مقالات

الموقف من الديمقراطية.. امتحان المثقف

31/07/2021, 07:19:20
المصدر : بلقيس - خاص

ما حدث في تونس ليس موقفا عابرا وناتجا عن انقسام سياسي يمكن تفهُّمه، هو حدث مركزي كاشف للاختلال العميق في مجتمعاتنا العربية، تعبير عن طبيعة المرحلة التاريخية في حياتنا كعرب، إننا ما نزال نخوض صراعا حول المفاهيم التأسيسية للحياة السياسية، ما تزال ثقافتنا تمرُّ بمرحلة جنينية لم تتمكّن النّخب فيها من حسم القواعد المشتركة للحُكم، قواعد السلطة وكيفية إدارتها. 

حدث كهذا لا يخصُّ تونس وحدها، بل يشرح مأساتنا في كل الدّول العربية، وإذا ما كانت تونس هي موقع الحدث، فلأنها كانت النموذج الوحيد المتأرجح في طريقها نحو ترسيخ الديمقراطية، وبدلًا من احتشاد النّخب لتعزيز نجاح النموذج، إذا بهم ينتكسون ليهشموا الحالة الوحيدة الناجية من طوفان الفوضى والانقلابات. 

قد لا يكون مستغرباً من حاكم ما أن يرتكب سلوكا سلطويا ويلغي إرادة شعب من خلال اعتصار الدستور، وتبرير سلوكه التسلّطي؛ لكن ما لا تستطيع تفهُّمه هو موقف المثقف، فما مصلحة مثقف في تأييد إجراء سياسي هادم للديمقراطية، ففي هذه الحالة إما أنه أجير لدى السلطة أو مضطغن يصفي حساباته مع الآخر أو أن صفته كمثقف على المِحك. 

نحن أمام موقف لا يمكن تفسيره إلا في سياق الفجوة المعرفية الهائلة داخل نسيج النُّخبة الثقافية العربية، والأمر لا يتعلَّق بالفجوة ذاتها، بل في غياب الإيمان بأرضية مشتركة لإدارة هذه التباينات، وفي هذه الحالة لا يتبقَّ سوى القوّة الخشنة لحسم الخلاف الفكري؛ بدلاً من التمسك بالخيار الديمقراطي ونتائجه. 

كل من يؤيد اللجوء إلى القوّة لحسم الصراعات السياسية هو يكفر بالديمقراطية ويلغي شرعيته بذاته، لا يمكنك دحر خصمك بالقوّة ثم ادعاء امتلاكك شرعية تمثيل الشعب، فمن هو الشعب الذي تمثله إذ لم تحترم إرادة الشعب نفسه الذي جاء بخصمك. 

الموقف من الدّيمقراطية هو معيار كاشف للجميع وفي الدرجة الأولى المثقف، إنه ليس صراعا سياسيا طبيعيا في إطار تباينات الرُّؤى، بل موقف يتعلّق بالأُسس المركزية للحياة السياسية، إنك لا تهدم خصمك حين تؤيد انقلابا عليه، بل تقطع الجذع الذي تقفون عليه جميعاً. 

يقول لك إنهم ليسوا ديمقراطيين، ولهذا يصح الانقلاب عليهم، وهنا نصل لجذر المشكلة.. ما هي الديمقراطية إذاً..؟ من الذي يقرر ما إذا كانوا ديمقراطيين أم لا، نحن أم الناس؟ عند هذه النقطة نكون أمام كفر جديد، ليس كفراً بحق الخصم في السلطة؛ بل كفر بمبدأ ديمقراطي أساسي، هو إرادة الشعب. 

لكأنّ من ينقلب على خصم سياسي هو يعلن بشكل ضمني كفره بخيارات الناس، وفرض نفسه وصياً على الإرادة الشعبية، وهذا هو مفهوم الديكتاتورية، في أبسط معانيه، ومثلما تتلازم الدّيمقراطية مع احترام إرادة الناس، تتلازم الديكتاتورية مع احتقارهم، أنت هكذا لا تلغي خصمك، بل تهين المجموع العام، وتتعامل معهم كما لو أنهم قاصرون لا يفهمون مصلحتهم، ولمن يمنحون أصواتهم. 

