مقالات

شذرات من السيرة المبكرة للمثقف المختلف

23/12/2021, 13:50:30
المصدر : خاص

تمرُّ على اليمنيين، اليوم الخميس، الذكرى الرابعة والعشرون لوفاة الشخصية الوطنية البارزة عمر عبدالله السقاف (عمر الجاوي)  (23 ديسمبر1997م)، وهي مناسبة لإعادة التذكير ببعض من سيرته الثقافية والسياسية المبكرة، التي عركها تاريخ اليمن المعاصر بشماله وجنوبه، فصار لاحقاً أحد الرموز الكبار على تربته الواحدة، والشاهد الأمين على تحولاته السياسية والثقافية لقرابة نصف قرن.

فبين مولده في قرية الوهط التابعة للسلطنة العبدلية في لحج في العام 1938، وبين سفره ضمن بعثة طلابية للاتحاد اليمني في العام  1954 إلى القاهرة - ضمت خمسة طلاب من قرية واحدة سيكون لأكثرهم شأن في تاريخ اليمن المعاصر في الشمال والجنوب وهم: أبوبكر السقاف، ومحمد جعفر زين السقاف، وعمر الجاوي، محمد عمر اسكندر السقاف، وعلي عيدروس السقاف" - تقتضي المقاربة  الإشارة إلى التأثيرات المبكرة، الثقافية والسياسية، في وعي الطفل الذي بالكاد كان يقف على عتبة العاشرة من عمره وهو يتلقى تعليماً نظامياً حديثاً في عاصمة السلطنة العبدلية (مدينة الحوطة)، وتحديداً في المدرسة "المحسنية العبدلية"، التي أسسها  الأمير محسن بن فضل شقيق السلطان عبد الكريم فضل، واستقدم لها المناهج والمعلمين من مصر والسودان والعراق، وتخرَّج منها روّاد العمل السياسي والثقافي في السلطنة والجنوب واليمن عموماً.


بعد ثورة يوليو المصرية في العام 1952، نشطت -بشكل لافت- بعثات الطلاب اليمنيين من الشمال والجنوب إلى المدارس والجامعات والمعاهد المصرية، فكان للسلطنة العبدلية بعثتها التعليمية، ومثلها نادي شباب لحج، وحزب الرابطة، والأندية القروية والمناطقية في عدن، والأهم الاتحاد اليمني، الذي تحصل على عديد من المنح إلى مصر في العام 1953 إبان رئاسة الشيخ عبدالله علي الحكيمي له، وكانت أول منحة تضم أسماء رائدة منها: سعيد الشيباني، وفتح الأسودي، وأحمد الشجني، وعبدالوهاب عبد الباري، وعلي الدعيس، ومحمد عبد الملك أسعد، وفي العام الموالي كانت بعثته الثانية التي استوعبت "السقاقفة" الخمسة إلى جانب محمد عبد الولي وعبدالله حسن العالم، وانضم إليها في العام ذاته محمد علي الشهاري، وسلطان أحمد عمر.


في قراءته للتكوين الباكر لمحمد عبدالولي في فترة القاهرة، وهو ما يمكن أن يُسقط على كل زملائه القريبين ومنهم عمر الجاوي وأبوبكر السقاف، يقول الدكتور علي محمد زيد في كتابه "الثقافة الجمهورية":     
[في سنة 1954، حصل على منحة للدراسة في مصر ومعه مجموعة من الطلبة الذين سيكونون فيما بعد من العاملين للتحرر من ظلام القرون الذي يهيمن على اليمن، ونجوما في المجال الثقافي، مثل عمر الجاوي وأبو بكر السقاف وخالد فضل منصور وأبو بكر باذيب. ومن الملاحظ أن المنحة الدراسية التي حصلوا عليها كانت إلى الأزهر، وأنهم أقاموا في مدينة البعوث الإسلامية في القاهرة.


