مقالات

رجال الحركة الوطنية وهاجس التعليم 2-3

15/06/2021, 06:42:03
بقلم : محمد صلاح

لا يوجد للسلطة الإمامية في شمال اليمن، والاستعمار في جنوبه، خلال النصف الأول من القرن العشرين، ابان تسلطهما على حكم الوطن، أي انجاز، أو اسهام يمكنهما من الافتخار به في الجانب التعليمي، فكلاهما ظل متوجساً من رقيه وتطويره باعتباره خطراً يهدد بقاءهما. 

كان الاهتمام الذي أبداه الاحتلال البريطاني لمدينة عدن، نابع من أهدافه الاستعمارية ، واستغلاله لموقعها الاستراتيجي في تحقيق مطامعه الاقتصادية، والعسكرية، ولذلك لم يبد أي اهتمام نحو العملية التعليمية. كما سعى لاستغلال التعليم  في نشر ايديولوجيته بين أوساط السكان، حيث "كان الهدف من فتح المدرسة الابتدائية في عدن أن تثبت وتنشر تأثيرها في طول وعرض أراضي الداخل، ثم تجذب أولاد الرؤساء ليقيموا اتصالات مستمرة مع البريطانيين في عدن بالإضافة إلى تخريج كتبة عرب للإدارة البريطانية" [سلطان ناجي الحالتان التعليمية والثقافية في عدن خلال تبعيتها للهند ص96، 97، مجلة الإكليل، عدد 1، السنة الثانية، 1982]. 

ولم يكن الأمر يختلف في شمال اليمن، إن لم يكن أسوأ من ذلك بكثير، حيث كان محاربة التعليم الحديث، استراتيجية ثابتة لمنظومة الإمامة، واعتمادها على التعليم التقليدي باعتباره أحد عوامل قوتها، وبقاءها، حيث استخدمته لنشر، وترسيخ أيديولوجيتها حول السلطة، والحكم، من خلال حرصها المستمر في تأكيد أحقية آل البيت في الإمامة والسلطة، وتعزيز هيمنة الإمام وقداسته.

لقد كان وضع التعليم في اليمن منذ مطلع القرن العشرين وحتى الخمسينات في غاية الانحدار، بحيث أن المدارس في مدينة عدن و"بعد مضي حوالي مئة عام على الاستعمار والتبعية للهند، سنجد أنها كانت قليلة للغاية، فالمدارس الابتدائية الحكومية في المستعمرة لم تزد عن أربع مدارس أما الابتدائية المعانة فكانت ست مدارس فقط". [سلطان ناجي المصدر السابق ص116]، أما في شمال اليمن فالحالة كانت مزرية، إذ كان عدد السجون في عهد الإمام يحيى، وابنه أحمد يفوق عدد المدارس، فقد " قامت صحيفة السلام الصادرة في كارديف في العدد (87)، السنة الثالثة، ص4، في 25 مارس 1951، بعقد مقارنة بين عدد المدراس وعدد السجون في المتوكلية اليمنية، ففي حين أن المدارس لا تضم إلا العدد القليل، وتحديدًا في صنعاء وتعز وحجة والحديدة وفي بعض المدن القليلة، فإن السجون تغطي كافة المدن والقضوات والنواحي، فهناك سجون للرجال، كما يوجد سجون للنساء، وتصل إلى ما يقرب من مئة سجن، أما المدارس فمحدودة، والتعليم غير إلزامي، ولا يدرس إلا العدد القليل من أبناء المسؤولين، وتدرس شروط الوضوء، ومديروها والمدرسون فيها من الفقهاء." [عبدالباري طاهر بدايات وروافد التعليم الحديث في اليمن مقالة على موقع خيوط]. 

