مقالات

عزيزتي الطالبة: الأخ الأكبر يراقبك..!

11/11/2020, 08:05:46
المصدر : خاص

قبل أيام تداول الناشطون تعميماً صادراً عن إدارة "جامعة العلوم والتكنولوجيا" - فرع الطالبات في صنعاء، يظهر في الورقة مجموعة من الوصايا والتحذيرات توجهها الإدارة للطالبات، بهدف ضبط مظهرهن الخارجي، ( نوع اللباس، ومقاسات البوالط، والحرص على عدم إظهار أجزاء من شعرهن، وتجنب استخدام الروائح والعطور...)، وفي رأس التعميم جاءت عبارة: نظراً لما تقتضيه المصلحة العامة..! 

أنا لا أفهم ما هي المصلحة العامة، التي تقصدها جماعة الحوثي، من حرصها على عدم خروج خصلة شعر من حجاب امرأة؛ لكن ما أفهمه هو أن مليشيا الحوثي لم تكن يوما حريصة سوى على مصلحتها الذاتية. هي جماعة دينية، لكنها تعمل بوصية "ميكافيلي"، وهو يقول: "على الحاكم أن يبدو للناس زاهداً ومتديناً ومهذباً، حتى لو كان في حقيقته فاسداً ويرتكب كل الموبقات". 

حسناً، هذه ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها أخبار من هذا النوع، وسواء كان التعميم الأخير رسميّاً ومن دوائر عليا أو قرار من الإدارة الجديدة للجامعة بعد سيطرة الحوثي عليها وتغيير طاقمها، فطوال السنوات الخمس الماضية، وقعت أحداث كثيرة تحت العنوان نفسه: منع الاختلاط في الجامعات، إغلاق الكافيهات، إحراق بوالط النساء في الشوارع، منع ربطة الخصر، حلاقة رؤوس الشباب ممن تظهر عليهم قصات شعر شبابية.. وهكذا.

جميع ما سبق، عناوين تجسّد الحالة الهزلية لتفكير الجماعة الحوثية، وتعكس تفاهة الاهتمامات لدى سلطة الأمر الواقع في صنعاء. 

إنهم يعوّضون تفريطهم بالمسؤولية الأخلاقية العامة بالتطفل على الحياة الخاصة للمواطنين، يتجاهلون حقوق المجتمع، ب: الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والرواتب، ويصرفون اهتمامهم نحو شعور النساء وخصورهن ومفاهيم الحشمة والعفة والشرف. 

بلغة مدنية، ما يحدث في صنعاء هو "تغول السلطات العامة في الحيز الخاص للمواطنين"..

ولا يوجد سبيل لكبح جماح السلطة سوى تعزيز قوة المجتمع المدني، ورفع مستوى حساسيته تجاه الحُريات الشخصية، ودفعه إلى التشبث بها والدفاع عنها. 

وفي مقدّمة المستهدفين، تقع المرأة كهدف مركزي لهذه السلطة، حيث تحاول سلطات الأمر الواقع فرض تصورها الأخلاقي على المرأة، والتحكم بمظهرها الخارجي، وتحديد أشكال تواصلها مع الآخر، بحُجة الحفاظ على الأخلاق العامة، والسيطرة على الضمير الخلقي للناس. 

ما يحدث في صنعاء أمر صادم للغاية، نحن أمام سلوك كارثي لا أحد يتصوّر إمكانية حدوثه في القرن الحادي والعشرين، حيث تقوم جماعة دينية بفرض تعليمات سلوكية شخصية على المواطنين، وتجبرهم على اتباعها، بهدف حراسة الفضلية، كما لو أننا أمام دولة بمثابة "الأخ الأكبر" والمواطنون إخوة أو رعايا قُصَّر يحتاجون لمن يوجههم ويملي عليهم تعليمات أولية، كيف يعيشون، ويلبسون، ويتحركون، وما الذي يحق لهم فعله وما لا يحق، في أدق تفاصيل خصوصياتهم الذاتية، وتفضيلات الذوق البشري الفردي.

