مقالات

الفيلسوف الحر: هابرماس مناهضا لوحشية الإمارات

08/05/2021, 13:37:18
المصدر : خاص

رفض "هابرماس" الجائزة، إنها اللحظة التي يُعاد فيها تعريف الأشياء، يعاد فيها ضبط القيمة المركزية للحياة، الموقف الذي يتجلى فيه المثقف ويقول: لا، فتدوِّي هذه الكلمة؛ ملء الفضاء. 

إنه ليس موقف شخصي لفيلسوف له وزنه الكبير في عالم المعرفة، بل هو خلاصة قيمية نهائية تعبِّر عن مجتمع الثقافة بكامله، أو -على الأقل- ما يفترض أن يكون عليه موقف النّخبة الكونية، وقد تجسدت في شخصية هابرماس وهو يصدر موقفه بهدوء: أرفض جائزة الشيخ زائد للكتاب. 

تظل القِيم الكونية مجرد أيقونات أخلاقية فاترة وضعيفة الفاعلية؛ حتى تجد عنصرا بشريا له حضوره وثقله المعتبر، وحين يواجه موقفا يكون فيه أمام امتحان قِيمي صارم، إما أن يخاتل ويخترق القيمة لحساب الثمن، أو يحتشد بكامل جسارته ونزاهته، ويصرخ: القيمة أبقى من المال، الحُرية أقدس من الدراهم، الرفض: نبل أسمى من التواطؤ. 

قبل أيام رفض الفيلسوف الألماني هابرماس جائزة الدولة الإماراتية، وأعاد الاعتبار لموقف المثقف الحُر وهو يضع كل مكاسب الدنيا أسفل من مكسب القِيمة والمعنى. 

هذا الموقف يهز كل الأقنعة التي تحاول الإمارات أن ترتديها؛ كي تواري وحشيتها المبطَّنة، فمهما صنعت من أدوات تمكيج بها وجهها، سرعان ما تتكشف أمام أبسط موقف قِيمي يرفض المساومة أمامها ويذكِّرها بحقيقتها القاسية كدولة مُعادية للحقوق والحريات. 

في العقدين الأخيرين من الزمن، حاولت الإمارات بناء مؤسسات ثقافية ودينية وعلمية، تحاول بواسطتها تصدير صورة مدنية عن طبيعة نظامها السياسي، وخصصت لذلك أموالا كبيرة؛ غير أن محاولتها هذه لم تنجح في التغطية على جوهر نظامها المشبوه. 

تدرك الإمارات الدّور الفعال للقوة الناعمة في ميدان الحياة السياسية، لكنها تفشل في إدراك طبيعة التآزر بين النهج السياسي المتزن ونفوذ القوة الناعمة، حيث المسار السياسي الملغم يلتهم كل الجهود الناعمة لتسويق الذات. 

هذا التناقض بين حقيقة الدولة المتوحشة ونشاطاتها التنويرية الشكلية يجعل تضحيتها ضئيلة الجدوى، وسرعان ما تنكشف، وموقف هابرماس ليس سوى حدث واحد من أحداث كثيرة، تتجلّى فيها الإمارات عارية ومنبوذة، وقد اصطدمت بالموقف الأخلاقي الصّلب منها. 

وبالنظر لصُورة الإمارات عربيا وغربيا، تبدو قدرة الإمارات على تمويه صورتها دوليا أكثر إمكانية من قدرتها في المنطقة، كونها تتعامل مع شعوب غير مهتمة كثيرا بمعرفة أحوال الدول العربية. 

فالمجتمعات الغربية منهمكة في عالمها الخاص، وليس لديها تصوّر دقيق عن طبيعة الأنظمة والدول في الشرق الأوسط، وبالتالي تملك الإمارات فسحة أكبر للمناورة وتضليل المجتمعات هناك؛ لكن هذه الفسحة سرعان ما تضيق عليها، حين تتضح صورتها ويتغير موقف المجتمع الغربي، لمجرد أن تنكشف له حقيقة المغزى الإماراتي من وراء أنشطتها المدنية هناك. 

