مقالات

المجلس الرئاسي: إصلاح الوسائل أم تغيير الغايات

16/04/2022, 11:17:32
بقلم : محمد صلاح
المصدر : خاص

ظل اليمنيون، منذ مطلع الثلاثينات وحتى عقد الستينات، يناضلون في سبيل استرداد كرامة اليمن، حيث كانوا يشعرون بالعار، لأن اليمن وشعبه يتحكَّم به فرد، والآن وبعد ستين عاما، ها هو الخارج يقرر مصيره، دون أن تكون لليمنيين كلمة.

جرى، خلال الأسبوع السابق، في الرياض نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس رئاسي مكوّن من رئيس وسبعة أعضاء، وذلك بهدف توحيد الصف المناهض للحوثيين كما يتم طرحه. وإذا كان مضمون أي قرار على الناس، بحسب ما يقول محمد حسنين هيكل: "هو الذى يؤثّر على تصرفاتهم وأعمالهم - فإن أسلوب القرار هو الذى يؤثر على مشاعرهم وضمائرهم".

 ويضيف أن "القرار ينقل للناس رأي ورؤية صانعه في القضايا والمشاكل التي يتصدّى لها"، فإن طريقة إخراج القرار، القاضي بنقل سلطة الرئيس هادي إلى مجلس للرئاسة، قد نقل لليمنيين رأي ورؤية من قاموا على إعلانه تجاه اليمنيين.
 ورغم أنه تم بطريقة لا تمتلك شرعية دستورية، لكنه قوبل بتأييد خليجي، وعربي واسع، وترحيب من المجتمع الدولي، ومن الأمم المتحدة، ومجلس الأمن.

وصل هادي إلى السلطة، عقب ثورة فبراير 2011، بعد توافقات وترتيبات بين قوى الداخل، وتدخل الإقليم، وتم انتخابه في 2012م مرشحا وحيدا لجميع القوى.
امتلك هادي تأييدا محليا واسعا، ودعما دوليا لم يحصل عليه زعيم عربي، جاء عقب ثورات الربيع العربي، لكنه لم يحسن استغلال ذلك لصالح بناء الدولة، وفي الطريق أضاع معه ما تبقّى منها، وكان بوسعه أن يحقق الكثير. فشعب اليمن -كما يقول عبد الله البردوني- "يمكنه أن يحقق أكبر المنجزات، ويتجاوب مع كل من يحقق مصالحه العليا، وكل ما يدل على تمرده أو فوضويته يدل على سوء الزعامة، أو على نقص في الدراية بأحوال الشعب وأصول حكمه، باعتباره مصدر السلطات وسيّد الأرض، وصاحب الموقف دائماً".

كان الرئيس هادي يرى أنه يستمد شرعيّته من الخارج وليس الداخل، ولذلك لم يهتم كثيراً بمصير الأحداث في الداخل، حتى تم إزاحته من السلطة بطريقة لم تكن لليمنيين يد في تنفيذها.
إن الشرعية، وما كانت تمتلكه من مشروعية أخلاقية، منحت التحالف العربي غطاء التدخل لهزيمة الانقلاب. الذي جرى في اليمن عام 2014م، على الرئيس هادي، وعرقلة عملية الانتقال السياسي في البلد، وهي التي عزلت جماعة الحوثي منذ بداية الحرب عن حلفائها، فلم يتمكّنوا من دعمها إلا سرا، ومن وراء ستار.

بينما وقفت دول العالم مع الشرعية. فحكومات الدول، لكي تقف مع هذا الطرف أو ذاك، بحاجة لتبرير أخلاقي إاقناع شعوبها باتخاذ هذا الموقف أو ذاك، لكن طريقة الشرعية وإدارتها سمحت بتناسل الانقلابات، وأغرت الخليج أن ينال من اليمن بطريقة لم يعرفها البلد من قبل.

وكانت النتيجة غياب مشروعية استمرار الحرب، تحت هدف إعادة الشرعية، ودحر الانقلاب، بل باتت مشروعيتها، واستمرارها محل شك لدى الجميع.
وفي مثل إدارة للحرب كهذه فإن مشروعيتها -كما يقول المارشال البريطاني مونتجمري بطل معركة العلمين- "مرهونة بمن يستطيع ترسيخ يقينه بمشروعيته أكثر، ثم أي الطرفين يستطيع نقل هذا اليقين إلى غيره على نطاق أوسع".
رغم كلّما جرى في السنوات الماضية، وما يجري الآن، إلا أن تيارا واسعا من اليمنيين كان ومازال يمتلك الإرادة لخوض الصراع، بأشكاله المتنوّعة والمتعددة، من ثقافية وسياسية وغيرها، في سبيل بناء دولة يمنية.

وإذا كانت إدارة الصراع أضعفت الإرادة، ما أدى لعدد من الاختلالات، بسبب أداء القائمين، وأطماع التحالف، الذين شكك الداخل والخارج في جدوى استمراره، حيث قاد إلى تفكك التحالف الواسع، الذي جرى تشكيله غداة التدخل في اليمن، ولم يبقَ منه بشكل فعلي سوى السعودية والإمارات، وأصاب التأييد الدولي بالتململ، ووصل إلى مطالبة اليمنيين بإخراج الإمارات من التحالف، والتدخل في اليمن، فإن أي ترتيبات لا تحقق تطلّعات اليمنيين، وتضمن بقاء كيانهم الوطني موحداً، لن يكتب لها النجاح.