وحين وصلوا إلى مصر للدراسة كانت القاهرة في حالة غليان سياسي وثقافي. فهي السنة التي تحقق فيها جلاء القوات البريطانية من مصر، وزوال آخر مظهر من مظاهر الاستعمار البريطاني لمصر. وهي أيضا السنة التي حُسِم فيها الصراع بين قيادة الضباط الأحرار، الذين قاموا بثورة 23 يوليو 1952 وأنهوا الملكية وأقاموا الجمهورية على أنقاضها، لصالح صعود نجم جمال عبدالناصر بدعوته إلى القومية العربية، وتوِّج هذا الصعود لمكانة مصر ولزعامة جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس سنة 1956، واستعادة مصر السيادة عليها، ونجاح الدبلوماسية المصرية في التصدّي للعدوان الثلاثي البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي على بور سعيد وانسحاب القوات المعتدية. وكان للاتحاد السوفيتي السابق ولحركة عدم الانحياز دور مهم في دعم صمود مصر وتصديها للعدوان.


وكان المتوقع أن يقع الطالب وزملاؤه إما تحت تأثير التيار الإسلامي بفعل دراستهم في الأزهر، أو تحت تأثير الحركة الناصرية التي كانت في أوجّ صعودها، حتى حققت أكبر إنجازاتها بتوحيد مصر وسوريا وقيام "الجمهورية العربية المتحدة" سنة 1958، محققة حلم أجيال من القوميين العرب بوحدة أبناء الأمة العربية في دولة واحدة وتحت علم واحد، لكنهم فاجأوا  الجميع بانتمائهم لليسار، واقترابهم من الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني في مصر المعروفة اختصاراً  بـ"حدتو"، وهي حركة يسارية سرية شارك ضباط منتمون إليها في تنظيم الضباط الأحرار الذي فجر الثورة في مصر، ومن أشهرهم خالد محيي الدين، ويوسف صديق.

وفي هذه الفترة، برز مجموعة من زملائهم في الدراسة في القاهرة وفي حركة اليسار، مثل محمد أنعم غالب، وعبده عثمان، وإبراهيم صادق، وهي المجموعة التي تولت قيادة "مؤتمر الطلبة اليمنيين الدائم في مصر"، وأصدرت بيانا ما يزال يُعد وثيقة تاريخية تجاوزت غموض حركة الأحرار المعارضة، وظل هذا البيان وثيقة تاريخية مهمة تمسكت به المجموعة اليسارية التي كتبته وأصدرته وناضلت في سبيل تحقيقه، وكان عمر الجاوي أكثر من اعتبره رسالة حياته كلها حتى غادر الحياة دون أن يتخلّى عن قناعاته الوحدوية على الرغم من التراجعات والانهيارات السياسية التي شهدتها البلاد].

أمام هذه الجزئية، توقّف أيضاً الدكتور أحمد القصير في كتابه "إصلاحيون وماركسيون- روّاد تنوير اليمن"، حين قال:
"أسهمت الحركة الطلابية اليمنية في مصر بدور اتسم بالريادة فيما يتعلق بقضية الوحدة اليمنية، فقد طرحت تلك الحركة مفهوم الوطن الواحد ووحدة التراب اليمني؛ وكانت أول حركة سياسية يمنية تضم جميع أبناء اليمن الطبيعي. كانت التنظيمات السياسية اليمنية تعمل، في ذلك الوقت، في إطار واقع يقوم على تجزئة البلاد وتقطيعها ما بين الاستعمار والإمارات في الجنوب والإمامة في الشمال، غير أن الحركة الطلابية اليمنية تجاوزت، منذ إنشائها هذا الواقع على مستوى كلٍّمن الفكر والممارسة... كما أسهمت أعداد ليست قليلة - من المنتمين إليها- بفعالية  في النشاط العام الذي كان يجري في مصر، وفي تلك التطورات ذاتها؛ وكان ذلك من خلال انضمامهم إلى منظمة 'الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني' المصرية المعروفة باسم 'حدتو'؛ وهو ما أكسبهم معرفة ونضجاً وأغنى تجربتهم. وكان قادة الحركة الطلابية اليمنية في مصر يحرصون دوماً على أن يسخِّروا وعيهم وخبرتهم لخدمة قضية مستقبل اليمن ووحدته".  


