مقالات

اليمن: الأزمات الدولية ومأزق الحل

17/01/2023, 14:02:09

في نهاية العام 2022، صدر تقرير الأزمات الدولية تحت عنوان "كيف ستؤدي المفاوضات بين الحوثيين والسعودية إلى إنقاذ أو انهيار اليمن؟".

يقع التقرير في بضع صفحات. يتناول في نظرة عامة ترتيب الأمم المتحدة للهدنة، التي استمرت حتى 2 أكتوبر 2022، والتفاوض الحوثي - السعودي. مشيراً إلى محاولة الحوثي التخلص من الخصم الرئاسي، محدداً مطالب الحوثيين بفتح مطار صنعاء، وميناء الحديدة، ودفع مرتبات جميع موظفي الدولة بما في ذلك الأجهزة الأمنية والعسكرية في مناطق سيطرتهم.

تتضمن المطالب التوقف عن دعم منافسيهم، ودفع مبالغ لإعادة الإعمار. ويشير التقرير إلى تصاعد الصراع الاقتصادي، مستبعداً العودة إلى الحرب. ويرى أن المفاوضات السعودية - الحوثية ربما أثارت الرئاسية؛ ما يدفع لمناقشة العودة إلى احرب، لكن المجلس الرئاسي مشغول بتوحيد صفوفه أكثر. كما يرى أن المفاوضات حول هدنة لا تقودها الأمم المتحدة يعني رغبة السعودية في إنهاء الحرب الأهلية في اليمن. وفي حين يقرأ أن التفاهم الحوثي - السعودي ضروري لإنهاء الأعمال العدائية، يرى أنه قد يمثل مأزقاً محتملاً للأمم المتحدة، واللاعبين الدوليين الذين يسعون إلى إنهاء الحرب في اليمن. كيف؟

يقرأ التقرير في المحادثات تحديين: إبعاد خصوم الحوثيين من الحوار، في حين ترى الأمم المتحدة أهمية مشاركة جميع الأطراف في المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة، ويدعو الحوثيين إلى العودة لتلكم المحادثات، داعياً إلى محادثات متعددة الأطراف.

يؤكد التقرير أن الأمم المتحدة نقطة التقاء رئيسية للمفاوضات في اليمن، والوسيط الوحيد الممكن للتوصل إلى سلام متعدد الأطراف، وبغض النظر عن نتيجة المحادثات بين الحوثيين والسعودية. واضح أن هناك قلقاً من المحادثات المباشرة مع السعودية والحوثيين، مع أنها مفاوضات -حتى الآن- متعسرة. ما يطرحه التقرير حول إشراك كل الأطراف صائب ومهم، ولكن الأمم المتحدة، وعبر مندوبيها، لم تلتزم نفسها بذلك.

يرصد التقرير التصعيد في العام 2022، مشيراً إلى أن الثمرة فتح قناة الحوار، وتركيزه بين السعودية والحوثيين، ويدرس أسباب التهدئة في تحقيق الحوثيين انتصاراً عسكرياً مهماً في الاقتراب من مأرب، وبناء الثقة، وهدنة موسعة وممتدة في القناة السعودية - الحوثية، ثم العودة إلى الصراع الاقتصادي. 

والواقع أن الهدنات المتكررة مردها بالأساس إلى عجز كل الأطراف عن تحقيق انتصار عسكري حاسم، وتصاعد الغضب الشعبي في عموم اليمن ضد الحرب وقادتها ومموليها، ثم أيضاً شعور الإقليم بالمرارة من أعباء وكلفة الحرب، وتزايد الضغط الدولي، والأهم انشغال الأطراف الفاعلة في الرباعية الدولية بالحرب في أوكرانيا، وربما أدركت السعودية خطورة استمرار الحرب، وعدم مصداقية أطراف الرباعية، وعدم جدية حلفائها، في حين أن إيران غارقة في المواجهة مع شعبها، فالاحتجاجات والمظاهرات هي التي أوصلت الآيات إلى الحكم، وهي الآن من يدعو إلى رحيلها، إضافةً إلى التململ في العراق وسوريا، وتأزم الوضع في لبنان. كما يدرس أطراف الصراع: الحوثيين، والعربية السعودية، ومجلس القيادة الرئاسي.

يحدد التقرير أهداف الحوثيين، وتكتيكاتهم التفاوضية المدروسة جيداً، مشككاً في رغبتهم في السلام، ناقداً  تصويرهم الحرب بأنها مجرد عدوان، مشككاً في صدق نوايا الصفقة مع السعودية، وبعدها التفاوض مع مجلس الرئاسة؛ لتأكيد الانفتاح على الأمم المتحدة؛ وللبروز كطرف منتصر، مؤكداً أنهم ليسوا بالقوة التي يوهمون بها الآخرين، وأن الجميع مرهقون نقلاً عن فرع حوثي. ويشير إلى خسائرهم في مأرب، وفقدانهم ثقة الآخرين بما في ذلك ناشطو المجتمع المدني.

ويرى التقرير تراجع العداء للحوثيين، واعتبارهم الفصيل الأقوى. وسائل الإعلام السعودية تشير إليهم باسم "أنصار الله"، وأن الحوثيين بدوا أكثر اعتدالاً تجاه الرياض في تصريحاتهم، ولم يعد السعوديون يصنفونهم كوكلاء لإيران، مؤكداً على رغبة السعودية في الخروج من الحرب، ورغبتهم أيضاً في الحصول على تنازلات تتعلق بأمن الحدود، ووقف الهجمات الصاروخية، ونقل الأسلحة الثقيلة بعيداً عن الحدود، وتهدئة العلاقة بإيران. أما مجلس القيادة الرئاسي، فيرى التقرير أن السعودية قد حولته إلى لاعب ثانوي، وأن تشكيله تم لحل مشكلتين مترابطتين: الاقتتال الداخلي بين المجموعات الموالية للسعودية والإمارات، وافتقار حكومة هادي للمصداقية، وهما سببان حقيقيان، ولكن الأهم جعله أداة طيعة للطبخات القادمة، بما في ذلك المساومة مع الحوثيين بعيداً عنه، وتغاضيه عن الاستيلاء على الموانئ والجزر وبعض المناطق.