إنّ تبدل التحالفات بين القوى في الساحة اليمنية وتغيّر المواقع، خلال السنوات الماضية، ببروز جماعات وقوى على مسرح الأحداث، منها صعود المجلس الانتقالي في الجنوب، ثم ما أعقب الخلاف بين الرئيس صالح والحوثيين، من اقتتال انتهى بمقتله على أيديهم في ديسمبر 2018م، لينفك التحالف الذي جمعهما في السابق، وتحول جزء واسع من اتباع صالح إلى مناهضة الحوثيين، وقيام الإمارات بدعمهم بالمال والسلاح، دون انخراطهم ضمن كيان الشرعية، كل ذلك عمل على إعادة جدولة الأولويات، ورسم مسار الأحداث على الساحة اليمنية، بما يخدم أجندة التحالف وأهدافه في اليمن، ويتعارض مع تطلّعات اليمنيين.

لم يأتِ صعود هذه الكيانات نتيجة قوّتها على أرض الواقع في البداية، وإنما من خلال الدعم الذي قدّمته أطراف داخل التحالف، ومكنّتها من التحوّل إلى سلطة موازية، بل وبديلة للسلطة الشرعية، حتى انتهى الأمر إلى تسلمها قيادة السلطة، وتم شرعنت ذلك مؤخراً عبر عملية النقل، التي جرت في الرياض، وقد ساعد في فرض هذا الواقع الأسلوب الذي انتهجته إدارة الرئيس هادي، وتموضع الأحزاب والقوى وراء مصالحها، وتحصين مكاسبها الضيّقة في السلطة.

إن المشاريع، التي نجدها اليوم، على الساحة المحلية، وتقف بالضد من مشروع الدولة في اليمن، تشير بكل تأكيد إلى وجود مشروع حلم حقيقي، لبناء دولة يمنية، ويمتلك - المشروع - كل عوامل التحقق، لكنّه لم يجد قيادة تحمل رايته، تمنحها الجماهير الثقة، وتسير معها وخلفها إلى النهاية.

لقد كان المؤمّل أن تصبح المناطق المحررة قاعدة لاستعادة الدولة، ومشروعا يقدّم النموذج لبقية المناطق في اليمن، لدحر الانقلاب، لكنها تحوّلت إلى قاعدة لتفكيك البلد، وإعادته إلى القرن التاسع عشر.

هناك توجس اليوم من عملية نقل السلطة، ومن الدعوات المتسترة بغطاء وحدة الصف، يأتي ذلك من الطريقة التي جرت فيها عملية الانتقال، ومن التمثيل للقوى داخل المجلس، كما أن دعوات وحدة الصف، دون التأكيد على وحدة الهدف، تثير من المخاوف أكثر مما تبعث على التفاؤل، لأنها قد تكون مجرد راية لتمرير المشاريع القاتلة للمشروع الوطني في البلد.

المجتمع الآن مرتبك، بسبب طريقة التحالف، وتجربته معه، ولا أظنّه يستطيع الاستجابة، والتعامل مع ما جرى بثقة، فالشعوب "لا تتحرك واعية إلا من إدراك راسخ بضروراتها الإستراتيجية. والضرورات الإستراتيجية للشعوب لا تصنعها قرارات يتخذها الساسة أو الحكام في بلد من البلدان في لحظة من اللحظات تناسب هواهم أو رؤاهم" [محمد حسنين هيكل أزمة العروش]. ولعل مبعث القلق والخوف هو أن الهدف مما جرى ليس إصلاح الوسائل، بل تغيير الغايات والأهداف.

مقالات

حينما تناقض موقفا القاضي والأستاذ بسبب السعودية!!

"إن المعالم لدينا واضحة، فأي طريق ينتهي بنا إلى إلغاء النظام الجمهوري لن نسلكه مهما كانت العقبات والأشواك في الطريق الآخر، وأي سبيل يفضي إلى عودة بيت حميد الدين هو الآخر لن نضع قدماً فيه" القاضي عبد الرحمن الإرياني - "المذكرات" الجزء الثالث ص 74.

مقالات

إشكالية الماضي والتاريخ والسلالة والأقيال

المجتمعات العربية بشكل عام والمجتمع اليمني بشكل خاص أكثر المجتمعات الإنسانية «تدثراً» بثياب الماضي التي تسربل حاضرنهم على الدوام. هذا إذا لم يكن الماضي هو روح الحاضر الذي يرسم ملامح المستقبل في بلد تعطلت فيه صيرورة التقدم والتاريخ، رغم التضحيات الجسام، في سبيل ثلاث ثورات ووحدة خاضت جميعاً معركة الخلاص التاريخي.

مقالات

العزل التدريجي لحزب الإصلاح من السلطة

يحاول الإنتقالي استثمار نتائج سيطرته العسكرية والأمنية على العاصمة عدن؛ كي يضغط باتجاه تمكينه سياسيًا وازاحة خصومة. يستخدم نفس التهمة التي كان خصوم الإصلاح بما فيهم هو، يصرخون بها ضد الحزب. مع فارق أن الإصلاح وفي مرحلة نفوذه في الرئاسة. كان يتحرك بحذر ويحاول جاهدا موازنة سياسته، ولم يتهور ليستحوذ فعليًا على كل شيء. كان يتصرف مستندا لخبرة سياسية تراكمية تدرك جيدا مالات النزوع الإقصائية. فيما نحن اليوم أمام فصيل يتصرف بخفة ويعتقد أن امتلاكه بضع آلاف من مسلحين يديرون العاصمة عدن وما حولها وأن هذا الامتياز يخوله لابتلاع كل شيء.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.