مقالات

شهر فبراير اليمني ووعوده المبددة!!

16/02/2023, 18:59:30

تحل اليوم الجمعة (17 فبراير) الذكرى الخامسة والسبعون لحركة 48 الدستورية في اليمن، التي دفع ثمن فشلها عشرات من المثقفين والسياسيين اليمنيين، فأصيبت حركة المعارضة  السياسية الطرية بضربة بالغة الأثر، إما بتصفية الكثير من رموزها بالقتل، أو بالتغييب في ظلمات سجون حجة وصنعاء وتعز، وبقية المناطق.

أرادت المعارضة اليمنية، برموزها الثقافية والتنويرية بواسطة هذه الحركة، إحداث تغيير ما في بنية الحكم، بتوسيعه على أكبر قاعدة مشاركة في ذلك الحين، وتكبيل الإمام الجديد بدستور (مقدس)، ومجلس شورى، وحكومة بمهام عصرية، بعد أن كان الإمام يحيى وأولاده من السيوف والمحاسيب القريبين من بيت حميد الدين والأسر الهاشمية الناشطة قد استملكوا قرار البلاد ومواردها، وفرض العزلة عليها.

لعبت، في إنضاج الحدث وتنفيذه، الكثير من الظروف السياسية في تلك المرحلة، ومنها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي فتحت آفاقا جديدة أمام الشعوب المقهورة، إلى جانب نشاط بعض الاتجاهات السياسية في المنطقة، ومنها حركة الإخوان المسلمين، التي كان لها تأثير كبير في إنتاج الحدث، حينما كانت في أوج نشاطها في مصر والمحيط، وكانت ترى في اليمن منطقة ملائمة وبكرا لتفسيل مشروعها السياسي التوسعي في المنطقة، غير أن ظروفاً عديدة قادت إلى فشل الثورة، ومنها الاختراقات التي تمت للحركة، وتم بواسطتها تسريب الدستور، وأسماء أعضاء الحكومة ومجلس الشورى، فجعل الحركة مكشوفة أمام السلطة، بالإضافة إلى عدم السيطرة على تحركات ولي العهد، الذي استطاع مغادرة تعز والوصول إلى معقله في حجة، وتحشيد مئات المقاتلين منها، ومن المناطق القبلية في حاشد وبكيل، والوصول إلى مدينة صنعاء، بعد فتواه باستباحتها انتقاماً للإمام الذي قُتل ظهر ذلك اليوم من العام 1948 في منطقة حزيز جنوب صنعاء، ببندق القردعي ورفاقه.

على الرغم من فشل الحركة والأضرار البالغة، التي ترتبت عليها في جسم المعارضة السياسية، إلا أنها كانت قد رمت بحجر كبير في بركة الماء الآسن، ومهدت تالياً للحركات والثورات الصغيرة وصولاً إلى ثورة 26 سبتمبر 1962م.

(**)
قبل خمس وخمسين سنة، وتحديداً في 8 فبراير 1968، استطاعت القوى الجمهورية من كسر حصار العاصمة صنعاء، الذي فرضته القوات الملكية عليها ابتداء من أواخر شهر نوفمبر 1967م ولمدة سبعين يوماً، مستغلة انقسام الصف الجمهوري الذي توج بانقلاب الخامس من نوفمبر 1967، وخروج القوات المصرية من اليمن غداة نكسة حزيران/ يونيو من العام ذاته.

سطر المقاتلون الجمهوريون (قوات مسلحة ومقاومة شعبية) بطولة ملهمة، شهد لها القاصي والداني، بإجبار سبعين ألف مقاتل ملكي بأسلحتهم المتطورة وأموالهم الضخمة وقاداتها الميدانيين المجربين، وخبرات المرتزقة المجمَّعين من كل الأصقاع، من ترك مواقعهم في المناطق المحيطة بصنعاء، بعد أن قصفوا أحياء المدينة السكنية وأسواقها الشعبية بمئات القذائف (الدانات) من عيبان والجبل الطويل والنهدين والجرداء، ومنعوا دخول المواد الغذائية والوقود إليها، فاضطرت المقاومة الشعبية إلى القيام بالإشراف على توزيع الغذاء والوقود، ومعاقبة المتلاعبين.

بدأ كسر الحصار بفتح طريق الحديدة - صنعاء، حينما التحمت القوات الجمهورية، القادمة من جهة الحديدة بقيادة الشيخ أحمد عبدربه العواضي، بالقوات المرابطة في بني مطر، بقيادة الشيخ أحمد علي المطري، قبل أن تتجمع القوات القادمة من اتجاه "متنة" والقادمة من صنعاء في "المساجد"، وانتقالها مجتمعة إلى سفح جبال عيبان جنوب غرب صنعاء، لتحريره من بقايا القوات الملكية، ومن ثم النزول إلى قريتي حدة وسنع في الجنوب، وتطهيرهما من بقايا القوات، بعد أن اتخذهما محمد بن الحسين -نائب الإمام والقائد الأعلى للقوات الملكية- مقراً له.