وبالعودة لموقف الفيلسوف الألماني هابرماس تتضح اللعبة أكثر، فالرجل -مع كونه مثقفا من المستوى الأول- بداية لم يكن يملك تصورا دقيقا إزاء الجائزة التي عُرضت عليه، وتقبلها مبدئيا، وحين سارعت صحيفة ألمانية في كشف حقيقة الارتباط بين الجائزة الممنوحة له والنظام الإماراتي، وذكّرته بسجل الحقوق والحريات في الدولة المانحة، سرعان ما اعتذر عن قبوله للجائزة. فما بالك بالمجتمع الغربي العادي، لا شك أنه يعيش حالة من الانحجاب التام عن حقيقة الدولة الإماراتية، ولا يعرف عنها سوى الصورة الشكلية الخارجية، كدولة سياحية تتوافّر فيها كل البهرجات والسوق الاستهلاكية العالية. 

لقد نجحت الإمارات في تشكيل لوبيهات عديدة في الغرب، على مستويات كثيرة، وتمكّنت من استمالة مؤسسات ثقافية ومراكز دراسات ورموز سياسية وإعلامية، وموّلتها بمبالغ كبيرة، كل ذلك بهدف مساندتها لدى مراكز القرار الغربية، وتلميع صورتها كدولة شرق أوسطية تجسد نمط الدولة الغربية شكلا وجوهرا، وهو ما يستدعي جهودا تنويرية عالية لفضح هذا الزّيف. 

فالإمارات ليس لها من الحداثة غير صورتها الإستهلاكية وغلافها الخارجي، فيما جوهرها القِيمي يقع على النقيض تماما من كل القِيم الحديثة، بل تكاد تكون صورة أشد قتامة من كل النّظم الديكتاتورية في الشرق الأوسط، لا يجرؤ مواطن إماراتي على التفوّه بكلمة داخليا، ناهيك عن القمع المُمنهج الذي ترعاه الإمارات لحُريات الشعوب المجاورة لها، وتغذيتها للصراعات على امتداد الدول العربية، وتقويضها الديمقراطيات الناشئة، وتمويلها المشاريع التمزيقية في كثير من الدول. 

دولة كهذه لا يمكنها أن تكون راعية لقِيم التسامح والاتصال بين الشعوب على المستوى الثقافي/ النظري، فيما كل سلوكها السياسي وأنشطتها العملية، تصبّ في مجرى مناقض تماما، وتُسهم في تقطيع كل العلاقات الطبيعية بينها وبين شعوب المنطقة، حتى بات نظامها السياسي مصدرا للكراهية لدى القطاع الأعظم من مواطني الدولة العربية، ومجلبة للفوضى.. هذا هو محمد بن زايد الحاكم السياسي للإمارات وتلك صورته.

الخلاصة:

كيف لرجل هو الراعي الأول للفُرقة والشتات في المنطقة أن يُمارس دور نبي، ويدعو إلى الاتصال والتسامح بين الشعوب..؟ لا يكفي أن يملك مالاً ليمرر مغالطة كهذه، ولا يكفي أن يتدثر بمظلة ثقافية كي يطمس صورته المشوشة.

سيأتي مثقف نبيل كهابرماس لينزع عنه القناع: هابرماس أو غيره الكثير.. وفي العالم مثقفون بلا عدد ليسوا مستعدين لبيع ضمائرهم، حيث شرف الموقف والفكرة كنزٌ لا يقايض بكل أموال الدنيا. 

ملاحظة: يعد هابرماس (91 عاما) من أبرز الفلاسفة الألمان الأحياء منذ النصف الثاني للقرن العشرين، وعُرف بارتباطه بالإرث النظري لما يعرف بمدرسة فرانكفورت وفكرها النقدي في النظرية الاجتماعية.

وله نظرية خاصة تُعرف ب"نظرية الفعل التواصلي".. وهي أشهر انجازاته النظرية في علوم الاتصال. 

وتتجاوز كُتبه في مجالات الفلسفة والنظرية الاجتماعية ما يقارب خمسين كتابا، وقد وصفته دائرة معارف "ستانفورد" الفلسفية بأنه واحدٌ من أكثر الفلاسفة تأثيراً في العالم. وقد ترجم العديد من كتبه واسهاماته النظرية إلى العربية.

في بيان رفضه للجائزة قال هابرماس: كتبي المترجمة للعربية تكفيني، يا له من رد بالغ الدلالة، لفيلسوف تشبع بالمعرفة ولم تعد كل المكاسب دونها تعني له شيئا.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.