مقالات

تشويه النضال النسوي..

22/01/2022, 08:26:43
المصدر : خاص

لا يجادل أحدًا، أن وضع المرأة اليمنية في حالة متردية كثيرًا وأننا نحتاج عقود كثيرة واشتغال دائم؛ كي نتمكن من تحرير واقعها من الكوابح التي تعيق فاعليتها في المجال العام وتهيئ لها وضعًا يجعلها أكثر قدرة على تحقيق ذاتها على كل المستويات.
 
لكن وضع المرأة اليمنية، يصطدم بعوائق كثيرة، ليست موضوعية فحسب بل وذاتية، وأكثر من ذلك، عائق يتعلق بطبيعة النضال الذي يتوجب انتهاجه؛ كي تتمكن المرأة من تحقيق وضع أفضل. ما نعنيه هنا أن النضال لتحرير المرأة اليمنية، يتوجب أن ينطلق من خصوصية وضعها، وحديث الخصوصية هنا، لا نعني به شرعنة واقعها بكل سلبياته تحت حجة الخصوصية، إنما التفكير في أنجع الوسائل التي تحقق الهدف بأقل كلفة ممكنة.

تعيش المرأة اليمنية في مجتمع يجردها من كل أدوات القوة والحضور والقدرة على الحركة، والحال هذا، يتوجب علينا التركيز على الحقوق التأسيسية للمرأة اليمنية، قبل القفز نحو قضايا هامشية، لا تسهم في تعزيز موقع المرأة بقدر ما تشوش طريقها نحو النهضة والتحرر.

وكي يكون الحديث أكثر وضوحًا، سأتحدث بتفصيل نسبي حول ما نعنيه بقضايا هامشية وما نعنيه بمراعاة خصوصية وضعها. فمثلا، ما جدوى الحديث عن حق المرأة في المثلية الجنسية، في مجتمع لم تنل فيه المرأة حقها في التعليم..؟! أليس هذا قفزا على أولويات النضال النسوي الحقوقي.

مثال أخر: هل من الحكمة دعوة المرأة اليمنية للتمرد على النظام البطريكي/ الأبوي في مجتمع يسيطر فيه الرجل على كل عوامل القوة، الرجل كأب وأخ وزوج وقريب.. ألا يعتبر ذلك نوع من الصدام العبثي، حتى لو كان من منظور مثالي هو حق طبيعي للمرأة كإنسان عاقل. لكن ما هو حق هنا، ليس حكمة التشدد فيه.

حين تدعو ناشطة نسوية تسكن في دولة خارجية، امرأة يمنية معذبة ومظلومة في أقاصي الريف، تدعوها للتمرد ضد سلطة الأب والرجل عمومًا، فهي لا تساعدها في التحرر من واقعها المأزوم، بل تدفعها لمضاعفة توتراتها في الحياة وتتسبب في قطيعة لها مع محيطها الإجتماعي وهو ما يضاعف معاناة المرأة ولا يوصلها لوضع أفضل مما هي عليه.

نحن في مجتمع تقع فيه المرأة على هامش الحياة بل وتفتقد للتأهيل الذي يجعلها قادرة على الدخول في معترك الواقع، وأما النسبة الفاعلة منهن فقليلة جدا، والخطأ الذي تقع فيه النسوية بطريقتها الفوقية بالنضال، هو أنها تغفل الشروط المجتمعية والواقعية للمرأة، وما إذا كان دعواتها التحررية المثالية قابلة للتحقق أم لا.

ثمة نقطة أخرى، هو أن دعوات التنوير النسوية تغفل مركزية الرجل الشديدة في مجتمعنا، وأنه يتمتع بسلطة تاريخية ومجتمعية ودينية متوارثة ومتجذرة، ومن الصعب حدوث انقلاب مفاجئ وقسري في مراكز الجنسين، وعليه فأفضل طريقة لتحقق المرأة هدفها في انتزاع موقعها في الحياة، ليس تغذية الصدام القسري بين الجنسين، بل الاشتغال لتأسيس تحالفات مشتركة، تتمكن  فيها المرأة من اكتساب كتلة من الرجال المؤمنين بحقوق المرأة والمشتغلين لصالحها. بهكذا خطوة حكيمة تتمكن المرأة من تعديل الكفة لصالحها بالتدريج وصولا لموقع أفضل يجعلها حاضرة بمستوى يوازي الرجل أو يكاد يقترب منه.