يقول لك: حركة النهضة فاشلة سياسياً، وهذا مبرر ثانٍ لتجويز الانقلاب عليها. حسناً، من قال لك إن الفشل السياسي مبرر للانقلاب العسكري، من يقوِّم الأحزاب السياسية، وما إذا كانت ناجحة في إدارتها أو فاشلة هو الشارع الذي انتخبها، وليس القوّة الفوقية وأوامر الضُّباط. 

 

وآخر مبرر لمن يؤيدون الانقلابات العسكرية هو أن الأحزاب الدِّينية لا يصحّ لها المشاركة السياسية، وفي هذه النقطة نصل إلى جذر المشكلة. من قال لك إن القوى السياسية لا تملك الحق أن تصيغ تصوراتها العامة من أي منطلق كان؟ ثم ما هو تعريف الحزب الديني..؟ هو من يُؤمن بقناعات دِينية صارمة، ويود فرضها على الآخرين كما لو أنها حقائق سماوية مُطلقة، هل حركة النهضة كذلك..؟  بالتأكيد "لا". 

وفي النّقيض من الحزب الدِّيني هو الحزب الذي يتبنّى مشروعا مدنيا، هو حزب مدني بصرف النّظر عن المنطلقات الأخلاقية العامة التي يؤمن بها، فأنت لا تستطيع منع الناس من الإيمان بأي تفسيرات وجودِية للحياة والبشر، ما هو مُهم هو البرنامج الحزبي السياسي، و'النّهضة' في هذه النقطة هي تيار مدني ببرنامج سياسي يكاد يتطابق كلياً مع الرؤى العلمانية، ولا علاقة له بأي صبغة دِينية أو تصورات أخلاقية مناقضة للحقوق والحُريات. 

ما الذي يتبقَّ لمن يشرعنون الانقلاب، وتحديدا المثقف..؟ لا شيء، يتبقّى نزاهته المعرفية والتزامه الأخلاقي النبيل، هذا هو ما يحدد انحيازه للديمقراطية، ولو جاءت بخصمه، أو ارتداده عليها حين لا تكون من نصيبه. 

الخلاصة:

ستظل البلدان العربية عالقة في ثنائية العلماني والإسلامي والديمقراطية والعسكر زمناً طويلًا، حتى تصل النّخبة إلى قناعات راسخة حول المفاهيم الأساسية للسلطة، عندها يمكننا أن نتحدّث عن بدء دورة تاريخية جديدة في حياتنا كعرب. هذا إذا كنا صادقين مع أنفسنا ورغبتنا في الانتقال نحو طور حضاري جديد، أما إذا ظللنا عالقين في تحيزاتنا الخاصة وعداوتنا فلن ننجو من لعنة الثنائيات، ومن المصائر المضطربة أجيالا وأجيالا، بلا نهاية.

مقالات

ماذا بقي من الوحدة اليمنية؟

على ما يبدو في الظاهر أو العلن اليوم أن الكثير من اليمنيين قد كفروا بالوحدة اليمنية من الألف إلى الياء، بعد أن كانت أمنية وأغنية لطالما تغنَّت بها أجيال وأجيال من اليمنيين، سواء كانوا مواطنين أو قادة.

مقالات

"22 مايو" بين خيار المشروع الوطني والمشاريع الصغيرة

إذا علمت بما يجب أن تعلم به بأن الوحدة اليمنية ليست من صنع الثاني والعشرين من مايو 1990، في ذكراه الرابعة والأربعين، بقدر ما هو التعبير السياسي عنها لوجود أصيل وثابت ثبات جغرافية الأرض والتاريخ والإنسان، وهي الوحدة غير القابلة للتجزئة في مزاد المراهنات السياسية الخاسرة، والمتجنّية على حق وإرادة الشعب اليمني، ونضاله وتضحياته من أجلها.

مقالات

ثقب في زجاج الذاكرة

في إصداره الشعري الخامس المعنون بـ"بيدق أسود في يد الجنرال"، الصادر عن منشورات مواعيد ـ ٢٠٢٤ ـ صنعاء -الذي احتوى بين دفتيه ما يقارب من ٣٠ قصيدة نثرية- يواصل الشاعر محمد اللوزي التحليق في سماء الشعر عبر أجنحة النثر.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.