خصمه أو يُخضعه بشكل يحقق له كل أهدافه. 

الأسلوب ذاته يتبعه في طريقته بإدارة المفاوضات، إنه لا يذهب إلى السلام بدوافع محسومة تنتهي إلى عقد صفقة سلام دونما تحفّظات، لا يذهب وهو جاهز للسلام ولم يتبق له سوى ترتيب تفاصيله؛ بل العكس، فهو يذهب بمثل ذهنية ذهابه للحرب، واضعاً أمامه هدفاً واحداً، هو إخضاع خصمه، وانتزاع أكبر قدر من المكاسب منه. 

نحن أمام جماعة تتاجر بالسلام كما تتاجر بالحرب، كل ما يحرِّكها هو حسابات المكسب والخسارة، فترغب بتحقيق الرصيد ذاته في الحالتين، وما لم تكسبه بالحرب، تود اكتسابه بالمناورة في عملية السلام. هذا الأسلوب ليس تعبيرا عن ذكاء في إدارة الواقع؛ بل هو تأكيد لطبيعة الجماعة وذهنيّتها المتصلبة، واعتقادها بكونها صاحبة الحق الثابت في ما تحت يديها. 

لا ينظر الحوثي إلى الواقع السياسي اليمني المنقسم، ولحالة البلاد المتنازع عليها بينه وبين الأطراف الأخرى، كحالة طارئة يتوجّب أن تنتهي، لا يرى اليمن كدولة متشظّية تتطلب وضع حدٍ لها والبحث عن صيغة جامعة تعيد إلى الكيان اليمني التئامه وسلطته السياسية الموحّدة. 

إنه ينظر لما تحت يديه كما لو أنه صار ملكه للأبد؛ بل ما يزال يشعر بالغبن والغيظ لما تحت سلطة خصومه، ولولا عجزه عن إزاحتهم لما تردد لحظة، ناهيك أنه قد حاول وفشل. هكذا نظرة تؤكدها طريقته في التعامل مع مبادرات السلام، بما في ذلك المباحثات المحدودة للتخفيف من آثار الحرب وتطبيع الأوضاع جزئياً أمام السكان. 

إذا كان الحوثي يراوغ فيما يخص فتح منافذ تعز أمام حركة الناس، ويضع لذلك اشتراطات، ويعقّد فعل كهذا، مع كونه فعلا لا يزيح سلطة أي طرف من حدودها، فكيف سيكون تعاطيه مع أي حلول كلية تهدف إلى إنهاء سلطته، والدخول بشراكة وطنية واسعة يكون هو فيها جزءا ضمن تشكيلة عامة لا تخضع لهيمنته، ولا تخصم من مساحة بقية الأطراف.

لم يشعر الحوثي بالخجل، وقد انتهت محادثات الأردن حول منافذ تعز بالفشل، ولماذا قد يشعر بالخجل الآن، وقد كانت الوقاحة صفة متجذّرة فيه منذ أول لحظة. حاصرها بتعمّد، كانت الحرب المتأججة آنذاك تمنحه غطاءً يواري شيئاً من وقاحته المتأصّلة، على اعتبار أن للحرب ضروراتها. لكن ما كشف غطاءه المختلق هو أنه مُصر على استمرار حصاره، حتى وقد تجمَّدت الحرب ودخلنا هدنة مطوّلة.

 الحوثي جماعة صمَّاء، لا تتغيَّر انفعالاتها الأخلاقية والسياسية مهما تبدَّلت الظروف. 

في لحظات حربه كما في لحظات سلامه، في ظروف قوته كما في ظروف ضعفه، في أوقات انقسام خصومه وفي توحّدهم، مثل أيامه الأولى في بدء الحرب وحتى بعد مضي ثماني سنوات منها، في كل حالاته يتصرّف الحوثي بطريقة لئيمة. 

إنه لا يرى اليمن كدولة، بقدر ما يرى نفسه. لا يراها من خلال الكيان العام، بل ينظر إليها من داخل كيانه ومصالحه، ويتصرّف وفقا لهذه النّظرة.

 إننا أمام أسوأ شخوص يتحكّمون بجماعة مسلحة، ويصادرون مصير بلاد بكاملها، ولا يساورهم شك مثقال ذرة بأحقيتهم بعمل كهذا. لا يترددون لحظة عن تغيير سلوكهم، لا يُفسحون أي مساحة ذهنية لتفكير مغاير، لا نوايا لديهم لإعادة رسم توجّهاتهم وسياستهم وفقا للواقع الجديد. 

أي واقع جديد تقصد..؟ إنهم لا يرون شيئاً، ولا يضعون اعتبارا لمصلحة الأطراف الأخرى والقطاع الأعظم من اليمنيين المناوئين لهم. فشعارهم واحد من البداية إلى النهاية: فلتذهب البلاد إلى الجحيم، المهم أن تبقى الجماعة، حتى لو كان بقاء جماعتهم محاطا بانهيار كل من يعيش جوارهم، انهيار مصالح الناس، وشعورهم بتلاشي فرص العيش. إنهم لا يرون عذاباً قط، فلا يرى الآلام من يخلو من أي إحساس بالمسؤولية. 

فليتهاوى الجميع، لكن ما هو مؤكد، ما هو حتمي، أن عنصر البقاء أكثر منطقية فيما يخص مصالح المجموع، وأن ما من جماعة تمكّنت من حراسة مصالحها وسط مجتمع محروم من كل شيء، وعليه فلا يمكن لهذه الجماعة أن تستأثر ببلاد كاملة، تتصرف بمكر وتنجح في حماية مصالحها الخاصة حتى النهاية.

 هذه ليست حتميات عاطفية، بل فكرة عائدة لقانون الحياة الكلي، لمنطق الطبيعة، وما تقوله قصص الجماعات الحاكمة على مدار التاريخ، على أننا لا نحتاج تاريخا طويلا، كي يصل مآل الجماعة إلى تلك النّهاية، ما دام هناك طرف يدافعها، ينظّم نفسه، ويستعد لتسوية الواقع المختل وفرض مسار جديد لمصير الأمة اليمنية وأرضها المشطورة.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.