مقالات

رجال الحركة الوطنية وهاجس التعليم (1-3)

08/06/2021, 16:31:55
بقلم : محمد صلاح

لا توجد في اليمن، قبل ثورتي سبتمبر وأكتوبر، أي ملامح لتطوّر العملية التعليمية، أو الاهتمام بها من قِبل سلطة الإمامة في الشمال، أو الاستعمار في الجنوب، فكل التغييرات الكُبرى في هذا الجانب كانت وليدة قيام الثورة اليمنية. 

ومن الأمور اللافتة في اليمن خلال الثلاثينات، والأربعينات، تآزر السلطة الإمامية في شمال الوطن، وتوافقها مع سلطات المستعمر في جنوبه، في عدم الاهتمام بالتعليم أو تشجيعه، واتخاذ سياسات مناهضة للعملية التعليمية، من خلال الإبقاء على العملية التعليمية قائمة على الكتاتيب، والمعلامات، ورفض تحديث المناهج العلمية، أو تطويرها على أُسس حديثة، كما كان قائما حينها في بعض الأقطار العربية الأخرى. 

وقد كان هدف السلطات الإمامية من التعليم، في شمال الوطن، هو تخريج موظفين لخدمة السلطة، وترسيخها، من فقهاء شريعة، أو قضاة، أو معلمين في الكتاتيب، وأئمة مساجد. ولم يكن الأمر يختلف عن ذلك في المستعمرة عدن، الواقعة تحت نير الاحتلال البريطاني، حيث "عمل الاستعمار البريطاني على تركيز التعليم في مدينة عدن بقصد تخريج جيش من الموظفين يفي بحاجيات الإدارة والشركات الاحتكارية والبيوتات التجارية والأجنبية والمحلية، أما المحميات فقد بقيت متخلفة تماما محرومة من التعليم" [علوي عبدالله طاهر.. التعليم في 'اليمن الديمقراطية' قبل الاستقلال]، وأمام تلك الحالة في جنوب البلاد حاولت الطلائع الوطنية العمل على إنشاء مدارس خاصة، على نفقة الأهالي، لتدعيم التعليم في عدن، وقد نهضت لهذا الأمر الأندية الثقافية والأدبية، بقيادة الرائدين التنويريين في المدينة: الأستاذ محمد علي لقمان، والشيخ أحمد سعيد الأصنج، وقد امتد هذا التأثير إلى شمال الوطن في منطقة 'ذُبحان'، بمحافظة تعز، حيث قام الأستاذ النعمان بإنشاء مدرسة هناك، وأدخل في المنهج بعض المواد الحديثة، كالجغرافيا، والتاريخ، والرياضيات...الخ. 

وكانت تصل الكُتب الدراسية إلى المدرسة من مدينة عدن، ويقوم بإرسالها الشيخ أحمد سعيد الأصنج رئيس نادي 'الإصلاح العربي' في عدن. لكن سرعان ما قامت السلطات الإمامية بإغلاق المدرسة، وذلك بعد عدد من المضايقات التي قام بها أمير تعز علي الوزير، الذي كان يرى في المدرسة خطراً يتهدد سلطة الإمامة، وبقاءها، وتحت "حُجة أن هذه المدرسة تعلم أفكاراً عصرية، وتخرّج الناس من عقائدهم، وتعلمهم العلوم الجديدة، وأنها ضد الإمام" [مذكرات أحمد محمد نعمان]، الأمر الذي دفع الأستاذ النعمان عام 1937 إلى مغادرة اليمن إلى مصر. 

والملامح الخافتة التي تومض في فترة الثلاثينات من القرن العشرين، حول انطلاق البعثات التعليمية من اليمن إلى بعض الدول العربية، لم تأتِ بفعل توجّهات السلطات الحاكمة آنذاك، بل جاءت نتيجة المبادرات الذاتية التي قام بها بعض الأفراد داخل البلد، سواء من الشمال أو الجنوب.

