مقالات

حين تغدو الصغوط مبررا للاستلاب..! (لعبة الشرعية والتحالف المتكررة)

30/01/2022, 06:02:38
المصدر : خاص

كلّما أصدر الرئيس قراراً مثيراً للسخط الشعبي ويقع على الضد من المصلحة العليا للبلاد -كقرار إزاحة محافظ شبوة في الفترة الأخيرة مثلًا- سرعان ما يتحدّث الجميع عن الضغوط التي يتعرّض لها الرئيس، وكأنّ الصغوط مبرر كافٍ لخذلان البلاد، وتدمير فكرة الشرعية نفسها؛ لكن وقفة بسيطة مع هذه الفكرة تكشف زيفها وتؤكد أن جوهر المشكلة لا يكمن ابتداءً في وجود ضغوط، بل في فقدان الشرعية لأي قدرة على مدافعة هذه الضغوط. 

في البداية، من الطبيعي في كل تاريخ رؤساء العالم أن كثيراً منهم تعرّضوا لضغوط من هذه الجهة أو تلك، عند قضية أو أخرى، تتداخل فيها مصالح بلاد هذا المسؤول مع مصالح دول أخرى، ترى أن إجراء ما قد يهدد مصالحها وتستخدم نفوذها ونقاط ضعف الآخر؛ لتمرير مصلحتها، هذا طبيعي ومعروف بل ومن المتفهم أن يضطر المسؤول أحياناً لتقديم تنازلات والتماشي مع مطالب هذه الجهة الخارجية أو تلك، ويطمئن مخاوفها وتحديداً لو كان للجهة الداخلية مصلحة في علاقتها بذلك الطرف الذي يمارس عليها ضغوطه. 

لكن ما هو غريب وصادم بالنسبة للحالة اليمنية، أن الضغوط ليست حالة استثنائية تتداخل فيها مصالح البلاد مع ما يراه الخارج تهديدا لمصالحه، بل صارت بمثابة نهج شامل، وكأننا صرنا في حالة استلاب مطلق، يكمن القرار الأخير فيه وبكل قرار مصيري في أيدي الغرباء، بهذه الحالة لم تعد فكرة الضغوط، قادرة على تفسير الحالة التي تعيشها الشرعية اليمنية، فالأمر تجاوز الضغوط، وصار أشبه بحالة ذوبان كلي للشرعية وفقدان كل أدوات التدافع بل وفقدان عناصر الشرعية الدستورية التي بموجبها امتلكت هذه القيادة الحق في تمثيل مصالح البلاد. 

لكن دعونا قبل التسليم بهذه الفكرة أن نناقش مدى دقة الفكرة القائلة إن الرئاسة اليمنية فاقدة للحيلة، وإنها تتصرّف وفقاً لسلوك جبري، أشبه بالجدل القديم بين الفلاسفة والمتكلّمين ما إذا كان الإنسان مسيّرا أم مخيرا في هذه الحياة، وهل هناك حرية إرادة أم أن الإنسان يتصرّف وفقاً لسلسلة من الإجراءات الحتمية، التي لا يملك بموجبها أي إمكانية لسلوك مختلف. 

قبل الحديث عن الضغوط، يجدر بنا الحديث عن السلوك المقابل الذي اتخذته الشرعية للتحايل على هذه الضغوط، ما الذي فعلته كي تكون قادرة على أن تُلجم الآخر أو حتى تجبره على أن يتوقّف عن ضغوطه، ما محاولات الشرعية لامتلاك قرارها، كي نقول إنّها اجتهدت ثم عجزت؟ أم أن دورها هو أن تخرج علينا كي تحدثنا أن هناك ضغوطاً تمارس عليها، وأنها مجبرة كل مرة على القبول بكل شيء؟

قبل الحديث عن الضغوط، يجدر بنا الحديث عن عدم أهليّة المسؤولين لهذه المواقع التي يتقلدونها، قبل التساؤل عن ماهيّة الضغوط، هناك سؤال أسبق وهو: كيف وصلت النّخبة السياسية إلى هذا المستوى من الاستلاب؟ كيف سمحت لحلفائها أن يجردوها من فاعليتها ويصادرون صلاحيتها بهذا الشكل الفاضح؟ ألا يكشف هذا خللاً ذاتيّاً قبل أن نحيل الأمر إلى ضغط خارجيّ تسبب في عطالتهم.. ألا يعكس الأمر فقدان ساستنا لأي رؤية يفرضونها على حلفائهم منذ البداية، وبما يضمن لهم حلفاً منضبطا في سلوكياته، ومتحالفا موفور الكرامة وكامل الصلاحية؟