في العام 1923، نشر الاستاذ محمد علي لقمان أول مؤلف له باللغة الإنجليزية "هل هذه قصاصة ورق؟"، وذلك تحت اسم مستعار، انتقد فيه حالة التعليم في عدن، وقد أوضح من خلال المقارنة التي وضعها بين مدينة عدن، وجزيرة سيشل إحدى المستعمرات البريطانية، الدور المتعمد من قبل المحتل في إهمال التعليم، وعدم الارتقاء به في الأولى، في الوقت الذي تحظى جزيرة سيشل، بوضع تعليمي أفضل، بينما عدد "سكانها 17000، وسكان عدن 56000، وتجارتها لا توازي ربع تجارة عدن، تلك الجزيرة تتمتع بكلية ومدير معارف عام إلى ذلك تأخر عدن المحزن حتى أنها لم تخرج طالباً واحداً يحمل شهادة البكالوريا "الثانوية" في 84 سنة" [د. أحمد علي الهمداني: محمد علي لقمان المحامي رائد حركة التنوير في اليمن، ص197]، ويواصل الاستاذ لقمان في رسالته الآنفة توجيه الانتقادات لبرامج التعليم الدراسية في تلك المدارس على قلتها بقوله: "فقد كانت تفقد عدة عناصر هامة كالجبر والهندسة والصحة والجغرافية الطبيعية والعلوم. وكانت اللغة العربية أضعف مواضيع الدروس على الإطلاق" [سلطان ناجي مصدر سابق ص102] 

ويظهر موقف الاستعمار العنصري، والمعادي للتعليم في اليمن، جنوبه، وشماله، أنه بعد انشائه لبعض المدارس في مستعمرة عدن، حرم سكان المحميات في الجنوب، وابناء الشمال، من دخول المدارس الحكومية في مدينة عدن، وحصرها في مواليد المستعمرة فقط، وذلك امعاناً منه في ابقاء اليمنيين رهائن الجهل، والفقر، لضمانة سيطرته على جنوب الوطن.

ومثل ذلك كان موقف الإمام يحيى، والنخبة المحيطة بسلطته، وعرشه، في محاربة التعليم، كما جرى مع مدرسة ذبحان الأهلية التي أنشأها الاستاذ النعمان، أو مدرسة حيفان التي كان يديرها القاضي عبدالله عبدالإله الأغبري، وكما قام الحسن نجل الإمام يحيى، وأمير لواء إب بإغلاق مكتباً في قرية دار سعيد في عزلة الزعلاء، حيث وجد أن الأهالي، وعامل النادرة فيها يحيى الهجوة (الكبسي)، حاولوا أن يظهروا المدرسة الموجودة في المنطقة بصورة حضارية، وذلك عند استقباله اثناء زيارتها، وكان القاضي عبدالرحمن الإرياني حاكم النادرة آنذاك قد نظم أبياتًا شعرية يُنشد بها طلاب هذا المكتب للترحيب بابن الإمام، لكن ما وجده الأخير هناك، اصابه بالغم، وبدلاً من التشجيع والدعم لما رآه، قابل ذلك بأمر إغلاق المكتب.

وقد استدعى الأمير الحسن القاضي الارياني بعد ذلك، فلما دخل عليه قال له: "ابسروا يا قاضي عبدالرحمن على جوادة في الصنو يحيى الهجوة، يشتي ينشر العلم بين القبائل، ولم يعرف خطورة هذا عليكم إذا تعلموا وأخرج كل واحد قلمه من قفا عسيبه، والله ليْخلّي مربض كل واحد منكم شبر" [القاضي إسماعيل الأكوع هجر العلم ومعاقله في اليمن ص 1671 ج 3]. وقد حاول القاضي الارياني أن يهون على الحسن الأمر وأن تعليم الجاهل خير من بقاءه أمياً، لكن الأخير أصر على إغلاق المكتب، وفتح آخر، وجمع الطلاب إليه لدراسة "شروط الوضوء والصلاة على الفقه الهادوي وغرس محبة آل البيت في قلوبهم ولم تمض أشهر حتى أصيب هؤلاء الطلاب بمرض الجرب" [الأكوع مصدر سابق ص1672ج 3].

وأمام تلك التحديات التي فرضها المستعمر الأجنبي في الجنوب، والمستبد الداخلي في الشمال، انتشرت الدعوات اليمنية، للتعاون في سبيل بناء وتشييد المدارس الأهلية لتعليم أولادهم، كما قامت الأندية الثقافية في مدينة عدن، والتي انشأها العمال هناك، من الشمال والجنوب اليمني، ومن خلال الاشتراكات التي يقدمها اعضاء الأندية، والعمال في عدن، أو المهجر، في تبني وإرسال الطلاب للدراسة في الخارج، فذهبت البعثات التعليمية للدراسة، وكان لها عند عودتها دورا مصيرياً، وريادياً، في مواجهة الأوضاع داخل البلاد، وصناعة التغيير، وبناء مؤسسات الدولة عقب قيام ثورتي سبتمبر وأكتوبر. 

 

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.