مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

14/08/2022, 15:51:52

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن. 

قد لا يكون العليمي _حتى اللحظة_فشل فشلًا كاملًا في إدارة المرحلة، حتى الغاضبين منه لم يفقدوا أملهم به كليًّا؛ لكنه أيضًا أثبت لنا بوضوح كامل أنه أقل كفاءة مما تحتاجه البلاد بهذه اللحظة. ليس فاشلا بالمطلق؛ لكنه ليس بطلًا تاريخيًا ولا بأي مستوى من المستويات. 

في بداية استلام أي شخص للسلطة، يكون بمقدوره أن يعيد تصميم الواقع كما تقتضي رؤيته، مهما كان تعقيد هذا الواقع، يظل لصاحب الكلمة العليا إمكانية هائلة لتعديل مسار الأمور وبشكل كبير. ليس في التاريخ أي حتميات، وكل مسار يبرز هو احتمال ممكن وكامن ضمن خيارات واحتمالات كثيرة، ممكنة الظهور. 

في حالة واقعنا، لم يكن تغول الإنتقالي خيارا حتميًّا لا سبيل لمدافعته، غير أن القائم على رأس السلطة"رشاد العليمي"لم يتمكن من تعطيل هذا الخيار التشطيري لصالح خيار المسار الوطني العام. أراد الرجل مداراة الإنتقالي وبما أوحى للأخير أن يذهب بعيدا لفرض خياره والتسيّد فوق الجميع. 

إذا ما استبعدنا عنصر القوة العسكرية، فالإنتقالي ليس أقوى من رشاد العليمي، بصرف النظر عما يملكه الرجل من دعم، هو بالتعريف الشامل للقوة، لا يملك القدرة الكلية على فرض خياره والعبور فوق الجميع؛ لكن ضعف وتراخي الرئيس عن تشكيل جدار معنوي عائق أمام طيش الإنتقالي هو ما أتاح له الذهاب بعيدا لارباك المسار الوطني العام.

ما أعنية بالجدار العائق أمام خيارات الإنتقالي المقوِّضة للمسار، هو تحركات الرئيس، استخدامه لسلطته ورمزيته في مراكمة موانع داخلية وخارجية وتعزيز محاذير متعددة، تكبح أي تفكير لدى الإنتقالي يهدف للاستيلاء الكلي على الجنوب. فرمزية الرئيس باعتباره رأس السلطة وحامل مشروعيتها الأبرز وممثل السيادة الأكبر، ليست مجرد أمور نظرية، بل هي موقع يتضمن قوة حقيقية قادرة على التحكم بالواقع وتشكيله كيفما اقتضت رؤية الرئيس، والأمر مرهون بحنكته وقدرته على استثمار الموقع الأعلى داخل السلطة لفرض خياره الجامع على كل الفصائل المحيطة به. 

لكن ما حدث مؤخرا في شبوة، كشف لنا هشاشة ممارسة الرئاسة والرئيس تحديدا لدوره المركزي الضابط لسلوك الفصائل المكونة لسلطته. هم ليسوا أقوى منه؛ لكنه أقل جدارة وذكاء في كيفية السيطرة عليهم. كانت هذه المرحلة امتحان له، لكنه تجلى بكفاءة محدودة لا تتناسب مع واقع أكثر تعقيدا من قدراته الشخصية وكيفية لعب دور تاريخي يؤمن مصير البلاد. 

الخلاصة: تتجلي صفات القائد التاريخي في بداية مشواره، إنها الفترة الحاسمة لتحديد باقي المسار كاملا، ومتى فشل الشخص في رسم ملامح المستقبل خلال الشهور الأولى لممارسة مهامه، تتضآل فرصه وامكاناته في تجسيد ذلك في باقي الفترة الزمنية من مشواره. كان العليمي طوال الشهور الماضية يتحرك ببطء وبما لا يمنحنا امكانية لتكوين رأي واضح عما يمكن أن تؤول إليه سلطته. إلا أن أحداث شبوة، كانت بمثابة أهم حدث مركزي تسبب في ثقب كبير في صورة السلطة، وشكّل قناعة كبرى، تتنبأ بفشل المسار كاملًا. ويحتاج العليمي الآن لقوة مضاعفة؛ كي يعيد تطبيع الوضع والامساك بزمام الواقع مجددًا، وهذا أمر مستبعد. فما لم يتمكن من منع حدوثه هو أقل إمكانية لتجاوز آثاره. إلا إذا كان في الأمر معجزة ؛ غير أن علم الإدارة والسياسة لا يمنحنا مساحة لاحتمالات كهذه، فكل حدث يطعن مسار السلطة ويربكها، تتناسل عنه أحداث تزيد الخرق اتساعًا. 

هكذا تفشل القيادات المحدودة في احكام قبضتها على السلطة، ولهذا علينا التفكير بخيارات جديدة. وليس حلمًا طوباويًا، إذا قلنا: نحن بحاجة لبطل، والعليمي ليس فيه من ملامح البطولة شيء. موظف حيوي، أعلى موقع له، وزير في حكومة مستقرة، يحتاج دومًا لعقل أعلى يرشده، ويظل ذلك الموقع الأعلى شاغرا حتى يولد من يملأه ويدفع بالبلاد نحو مصيرها المنتظر. 

مقالات

للتاريخ .. في ذكرى 26 سبتمبر. تحيةٌ واجبةٌ لتضحيات مصر في اليمن

صغيراً كنتُ ، عندما ذهبت إلى مستشفى في مدينة (ذمار) حيث كان والدي يعمل حينذاك .. هذا المشفى كان الوحيد في ذلك الوقت الذي يخدم إلى جانب السكان ، الجرحى والمصابين القادمين من جبهات القتال القريبة في (رداع) وغيرها ، خلال الحرب الجمهورية -الملكية في ستينيات القرن الماضي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.