باختصار: مشكلة النهج النسوي المثالي هو أنه يتوهم قدرته على حماية المرأة وانتزاع موقع متقدم لها بالحياة، انطلاقا من قناعات حقوقية / نظرية حتى لو كانت صحيحة، فهي ضعيفة الأثر وتفتقد لمؤسسات فاعلة ومنتشرة وقادرة على تقديم حماية واقعية للمرأة وتمهيد الطريق أمامها للوصول. ما لا تتنبه له هذه الفئة من المناضلات الحقوقيات، هو أن الحقوق ليست مدونة نظرية تلوكها الأفواه وتكون جاهزة للتحقق لمجرد صحتها، فالمساعي لتجسيد الحقوق هي مساعي عملية شاقة يتوجب أن تخوض فيها المرأة غمار الواقع بكل تعقيداته وتنسج علاقات متشابكة بين الجنسين وبما يؤسس لمراكز قوة مجتمعية ومؤثرة وقادرة على تعديل الموازين وتثبيت المرأة كقوة فاعلة ومعترف بها وليس أقلية تلعب دور الضحية وتنوح منددة بالانتهاكات ضدها، بدلا من مغادرة هذا المربع عبر تغيير خطة النضال بكاملها.

ما سبق هو النهج المتوازن للنسوية في صورتها الأساسية والفاعلة، حتى على المستوى العالمي، لكن هذا النهج تعرض لتخريب أو لنقل انحرف عن مساره الطبيعي، وأنتج أصوات يمكننا القول عنها: النسوية المتطرفة: وهذه هي النسخة المؤنثة من العقلية الذكورية المستبدة، إنها حالة عدوانية تدافع عن المرأة بطريقة تعسفية وصادمة.

هذه الحالة المتطرفة تبدو كما لو أنها التجسيد الأبرز للضحية وقد استعار نفس أدوات الجلاد، سيكلوجية القهر تعاود الانبعاث في المقهور بذات الإحساس المتضخم والراغب بتطويع الجنس الأخر وتبخيس قيمته والثأر منه.

من زاوية أخرى وايضاح لما سبق يمكننا القول أن النسوية كتيار حقوقي يدافع عن المرأة، في بدايتها كانت فكرة حقوقية رائعة ونبيلة، نساء مقموعات يدافعن عن حقوقهن ويطالبن بفضاء حر يشاركن فيه بصناعة مصير العالم مثل شريكهن من الجنس الأخر؛ لكن المشكلة أن كل شيء يبدأ جميلا في هذا العالم، يتعرض للتشوّه بمرور الزمن وتلك لعنة تسري على كثير من الأفكار والأشياء.

النسوية ليست تيارًا واحدًا، هي موجات متعددة، تصل لأربع موجات - تحدثنا عنها بمقالة سابقة في موقع بلقيس - ولعل أسوأها هي الموجة الأخيرة منها، والتي تشكلت في بداية العقد الماضي، وفي طابعها العام تحريضية وعدوانية، وبسبب خطابات هذه الموجة وشعاراتها تخلخلت الحياة المجتمعية، وصارت العلاقة بين الجنسين صدامية أكثر، وارتفعت نسبة النساء ذوات المنطق العنيف تجاه الرجل بمبرر وبدون مبرر.

إنها ليست مظلة حقوقية للدفاع عن المرأة، بل نشاط تعسفي لتخريب العلاقة بين الجنسين، محاولة لهدم الحياة وإعادة صياغة تأريخ جديد لجنس المرأة بالدهس على كل الاعتبارات الإنسانية المشتركة بينها وبين الرجل، بحسب تشخيص المسيري.

وبخصوص موجة النسوية المتطرفة والتي تشوِّه النصال الحقوقي، فهي حتى وإن كانت ما  تزال محدودة التواجد؛ لكن خطابها المتطرف مؤثر بسبب طبيعته المغالية والمشتغل على مشاعر مظلومية المرأة، لكنه يحرضها بشكل عدواني لا يخدمها واقعيا وبطريقة عقلانية بل يدفعها لفوران عاطفي يزيد واقعها توترا بدلا من مساعدتها لتخفيفة.

وعليه لا حل لكبح جماح هذه الموجة؛ سوى بالعودة لنموذج النسوية الحقوقية المعتدلة، كما أسلفت في الإشارة إليها وكيف يتوجب أن تشتغل بحكمة وتراعي خصوصية المجتمع، وبما يضمن  وصولها للهدف الأساسي متمثلا في تحرير المرأة من وضعها المكبل ودفعها للفاعلية وانتزاع موقعها المناسب في المجتمع وتحقيق ذاتها بشكل عام، كشريك فاعل للرجل وليس كخصم أو عدو له كما يحاول البعض تصوير الأمر وتغذيته.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.