مقالات

اليمن ومزالق التدخلات الخارجية!

24/10/2020, 07:32:02
بقلم : محمد صلاح
المصدر : خاص

كادت الإمامة، خلال جولات الصراع بين الجمهورية والملكية المدعومة من الخارج، أن تحرز تقدماً، في كسب تعاطف الجماهير داخل بعض المناطق اليمنية، وذلك بحجة التدخل المصري، الذي جاء بطلب من قيادة الثورة لمساندة النظام الجمهوري، ضد التدخلات الخارجية القادمة من الاستعمار البريطاني في عدن، والمملكة العربية السعودية.

لقد استغلت الرجعية وأتباعها من الملكيين الأخطاء التي وقعت حينها من قبل مسؤولي القاهرة في صنعاء، وقامت بتعبئة الناس ضدهم، وأشاعت أن مصر قدمت لاحتلال اليمن، وكان من اخطاء الوجود المصري، في أوائل ثورة سبتمبر، التدخل المباشر في إدارة شؤون البلاد، واختيار بعض المسؤولين، وتقرير بعض السياسات. ومن أمثلة ذلك: فرضهم البيضاني، الذي سعى من خلال موقعه كنائب لرئيس مجلس القيادة إلى إثارة المناطقية، واستفزاز النزعات المذهبية أثناء الصراع، الأمر الذي دفع النّخب الوطنية بمختلف توجهاتها إلى معارضة السياسة المصرية، والمطالبة بإزاحته وإخراجه من البلد بعد كثرة أخطائه، وطريقته السلبية في إدارة بعض الملفات الداخلية. 

ولأن الهدف الأول لمصر وزعيمها عبدالناصر هو انتصار الثورة والجمهورية، فقد تدارك الأمر وسحب البيضاني، وكان لتفهّم القيادات الجمهورية، ومعرفتها بخبايا النفسية اليمنية، وطبيعة الصراع والتركيب الاجتماعي، إضافة إلى صلابة إرادتها الوطنية، ومكاشفة حلفائهم المصريين حينا، وحينا آخر رفض تصرّفاتهم في إدارة الصراع، فضلاً عن رفضهم القاطع تقرير مصير الحرب بدون الرجوع إلى القيادة اليمنية، كما جرى عند توقيع اتفاقية جدة عام 1965م، بين الملك فيصل وعبدالناصر، التي عارضها ورفضها المسؤولون اليمنيون بلا تردد، كان لكل ذلك دور جوهري دون انبعاث دورة جديدة للإمامة!
لم تكن نتائج التدخلات في اليمن تأتي دوماً كما يريد أصحابها، وسعى لها المتحالفون.

ففي التدخل الأيوبي عام 562 هجرية، بعد استنجاد الشريف يحيى بن حمزة وهاس بالخليفة العباسي، للوقوف ضد علي بن مهدي الرعيني الذي قتل أخيه، واندفع يسيطر على مناطق اليمن الواحدة تلو الأخرى، وحينها -كما ترى عدد من المصادر التاريخية- طلب خليفة بغداد من صلاح الدين الأيوبي في القاهرة إرسال جيش لردع الرعيني، وقد تحقق للأيوبيين ذلك، ولم يكن حينها للإمامة في اليمن حضور بارز وقوي، إذ كانت القوى القبلية الموالية للصليحيين آنذاك، قد ورثت نفوذهم في البلاد، فكان "الياميون الهمدانيون" في صنعاء وما حولها، وبني زريع في عدن، وسلاطين "جنب" في ذمار وما جاورها هم الممسكين بالسلطة، وقد قام الأيوبيون من أجل بسط نفوذهم في اليمن بضرب الكيانات الاسماعيلية، والتي كانت في ذلك الوقت تعد حجر عثرة أمام امتداد النفوذ الزيدي في مغارب اليمن الأعلى، وفي صنعاء، ولم تكن النتيجة لصالح الأيوبيين أو القوى المتحالفة معهم في أعالي اليمن، بل كان المستفيد الإمام عبدالله بن حمزة الذي سيطر على صنعاء، ويعود ذلك إلى أن الأيوبيين رأوا أن إزاحة الاسماعيلية، وإضعافها سيكون لصالح أهل السنّة، لكن ذلك لم يحدث، والأوضاع تغيّرت وتبدلت بعد رحيل الأيوبيين، وقيام الدولة الرسولية التي أزاحت بقية القوى والكيانات، وحكمت اليمن بأكملها. وحين سرى الضعف في كيانها، بدأت المناطق تخرج عن سلطتها الواحدة تلو الأخرى.

عندما قامت الدولة الطاهرية في أعقاب زوال بني رسول عام 858 هجرية، كان الأسطول البرتغالي آنذاك يحوم حول السواحل اليمنية، ويهدد سفن التجارة الإسلامية بين الهند ومصر، وقصفت مدافعه عدداً من الموانئ، ونزلت في بعض المدن الساحلية والجزر اليمنية محاولة احتلالها والتّمركز فيها، فاستنجد السلطان عامر الطاهري بسلطان مصر لمواجهة البرتغال، لكنه بعد وصول الإمدادات ونزولها على ساحل زبيد، أوجس سلطان اليمن خيفة من الجنود المماليك، فأوقف التعاون معهم بمشورة من أحد وزرائه، فما كان منهم إلا النزول والسيطرة على زبيد، وبعدها عدن، ثم التقدم نحو مناطق الوسط، التي كانت تحت سيطرة آل طاهر واخضاعها الواحدة بعد الأخرى، وقد استغل الإمام شرف الدين الخلاف بين جنود المماليك، وبين أعدائه الطاهريين فتحالف معهم للإجهاز على خصمه الداخلي السلطان الطاهري، الذي أوشك -قبل تهديدات البرتغال لسواحل اليمن- أن يقضي على طموح الإمامة في البلاد حينها، لكن ما إن تحقق النصر للماليك، حتى أعلن الإمام الجهاد ضدهم، ليصبح بذلك المستفيد الأول، وقد وصل نفوذه بعدها إلى تعز وعدن، وهي المرة الأولى في تاريخ الإمامة الزيدية التي يمتد نفوذها إلى تلك المناطق.


لا يجب على الشرعية أن تخشى من خروج التحالف من اليمن، فحين خرجت مصر عبدالناصر في الستينات، وتوقف دعمها للثوّار بعد هزيمة حزيران 1967 لم تخسر الجمهورية معركتها، ولا قضيتها، بل ربح الجمهوريون المعركة ضد الإمامة المدعومة حينها من الرياض ولندن، وغيرها من الدول. لقد وضع خروج الجيش المصري اليمنيين وجهاً لوجه مع قضيتهم، وصنعوا حينها ملحمة السبعين يوماً.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.