لم يصل قادة العمل الطلابي إلى العام 1959 إلا وكان ناشطوهم من صفوف اليسار على رأس المطلوبين في قوائم المخابرات المصرية، التي قامت بملاحقتهم، وطردهم من مصر، وكان أبرز المطرودين:  عمر الجاوي، ومحمد  عبد الله باسلامة، ومحمد جعفر زين السقاف، فلم يجد بعض زملائهم من وسيلة للاحتجاج غير التضامن مع المطرودين بالعودة إلى الداخل اليمني. ومن المتضامنين العائدين: أبوبكر السقاف، ومحمد أحمد عبد الولي، وعلي حميد شرف، وحمود طالب، وأحمد الخربي، وعبد الله صالح عبده، وعمر غزال، ونجيب عبد الملك أسعد، وعبد الرحمن البصري، وعلوي جعفر زين، وخالد فضل منصور، وآخرون.


عودة الجاوي ورفقيه المطرودين، ولاحقاً بقية المتضامنين إلى تعز، شكّلت محطة جديدة في تجربة التكوين عند الجاوي، إذ ستتصادف مع إقامة المفكر اليساري عبدالله عبد الرزاق باذيب فيها أثناء إصداره صحيفة "الطليعة"، بعد طرد السلطات الاستعمارية له من عدن، فاستغل الجاوي هذه الفرصة لنشر العديد من المقالات والمواد الصحافية في الصحيفة ذات التوجّه اليساري المناهض للاحتلال البريطاني للجنوب اليمني.   

لمدة عام، بقي الجاوي وصحبه في تعز يتابعون منحا دراسية، حيث عمل ولي العهد "محمد البدر"، وبعد مراسلات و تظلّمات، وبعد موافقة والده المريض في إيطاليا، على إعادة ابتعاثهم للدراسة الجامعية في عدد من دول المعسكر الاشتراكي، مثل: روسيا وألمانيا، ومن الذين اُبتعثوا: محمد جعفر زين (إلى المانيا الشرقية) لدراسة القانون، وأبوبكر السقاف وعمر الجاوي ومحمد عبد الولي  وعبد الله حسن  العالم  (إلى موسكو)، فتخصص الأول بالفلسفة، والثاني بالصحافة، والثالث هرب من الهندسة إلى الآداب، أما الرابع (العالِم) فدرس العلوم السياسية والاقتصاد في جامعة "موسكو".


تخرّج الجاوي من كلية الصحافة في جامعة موسكو صيف العام  1966، حاملاً درجة الماجيستر عن رسالته الموسومة "الصحافة النقابية في عدن"، لكن قبل ذلك كان قد عاد إلى تعز في العام 1963، حيث عمل مدرّساً ومترجماً في المركز الحربي.. وعن هذه المحطة يقول سلطان أحمد زيد في كتابه  "محطات من تاريخ حركة اليسار في اليمن":
  [أتذكر حينها وصل إلى تعز من كانوا يوصفون "بالحُمر" أصحاب الهامات المرتفعة ذات الوزن والثقل الثقافي والفكري - كما كنا نطلق عليهم - وهم: الجاوي عُمر، والسقاف أبوبكر، وعبد الله حسن العالم، وحسين السقاف، من موسكو تاركين دراستهم وملتحقين بمسار موكب الثورة، ومدها بكوادر من الشباب مثلهم مثل شباب البعث (يحيى الشامي، وسيف أحمد حيدر)، الذين وصلوا من القاهرة.