تكمن خطورة ما يقوم به الحوثي في محاولته تذويب المجتمع وفقاً لرؤيته الخاصة للحياة، وتعريفه البدائي للأخلاق، وهو ما يعني اخضاع شامل للمجتمع، وترسيخ نمط الشخصية الامتثالية في كافة جوانب الحياة.

هذا السلوك بمثابة انقلاب شامل على كافة المكتسبات الحقوقية والمدنية، التي راكمها المجتمع اليمني منذ ميلاد الدولة اليمنية الحديثة. 

لم يكتفِ الحوثي بمصادرة الفضاء العام، واحتكار النشاط المدني وإلغاء مظاهر التعدد في الحياة العمومية، بل ذهب أبعد من ذلك لإعادة صياغة وجدان المواطنين والسيطرة على مساحة الضمير في أعماقهم، وهو ما يعني إخراج المجتمع من نمط الحياة المدنية، وإعادتهم قسراً إلى الطّوْر البدائي، إلى ما قبل بروز فكرة الدولة والتمايز بين المجال الخاص والعام للمواطنين. 

يعلم الحوثي أننا نعيش في عصر الفضاءات المفتوحة، حيث المجتمع يتلقى قناعاته من نوافذ كثيرة، ورؤيته للحياة دائمة التشكل، وبالتالي تغدو فكرة التحكم بالذائقة الفردية، وتعميم رؤية أخلاقية أحادية عليه صعبة بل ومستحيلة؛ لكنه لا يمانع من مواصلة تطويعهم والمُضي بشكل ممنهج؛ لتنميطهم بما يحقق أهدافه الخاصة، حيث الغاية النهائية تقويضهم من الداخل، كي يضمن استلابهم المطلق على المستويين العام والخاص. 

لا يسعى الحوثي إلى الحفاظ على أخلاق المجتمع، بقدر ما يهدف إلى السيطرة عليه، وتجريده من أي استقلالية فردية، ولو على المستوى الداخلي، إن الفكرة المستهدفة هنا هي "الحُرية"، وهو ما تحاول جماعة الحوثي سحقها، وإضعاف أي إحساس حقيقي بها لدى الناس، كي تتمكن من إنتاج مواطن على مقاسها، ليس لديه أي نزوع للرفض، ولا يشكل أي تهديد مستقبلي لها على أي صعيد. 

ليس لدى جماعة الحوثي أي التزامات مبدئية بالحقوق والحُريات المدنية والشخصية للمواطنين، وليس في ميراثها الفكري أي حديث معتبر يُوحي أن لديها مسوّدة أخلاقية يمكن أن تمثل أرضية مشتركة بينها وبين المجتمع المدني، ولهذا تبدو مخاطبتها بلغة مدنية ضرباً من العبث، نحن أمام سلطة لن تتورّع عن فعل أي شيء في سبيل ترسيخ وجودها، ولو كان ذلك إلغاء فكرة "العقد الاجتماعي" أو الدستور الذي تُحكم به البلاد، وانقلبت عليه الجماعة منذ سنوات. 

أمام واقع كهذا، وكلما طال زمن بقاء هذه الجماعة، يكتشف الناس فداحة سلوكها ولا يستطيع تصور أي مدى يمكنها أن تبلغه، وكم من الجروح والانتهاكات التي ستخلفها في جسد المجتمع اليمني ومصيره المجهول. 

أخيراً: منذ استكمال سيطرة الحوثي على صنعاء وبقية المحافظات، كان أحد شعاراته الفكرية: حراسة الهوية والدفاع عنها ضد الغزو الأخلاقي، هذا الشعار الفضفاض تستخدمه الجماعة لمحاصرة المجتمع وعزله عن العالم. 

هم لا يحرسون هويته العامة بالطبع، كما أن فكرة الهوية ليس لها تعريف أحادي قاطع، لكنهم يدمّرون هويته الفردية، ويسعون لبناء مجتمع القطيع، حيث البشر نسخة متشابهة، والحياة كلها بلون المذهب والطائفة، وتلك كارثة أخلاقية مدمرة.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.