في هذه الحالة لا يتبقّ شيء من مفهوم السياسة، فالسياسة ليست طريقاً معبداً يسلكها المرء دون أي قيود ومعيقات، بل جوهر السياسة هو التحايل على كل الظروف القاهرة، وخلق مسالك بديلة، ووضع احتمالات عديدة، كي يتمكّن السياسي من ممارسة صلاحيته الكاملة، وفرضها بل وانتزاعها  بتدابيره. 

أمّا في حالة الشرعية اليمنية، فإن مسؤوليتها اقتصرت على أن تخرج علينا وتحدثنا عن الضغوط التي تمارس عليها. لكنّها نسيت أو تناست أن تجيبنا: ما الذي فعلته هي من جهة مقابلة؛ كي تكتسب عوامل قوة تجعلها قادرة على أن تحيّد كل تلك الضغوط التي تتعلل بها؟

نحن أمام أكبر عملية تزييف لحقيقة النُّخبة السياسية الفاشلة في البلاد، مجموعة من المسؤولين المصابين بعطالة ذاتية فاضحة، وليس فيهم أدنى مواصفات رجال الدولة في اللحظات الاستثنائية من تاريخ الشعوب. 

بل إن كل واحد منهم يستشعر عجزه جيدا، وبدلا من أن يعترف بهذا العجز أو يسعى للتخلّص منه، إذا به يجنّد مجموعة من الدراويش الجاهزين لترقيع وجوه الساسة، وعند كل فضيحة نصادف أفواهاً تعيد اجترار التبرير ذاته دون أن تحترم ذاتها أو تستشعر سذاجة هذا المنطق التبربري الميّت. 

توقّفوا عن ترديد التفاهات التضليلة، وقد فقدت قدرتها على إقناع الناس، وتحمّلوا مسؤولياتكم بشجاعة القادة الذين يحترمون أنفسهم، كاشفوا الناس بما يجري، حدِّثوهم عن كل ما يحدث لكم في الغرف المغلقة، أو قدّموا اسقالتكم أمام العالم بشرف، وسوف يتدبّر الناس في الداخل طُرقهم في الخلاص من هذا المأزق. 

مهما بلغ الوضع درجة من الانسداد التاريخي، ثمة دائما طُرق للمناورة وصناعة شيء يفتح دروباً جديدة للخلاص، بدلا من الاستمرار في هذه المتاهة المفتوحة، تلعبون دوراً يرقى لدرجة الخيانة الوطنية، يتمثل في بقائكم صامتين أمام كل ما يحدث في بلادكم من عبث متواصل، وتجريف لكل مكتسبات هذا الشعب وثرواته، ومعه ضياع كامل لمصير الدولة الواحدة والممكنة. 

الخلاصة: لا تكمن مشكلة الشرعية في أنّها تتعرّض لضغوط قاهرة لا تملك إمكانية للتحلل منها، بل في أنّها قيادة عاجزة عن الدفاع عن صلاحيتها، بل وتفتقد لصفات القيادة التاريخية المؤهلة لإدارة مصير بلاد في لحظة حرجة كهذه التي تمر بها البلاد. المشكلة المبدئية لا تكمن في جيران يفتقدون للنزاهة في تعاملهم مع حكومة لاجئة، بل قبل هذا لدينا مشكلة ذاتية وجوهرية هي أننا نفتقد لأبطال تاريخيين قادرين أن يذودوا عن مصير البلاد، ويحرسوا مستقبل الأجيال بذكاء وبتخطيط وتدبير ومراكمة للقوة، وتنويع للطرق السياسية والإدارية التي تصبّ في صالح حماية فكرة الشرعية، وتحويلها من شرعية لفظية إلى ممارسة تجبر الجميع على احترامها، وتنهي الضغوط وتجسّد الإرادة الشعبية كاملة دونما شكوى ولا نواح ولا لطم الخدود.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.