فقد كان الجاوي ورفاقه يقومون بمهمّة الترجمة للخبراء السوفييت].
فترة التكوين الباكرة لعمر الجاوي ارتبطت بدرجة رئيسة بالتعليم الحديث، الذي تحصل عليه أولاً في المدرسة المحسنية في حوطة  لحج، بمدرسيها العرب المستنيرين حين كان طالباً بها مطلع الخمسينات، وتالياً بالتعليم العصري الذي نعَمَ به في المدارس والكليات المصرية في ذروة المد الناصري، الذي كان يمثل القيمة المتعاظمة لتأسيسات الخطاب العام الذي تشرّبه مع صعود حركة التحرر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية، وثالثاً بدراسته للصحافة في جامعة موسكو في ذرة الاستقطاب الأيديولوجي، لهذا كان من الطبيعي جداً أن يصير الهمُّ الوطني على رأس شواغل الطالب المتمرّد، الذي لم يكلَّ أو يملَّ طيلة حياته من مقارعة الاستبداد والقِوى الرجعية المعيقة لبناء الدولة وتطور المجتمع.

أولى المحطات المهمة في سيرة عمر الجاوي الوطنية في الداخل اليمني ستكون بتأسيسه، وهو ومجموعة من الطلاب الشبان والنقابيين والحزبيين، لجان المقاومة الشعبية للدفاع عن صنعاء أثناء فترة حصارها من قِبل القوات الملكية في شتاء العام 1967م، بعد خروج القوات المصرية من اليمن، وقد لعب أدواراً أساسية في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، بعد رفع شعار "الجمهورية أو الموت".

أما أول بروزه الثقافي سيكون من خلال ترؤوسه السكرتارية العامة ودائرة الإعلام والنشر في اللجنة التأسيسية لاتحاد الأدباء والكُتاب اليمنيين التي اُعلن عنها في عدن في أكتوبر من العام 1970م، التي كان لها الأدوار الوطنية الرائدة في ميلاد أول مؤسسة وحدوية في البلد الواحد المشطور قبل أكثر من نصف قرن.

مقالات

حينما تناقض موقفا القاضي والأستاذ بسبب السعودية!!

"إن المعالم لدينا واضحة، فأي طريق ينتهي بنا إلى إلغاء النظام الجمهوري لن نسلكه مهما كانت العقبات والأشواك في الطريق الآخر، وأي سبيل يفضي إلى عودة بيت حميد الدين هو الآخر لن نضع قدماً فيه" القاضي عبد الرحمن الإرياني - "المذكرات" الجزء الثالث ص 74.

مقالات

إشكالية الماضي والتاريخ والسلالة والأقيال

المجتمعات العربية بشكل عام والمجتمع اليمني بشكل خاص أكثر المجتمعات الإنسانية «تدثراً» بثياب الماضي التي تسربل حاضرنهم على الدوام. هذا إذا لم يكن الماضي هو روح الحاضر الذي يرسم ملامح المستقبل في بلد تعطلت فيه صيرورة التقدم والتاريخ، رغم التضحيات الجسام، في سبيل ثلاث ثورات ووحدة خاضت جميعاً معركة الخلاص التاريخي.

مقالات

العزل التدريجي لحزب الإصلاح من السلطة

يحاول الإنتقالي استثمار نتائج سيطرته العسكرية والأمنية على العاصمة عدن؛ كي يضغط باتجاه تمكينه سياسيًا وازاحة خصومة. يستخدم نفس التهمة التي كان خصوم الإصلاح بما فيهم هو، يصرخون بها ضد الحزب. مع فارق أن الإصلاح وفي مرحلة نفوذه في الرئاسة. كان يتحرك بحذر ويحاول جاهدا موازنة سياسته، ولم يتهور ليستحوذ فعليًا على كل شيء. كان يتصرف مستندا لخبرة سياسية تراكمية تدرك جيدا مالات النزوع الإقصائية. فيما نحن اليوم أمام فصيل يتصرف بخفة ويعتقد أن امتلاكه بضع آلاف من مسلحين يديرون العاصمة عدن وما حولها وأن هذا الامتياز يخوله لابتلاع كل شيء.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.