وقد رأي التقرير الفرصة المتاحة أمام المجلس هو الانتظار، مراعياً وضعهم البائس، وانقساماتهم التعيسة، ويرى أن مستقبل اليمن رهن ما تنتجه القناة السعودية - الحوثية، وهي أفضل من الحرب.

وينقل التقرير عن أحد نشطاء المجتمع المدني القول إن الصفقة لا تنهي الصراع، وإنما تنهي الدور السعودي، وهو رأي غير دقيق طبعاً، فالمطامع السعودية والحروب المتكررة لعشرات السنين وضعف القيادات اليمنية كلها تغري وتعد باستمرار التدخل السعودي.

ويدعو التقرير إلى ضرورة عدم تجاهل دور المجلس الرئاسي، ولكنه يرى أنه ليس بإمكان القوى الخارجية أن تقوم بكل عملها نيابة عنه. ويرى أن دول الخليج تشعر بالقلق من العودة إلى الصراع المكلف. ويشير إلى توصية مجموعة الأزمات الدولية بتشكيل مجموعة عمل، أو مجموعة اتصال دولي كجهة موحدة لدعم العملية التي تقودها الأمم المتحدة والأعضاء الدائمون وممثلو مجلس التعاون الخليجي الست، وربما ينضم إليهم الاتحاد الأوروبي لتنسيق مسارات الوساطة، وتحديد الخطوات التي من شأنها تعظيم فرض النجاح. التقرير مهم، ومبذول فيه جهد واسع متابع ومطلع، والملاحظات البسيطة لا تقلل من أهميته.

يتوقع التقرير انهيار المجلس الرئاسي، أو اتحاده خلف العودة إلى الحرب، وهو احتمال ضعيف. عقدة المفاوضات أن جانباً مهماً من القدرة على الحل لم يعد بيد أدوات الحرب الأهلية؛ فالحل متشابك ومتداخل ومندغم بالصراع الإقليمي والدولي. إصرار "أنصار الله" الحوثيين على التفاوض مباشرة مع السعودية ليس فقط لإدراكهم ضعف الطرف الداخلي، وإنما أيضاً -وهذا هو الأهم- الرغبة بالتفرد، وعدم الاعتراف بالآخر؛ ولإدراكهم أيضاً بأن أوراق الحل بيد السعودية.

المأزق أن كل طرف من الأطراف يريد أن يحقق بالتفاوض ما عجز عن تحقيقه بالحرب، وأن صناع الكارثة يريدون وحدهم أن يكونوا محتكري الحل. صحيح - كما أشار التقرير- أن الحرب تحولت إلى حرب اقتصادية، ولكن احتمالات العودة إلى الحرب تبقى مفتوحة كأبواب جهنم في ظل الانسداد وفقدان الثقة؛ فالسعودية -بحسب إشارة التقرير- تريد التفرد بالحل بعيداً عن حلفائها، سواء في الرباعية أو المجلس الرئاسي، أما الحوثيون (أنصار الله) فهمهم أكل الكعكة منفردين، والسيطرة المطلقة، وعدم مشارة الأطراف الأخرى، والمجلس الرئاسي لا يعني للجميع غير ورقة مساومة.

والملاحظ -وكتأكيد التقرير- أن الصراع لم يعد قائماً حول السلطة، وإنما من حول الثروة ومصادرها، وما يهم أمريكا وبريطانيا هو التهدئة للانشغال بالحرب في أوكرانيا، مع الحرص على توريد السلاح، واستمرار التوتر، وتهيئة اليمن للتقسيم، وبناء القواعد.

يدرس التقرير كل الاحتمالات حول نهاية الحرب، أو العودة إليها، وتحولها إلى حرب على الثروة، ولكن الاحتمال الغائب أو المغيب هو حراك شعبي رافض للحرب، وهو -وإن كانت مؤشراته ضعيفة- ليس غائبا كليا.

الوضع الدولي: حرب أوكرانيا، وأزمة الإقليم، والأزمة العربية الطاحنة، وحالة اليمن، هل ترجح احتمال الحل السياسي، أو العودة إلى الحرب؛ لأن اللا حرب واللا سلم غير ممكن في اليمن.

فبعد انقشاع دخان الحرب، وخفوت الدعاوى المتعارضة والمختلفة شديدة الضجيج والإلحاح، ومع بدء التفاوض الجدي، سوف يطرح كل طرف مطالبه الأساسية والحقيقية، وسوف تسقط ورقة التوت عن سوأة الحرب، ويخرج الملك عارياً، ويكون للشعب الضحية كلمة.

مقالات

تفاهمات السعودية والحوثيين هل ستصنع سلاماً؟

الكثير من التكهنات والتسريبات تدور حول نتائج اللقاءات السعودية - الحوثية الناشطة منذ أشهر، ومنها إيقاق الحرب؛ على قاعدة تسوية محددة بين الطرفين، وصرف مرتبات الموظفين، وفتح الطرقات والموانئ البحرية والجوية (ميناء الحديدة ومطار صنعاء).

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.