مقالات

اليمنيون والقبول بالتعدد (4)

25/06/2022, 08:45:15
بقلم : محمد صلاح

رسّخت مدرسة الاجتهاد اليمنية، التي بزغ نجمها مع إطلالة العصر الحديث، مبدأ الاجتهاد، الذي يقر عدم جمود الحقائق، وثباتها، ويجسد معنى التسامح بين المذاهب، وتعددها، والقبول بها، والاعتراف بالتنوّع في إطار واحد.

نعم، لقد عرفت اليمن التسامح المذهبي، لكن محرّكاته لم تكن نابعة من تعاليم المذاهب، أو المبادئ التي تقوم عليها بالدرجة الأولى، بل بسبب طبيعة المجتمع اليمني، التي اكتسبها من خلال تجربته الحياتية، والبيئة التي تواجد عليها، وظروف معاشه، وكذلك من الصراعات، والحروب التي خاضها اليمنيون فيما بينهم، أو مع غيرهم، إذ اكسبتهم مرونة في التعامل عند الاختلافات.

إذا كان مفهوم التسامح قد برز في الغرب مواكباً البدايات الأولى لحركة الإصلاح الديني الأوروبي، ليعبّر عن الاعتراف المتبادل بين القوى الأوروبية، التي ظلت تتصارع فيما بينها على أسس دينية.
فإن التعبير عن مفهوم التسامح في بلادنا تبلور في كتابات مدرسة الاجتهاد اليمنية، من خلال تركيز علمائها على رفض التمذهب، ونبذ التعصّب.

مع إطلالة العصر الحديث، وُجد في بلادنا علماء ومجتهدون كبار رفضوا التمذهب، وتحرروا من الانتماء المذهبي، وحاربوا التعصّب، وطرحوا التقليد، وهي كما يقول المجدد الإسلامي الإمام الشوكاني "خصيصة خص الله بهَا أهل هَذِه الديار فِي هَذِه الْأَزْمِنَة الْأَخِيرَة وَلَا تُوجد فِي غَيرهم إلا نَادرا" [محمد بن علي الشوكاني "البدر الطالع"]، حيث كانت بلاد العرب والإسلام غارقة في التعصب المذهبي، والجمود الفكري. بل إن الإمام الشوكاني في كتابه "أدب الطلب" قدّم تحليلا وتشخيصا اجتماعيا لداء التقليد، المفضي إلى التعصّب، وعدم التسامح، وما يجر على المجتمع من أمراض وأدواء، وعلل اجتماعية، تقود إلى التمزّق، والتناحر.

تجلّى استشعار خطر سيادة روح التعصّب، ونفي الآخر، في كتابات روّاد مدرسة الاجتهاد اليمنية، عبر مؤلفاتهم التي أكدت على محاربة المذهبية، والتعصب، والدعوة إلى الانصاف.

وكان ظهورها مترافقا مع ظروف تاريخية جديدة في حياة اليمن، تمثلت في وحدة البلاد تحت قيادة أئمة آل القاسم المنتمين للمذهب الزيدي، وكانت السياسات المالية، والاقتصادية للأئمة، تنخر في جسد الوحدة الوطنية، وتثير الحزازات بين مختلف المكوّنات الاجتماعية، فجاءت مدرسة الاجتهاد لتشيّد جسور الالتقاء، والانسجام بين اتباع المذاهب المختلفة، وتعبيرا صادقا عن طبيعة المجتمع اليمني، النابذ للغلو، والمتطلّع للتعايش، والتآلف، والتسامح.


كان من بين الأهداف، التي سعت مدرسة الاجتهاد لتحقيقها، الحفاظ على وحدة البلد، وصيانته من التمزّق، والتشتت، وردم أي خلافات مذهبية، تثيرها السياسة، فتتحوّل إلى محفز للصراع بين اليمنيين، ولقد حقق دعاة هذه المدرسة ما سعوا إليه، غير أن ممارسات السلطة الإمامية، وطريقة الإدارة للحكام، لم ترتقَ إلى ذلك الإنجاز، حيث كانت طبيعة الحكم محفزة للتمرّدات، والانقسامات.

قدّمت كتابات روّاد مدرسة الاجتهاد، وأطروحاتهم، العديد من الاجتهادات القادرة على تقريب وجهات النظر بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة، منها على سبيل المثال: مؤلف العلامة المجتهد المطلق الحسن بن أحمد الجلال (ت 1084هـ) في كتابه "ضوء النهار"، الذي يمكن اعتباره "من كتب التقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة، ففيه آراء لثمانية مذاهب (الزيدي والحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والظاهري والإمامي ومذهب الخوارج)، مما قد لا يوجد في غيره من الكتب، مع ملاحظة أنه لا يذكر أحد المذاهب من أجل الرد عليه وبيان ضعفه وتهافته" [عبدالباسط عبده ردمان "منهج الحسن بن أحمد الجلال (ت1084 هـ - 1673م) واختياراته الفقهية" في كتابه "ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار"، ص66، 67، رسالة ماجستير غير منشورة]، بل سعى في كتابه لاختيار الراجح من الآراء، التي يسندها الدليل، بعيدا عن التعصب لأي مذهب، ومثله أيضا كتاب الإمام محمد بن علي الشوكاني "نيل الأوطار".

قبل مدرسة الاجتهاد، استطاع قلة من علماء اليمن، وأئمة العلم، أن يخلعوا عنهم رداء الانتماء المذهبي، والبعض الآخر قدموا رؤى وأفكارا تساعد على التقارب بين أتباع المذاهب المختلفة، من خلال الأخذ والاستفادة من  كتب علماء المذاهب الأخرى، لكن الانفتاح على بقية المذاهب، والتحرر من المذاهب لم يكتمل إلا مع مدرسة الاجتهاد اليمنية، ولم يتحول إلى نظرية مكتملة، ويمتلك رؤية شاملة، تم تطبيقها في مشروع فكري واضح المعالم، إلا على يد علمائها، وكان شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن علي الشوكاني (1173- 1250هـ)، صاحب الدور الأكبر في ترسيخ هذا المشروع، بحيث طبّقه في حياته العلمية، والعملية، كما تؤكده رسائله، وكتبه الفكرية، والفقهية، المطبوعة والمخطوطة، بحيث ساهمت في ترسيخ التعدد، وتعزيز قيمة التسامح بين أتباع المذاهب داخل اليمن، وخارجها.

وبذلك، قدّمت مدرسة الاجتهاد اليمنية، عبر مؤلفات علمائها، رؤية مستقبلية لإدارة التعدد المذهبي، داخل الدول المتعددة المذاهب.

خاص
مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.