مقالات

السلطة واليمنيون (2)

28/04/2022, 13:15:05
بقلم : محمد صلاح
المصدر : قناة بلقيس - خاص

يلعب عامل الأمن دورا رئيسيا، في تقبّل اليمنيون، ومهادنتهم لهذه السلطة أو تلك.

 ففترات عدم الاستقرار الطويلة، التي عاشوها في العديد من المراحل التاريخية، دفعتهم إلى البحث عن الأمان وحده. 

وقد عبّروا عن ذلك بالمثل الشعبي القائل: "من جباها حماها" أي من جبا الخراج أو المال فإن من واجبه أن يحمي الأرض التي جباها" [إسماعيل الأكوع "الأمثال اليمانية"، ص 1194 ج2]، وسلطة الجباية هنا لا ترتبط عند الناس بالدولة، ولا الحاكم الشرعي، فهم يدفعونها لأي قوّة تضمن حماية الطرق، والتنقّل، وتصون النفوس والأرواح.

كما لا تعبّر طاعة اليمني لسلطة الغلبة، التي تحوزها قوة معينة في منطقة من المناطق، خلال فترات الاضطرابات، عن قبوله بشرعيّتها، بل دفعا للخراب، وويلات الفتن، خصوصا، في أوقات تناسل الصراع، وتعدده، وقد عبّر عن موقفه هذا من خلال المثل السائر "طِع الدولة ولا تناصرها"، والدولة هنا ليست سوى سلطة الغلبة، وعدم مناصرتها في المثل يشير إلى عدم شرعيّتها.

لكنّه في أحايين كثيرة على استعداد للانخراط في الأحداث، وخوض الصراعات، والدخول إليها من بوابة تحقيق المكاسب، والتعبير عن الذات، مهما كانت النتائج، "وبسبب هذه الخاصية الجوهرية في التكوين الحضاري والنفسي للمجتمع اليمني دخل بسببها في كثير من أحداث التاريخ البارز بكل ثقله، وخرج منها كاسبا حينا وخاسرا وممزقا أحيانا كثيرة، وبالذات خلال المراحل المتأخّرة"، [د. حمود العودي "المدخل الاجتماعي في دراسة التاريخ والتراث العربي - دراسة عن المجتمع اليمني"].

إن فترات الصراع، وعدم الاستقرار التي عاشها اليمنيون، جعلتهم في أوقات عديدة يستغنون عن الدولة، وعن الخدمات التي تقدّمها، ويتكفّلون في إدارة شؤون حياتهم، مستندين في ذلك على آليات مجتمعية في تحقيقها، وعلى تجربة تاريخية عميقة الجذور، مكّنتهم من التكيّف مع الأحوال الصعبة، وعلى تسيير أمور حياتهم بعيدا عن سلطات الدولة، كما هو حاصل اليوم في غالب المناطق اليمنية، بل إن غياب الدولة اليوم بسبب الصراع دفع اليمنيين لإنجاز المشاريع التي كانت من اختصاصها، مثل شق الطرقات، وبناء الجسور في المناطق النائية، وذات التضاريس الصعبة، والتكاليف الباهظة، في كثير من مناطق اليمن. 

وقد أهلهم لتحقيق ذلك تجربتهم التاريخية المتأصلة في الشخصية اليمنية، القائمة على الشراكة والتعاون بين أفراد المجتمع، في بناء المشاريع التي تخدم الصالح العام، والتي تعد من أهم سمات الاجتماع اليمني.

لكنّهم مع ذلك يرون أن الدولة هي المؤهّلة لتحقيق المنجزات الكبرى، فهي -في نظرهم- كما يقول المثل "الدولة خلَّاقة" و"يضرب في قدرة الدولة على تحقيق ما يعجز عنه غيرها" [إسماعيل الأكوع "الأمثال اليمانية"، ص 499 ج1].

وهناك من الأمثلة الشعبية بين السكان ما يؤكد تفضيلهم إياها على ما سواها، ففي المثل "شبر مع الدولة ولا ذراع مع القبيلي"... الخ، فهذه الأمثلة تعبّر عن رغبة المجتمع في الانحياز إلى الدولة، لإدراكه أنها القادرة على الثبات، والاستمرار في تحقيق المصالح، مهما كانت قليلة.

إن اعتماد بعض القوى على الخارج في الحكم لا يعمل على إسناد السلطة، ولا يدعم تماسك الدولة، بل على العكس، يساهم من جهة في تآكل الأولى شعبيا، وفي تفتيت قوة الدولة، من جهة ثانية، فلقد كان أحد أسباب ضعف الدولة الرسولية، الاستناد على الخارج، "ولو أنهم ركنوا إلى الشعب في تأييد حكمهم لمكثت دولتهم أكبر قدر ممكن من الزمن" [عبدالله الحبشي "حياة الأدب اليمني في عصر بني رسول"، ص23].

 كما ساهمت سياسات عدد من القوى، التي وصلت إلى الحكم، من أجل الاحتفاظ ببقائها على السلطة، في مضاعفة الاضطرابات، وتواصل الصراعات، خشية فقدانها للامتيازات، التي تتحصل عليها.

 وباسم الحرب، أو الصراع، وقمع المتمرّدين، يظل الحاكم قادرا على تعبئة المجتمع، وتوجيه طاقته في محاربة الخصوم، فانهاك الشعب عبر الحروب والفتن يشكل مصدرا داعما ومساندا لاستمرار السلطة، ورغم ذلك فإن الشعب لم يكن يتقبّل مثل تلك الأوضاع، فلقد كان المنصور محمد بن يحيى -خلال خضوع اليمن للأتراك نهاية القرن الثامن عشر، وأوائل القرن العشرين- "يمارس سلطات ملك متوّج، لأن الزكاة كانت تجيء إليه، والأوقاف تحت نظارته، والقضاء تحت مسؤوليته، وكل التذمّر الشعبي مُنصب على الوالي العثماني، إلا أن الشعب أذكى من أن يصارع المحتل ويهمل مطاياه، لهذا حاول المنصور أن يبدي معارضته للأتراك، إلا أن تلك المعارضة لمزيد من سلطته المحلية، ولمّا مات (محمد بن يحيى المنصور) رفض المبايعون أن يعطوا ابنه (يحيى) البيعة إلا على شرط، تحرير البلاد من ألأروام"، كما كان يُسمي الشعب الأتراك" [عبدالله البردوني "قضايا يمنية"، ص 114 – 115]، وحينما عقد الإمام يحيى صلحا مع الأتراك في الدعان عام 1911م، رفضت القبائل الصلح، لأنها وجدته يحقق مصالح الإمام وحده.

وبعد خروج الأتراك من اليمن، بسبب المقاومة اليمنية، وهزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، رفض الإمام التقدّم لتحرير بقية المناطق من المحتل البريطاني، لكن سياسته تلك جوبهت بمعارضة من داخل صفوف العلماء، وكان أهم صوت ارتفع آنذاك هو صوت العالم اليمني أحمد الطرماح، حيث نهض في الجامع الكبير ونقض بيعته للإمام، وقال له "إذا كان قتال الترك واجبا، فإن قتال البريطانيين أوجب"، ومن قبله خلع بيعة الإمام المنصور باعتباره مجرد جابي زكوات لا قائد دولة.

وفي ظل الوضع الذي تعيشه اليمن، ولكي نتمكّن من استعادة وبناء الدولة والقضاء على التمرّدات المنتشرة في سائر أرجائها، فإن بلادنا تحتاج إلى قيادة تعمل تحت شعار: ما نستطيع تقديمه، لا ما نقدر على أخذه.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.