لم تحافظ القوات الجمهورية على هذا الانتصار الكبير، وتبني عليه، إذ بدأت الانقسامات تدب في بنيتها من جديد، أولاً بالتجاذبات السياسية فيما بينها لتصل إلى أزمة عميقة في مارس 1968 (أزمة باخرة الأسلحة السوفيتية في الحديدة) ثم الاقتتال في أغسطس 1968، الذي مهَّد لتصفية الخط الجمهوري الجديد، وتفرُّد اليمين الجمهوري بالسلطة، ممهداً الطريق  للتسوية مع الملكيين في مارس 1970 برعاية سعودية، منتجة سلطة موزعة بين: قوى مشيخ مؤتمر الطائف (منادون بالدولة الاسلامية) والملكيين (باستثناء بيت حميد الدين) والضباط الموالين، والشخصيات السياسية والدينية القريبة من السعودية، وهي السلطة التي بقيت تحكم بصور متعددة حتى اليوم.

(**)
في 11 فبراير 2011م، نصب المحتجون أول خيمة اعتصام أمام بوابة جامعة صنعاء، مطالبين برحيل النظام، بعد أسابيع من الوقفات الاحتجاجية والمسيرات في العاصمة صنعاء وبعض المدن، كان في هذا الوقت قد بدأ تأثير الثورة التونسية يمتد إلى المحيط ووصوله إلى مصر في 25 يناير.

كان الشارع اليمني محتقناً في الشمال والجنوب بسبب السياسات التمييزية التي تنتهجها السلطة بتطييفها المشار إليه، والأزمات الاقتصادية والسياسية أخذت في التضخم، ولم تعد مسكنات النظام ووعوده قادرة على معالجتها بالوسائل السابقة، ومنها مسارات الاحتجاجات في الجنوب، التي بدأت بالمطالبة بإصلاح مسار الوحدة، وانتهت بمطالب فك الارتباط، بعد أن تعامل النظام مع المسألة بالخفة المعهودة ذاتها منه.
التجاذبات داخل بنية النظام بدأت مع الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 2006،  وصارت مع دعوة التوريث داخل عائلة صالح انقسام معلن عنه، فوجد المنشفون منهم - من قوى دينية وقبلية وعسكر موالين- في الاحتجاجات السلمية  طريقة مثلى لتقديم أنفسهم كقوى ثورية، وبإمكانيات تنظيمية ومالية محلية وإقليمية، فصاروا متحدثين باسم الثورة ثم مُلّاكا لها.
كان همهم التخلص من رأس النظام دون المساس ببنيه المغلقة عليهم.. وبعد عشرة أشهر - تخللتها عملية غير تامة لتصفية رأس النظام في يونيو 2011 في جامع النهدين- وصل النظام المنقسم إلى تسوية برعاية سعودية عُرفت بالمبادرة الخليجية، كانت المعارضة الهزيلة هي المحلل فيها، بحصولها على بعض الفتات.

تفاءل اليمنيون بمؤتمر الحوار الوطني، الذي شاركت فيه كل القوى، غير أن  مخطط الثورات المضادة وضغائن الثأر وأطماع قوى الإقليم كانت هي صاحبة القول الفصل في إدخال اليمن في مستنقع الحرب منذ خريف 2014، حينما استباحت جماعة الحوثيين العاصمة صنعاء بتواطؤ الجميع، حين شرعنوا لسلاحها بما عُرف باتفاق السلم والشراكة في 21 سبتمبر 2014، قبل أن يطرد هذا السلاح الجميع، ويغلق السلطة على الجماعة وحدها، التي باتت مسيطرة على شمال ووسط وغرب اليمن. وتفاوض بسقوف مرتفعة بقوة ما تحت أرجل مقاتليها من تراب، وما تحت أجهزتها من مقموعين.

(**)
اليمن حتى اليوم تدفع أكلاف باهظة ثمناً لهذه الانكسارات في مشاريع الثورة، التي كانت، وفي كل محطة، تحمل وعوداً  كبيرة لليمنيين، لكنها في كل مرة تتبدد هذه الوعود مع رياح الانقسام والتآمر والارتزاق.

مقالات

ماذا بقي من الوحدة اليمنية؟

على ما يبدو في الظاهر أو العلن اليوم أن الكثير من اليمنيين قد كفروا بالوحدة اليمنية من الألف إلى الياء، بعد أن كانت أمنية وأغنية لطالما تغنَّت بها أجيال وأجيال من اليمنيين، سواء كانوا مواطنين أو قادة.

مقالات

"22 مايو" بين خيار المشروع الوطني والمشاريع الصغيرة

إذا علمت بما يجب أن تعلم به بأن الوحدة اليمنية ليست من صنع الثاني والعشرين من مايو 1990، في ذكراه الرابعة والأربعين، بقدر ما هو التعبير السياسي عنها لوجود أصيل وثابت ثبات جغرافية الأرض والتاريخ والإنسان، وهي الوحدة غير القابلة للتجزئة في مزاد المراهنات السياسية الخاسرة، والمتجنّية على حق وإرادة الشعب اليمني، ونضاله وتضحياته من أجلها.

مقالات

ثقب في زجاج الذاكرة

في إصداره الشعري الخامس المعنون بـ"بيدق أسود في يد الجنرال"، الصادر عن منشورات مواعيد ـ ٢٠٢٤ ـ صنعاء -الذي احتوى بين دفتيه ما يقارب من ٣٠ قصيدة نثرية- يواصل الشاعر محمد اللوزي التحليق في سماء الشعر عبر أجنحة النثر.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.