فقصة البعثتين التعليميتين اللتين تم إرسالهما من اليمن إلى العراق، لم تكنْ سلطات الإمام من سعت فيها، بل كان يقف خلفها التاجر الحضرمي حسين الحبشي، الذي عاد من مهجره في 'جاوة'، واستقر في مدينة الحديدة، وهناك لم يجد أين يُدرس أبناءه وأبناء شقيقه، فطلب من الشهيد محمد شائع سري أن يُرسل برسالة إلى نائب رئيس مجلس الأعيان العراقي (داوود الوتري)، "مُرفقة بطلب من السيد الحبشي أن يساعده لدى الحكومة العراقية في الحصول على مِنحة دراسية في بغداد لأربعة من أبنائه وأبناء شقيقه"  [د. عبدالعزيز المقالح "أحمد الحورش الشهيد المربي".. ص 18]، وقد جاءت الموافقة على الرسالة الآنفة بالحصول على عشرة مقاعد، وخشية من رفض الإمام يحيى بإرسال المبتعثين، استطاع الحبشي بذكائه "أن يُوهم الإمام يحيى بأن عدم الموافقة سيعكّر صفو العلاقات بين اليمن والعراق" [المصدر نفسه]، وقد تم ابتعاث عدد من الطلاب اليمنيين على دُفعتين، بين عامي 1936 - 1937م، إلى بغداد، وكان من ضمن البعثة الأولى المشير السلال، وأحمد المروني، وحسن العمري، ومحيي الدّين العنسي، وآخرون. وفي العام التالي، ضمّت البعثة الثانية الأستاذ الشهيد أحمد الحورش، واللواء حمود الجائفي، وزيد عنان، وآخرين، من بينهم أبناء الحبشي. 

بعد ذلك بعامين، سعى قادة الأندية الثقافية والأدبية في عدن، الخاضعة للاستعمار البريطاني حينها، إلى مُراسلة عدد من الزّعماء والقيادات العربية، ومناشدتهم قبول الطلاب اليمنيين في الجامعات لدى دولهم، فراسلوا الملك فاروق في مصر، والملك غازي في العراق، والزعيم السوداني المهدي، وقد تمت الموافقة، وكان من بين المنضّمين في البعثة الدراسية إلى مصر الأستاذ النعمان والشيخ محمد سالم البيحاني وغيرهما، في عام 1939. 

كان جميع من غادروا اليمن للدراسة في الخارج، خلال الثلاثينات والأربعينات، قد لعبوا أهمّ الأدوار في تاريخنا الحديث، منذ عودتهم إلى الداخل، واستطاعوا تغيير وجه البلاد، ووجهتها، وانتشالها من كهوف القرون الوسطى، وشكّلت أدوارهم اللّبنة الأولى في عملية التغيير اللاحقة، والقاعدة التي انطلق منها الثوَّار بعد ذلك في تقويض سلطة الإمامة، وزوالها، وفي رحيل المستعمر وخروجه من اليمن.

وقد سعى أغلب المبتعَثين، بعد رجوعهم إلى الوطن، إلى القيام بمحاولة النهوض بالبلد، والعمل على تطويره، ورقيّه، غير أن محاولاتهم كانت تقابل بالصّد، والرفض، بل واستخدام العنف، والزج بهم في السجون والمعتقلات، كما حصل مع أعضاء البعثة العلمية إلى العراق، بعد عودتهم إلى صنعاء، وانضواء بعضهم في سلك التدريس، ومزاولة التعليم على أسس حديثة، وتوجّه البعض الآخر نحو الجيش، ولما لم تجد محاولاتهم نفعا لدى السلطات الإمامية، انخرطوا في تشكيل نواة المعارضة لحكم الإمام يحيى بالتعاون مع المستنيرين في بقية أرجاء اليمن.

المصدر : خاص

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.