مقالات

عن الفنان وثقافته الفكرية..

15/05/2022, 07:13:33
المصدر : خاص

ليس بالضرورة أن يكون الفنان ذا خلفية فكرية واعية ومتقدّمة؛ كي يغدو فنانا أصيلا.  فمهما كان مستواه الفكري بسيطا يمكنه أن يحتفظ بموهبته العالية ما دام يشتغل عليها. 

لا يعني هذا أن خيال الفنان لا يتأثر بمواقفه وقناعاته الفكرية، ولو كانت قناعات بسيطة ولا واعية؛ غير أن هذه القناعات ليست هي منطلقه الفني ولا شرطا مبدئيا لموهبته. 

وبالتالي: هذه الحالة الباطنية الأولية للفنان يمكنها أن تنمو في مجال موهبته دون أن تكون محتاجة إلى نمو فكري موازٍ، فالمهم هو الخيال والتغذية المستمرة لموهبته.

 غير أن هذا الخيال والموهبة يكونان عرضة لتأثيرات فكرية وتحولات عديدة طوال مسيرته، سواء حدث ذلك بجهد فكري ذاتي للفنان أو بتأثيرات عامة من خارجه، وفي الحالتين تنعكس هذه التأثيرات على الحالة الباطنية للفنان سلبا أو إيجابا. 

وقد تسهم في مضاعفة نموه أو إرباكه، بحسب طبيعة هذه التأثيرات ومستواها. 

مفهوم الموهبة ملتبس، وهو أقرب إلى الوصف الأدبي منه للمفهوم الدقيق والشارح لماهية هذه الصفة وتكوينها. وغالبا ما تشير هذه المفردة إلى مجموعة صفات وقوى ذاتية واستعدادات نفسية، تجعل من حاملها ذا قدرة إبداعية في مجالات عديدة. 

ما يعني أن هذه الموهبة حالة خاضعة لتأثيرات عديدة واعية ولاواعية طوال مسيرة الفنان. 

ولئن كان الفنان غير ملزم بتكوين فكري متين في أي مجال معرفي خارج اشتغاله؛ لكنه بحاجة إلى الحفاظ على هويته الفنية محروسة من التناقضات الجوهرية والمواقف المؤثرة على خياله الصافي. بتعبير آخر، من المهم أن ينقي أعماقه من التوترات الداخلية، تلك التي تشوِّه رؤيته المنسجمة للحياة. 

بمعنى أن العالم الباطني للفنان يُفترض أن يكون ذا حساسية عالية تجاه كل فكرة خطرة، حتى لو لم يكن هو نفسه ذا قدرات فكرية وخلفية معرفية واعية وقادرة على شرح تلك الخطورة وفهمها، واتخاذ موقف منها.

 وقد نختلف في تعريف هذه الفكرة الخطرة، ومتى تكون كذلك؛ غير أن الحساسية العامة هنا والانقسام الشعبي يكفيان ليكونا جرس إنذار يلزم الفنان بالتسامي فوقه؛ بدلا من التمترس كطرف يعمِّق هذا الانقسام. 

قد يتبنّى الفنان فكرة صادمة بقناعة تامة، ويستمر محافظا على موهبته؛ لكنه سيكون عرضة للخلخلة النفسية، ولضغط عمومي يربك نفسيته بشكل عام، من هنا يكون الفنان بحاجة إلى موقف حكيم، يحفظ اتساقه الداخلي، يحيّد بموجبه ضغط الخارج ويحفظ طاقته من النزيف دون جدوى. 

الفن بمفهومه الأصيل يتضمن رؤية وجودية شاملة، تنطلق من نقطة اشتغال خارج كل التصوّرات الجاهزة.

 الدين والفلسفة وكل الأيديولوجيات التأسيسية الكبرى هو يصهرها جميعا، ويفيض بلحنه الخاص على العالم.

 بقصيدته، بريشته، بسرديته وبأي نمط فني كان، يقرأ الوجود والبشر انطلاقا من حدسه وعالمه الباطني الخاص. 

والفنان الأصيل ليس بحاجة إلى أن يُلحق نفسه بأي مظلة كانت، لا يعني هذا بالضرورة الوقوف على النقيض لكل شيء، لكنه مبدئيا لا يعادي ولا يؤيد أي تصوّر محدد؛ فجوهر اشتغاله يقع خارج كل تلك الدوائر والحدود الصارمة، قد يتقاطع معها، وقد يتجاوزها ويبتدع منظورا جديدا؛ لكنه في المجمل، وفي كل حالاته الأصيلة، يفصح عن تصوره الخاص للوجود بكل ما فيه، وكما يستشعره، ويستقر في أعماقه. 

قبل يومين، نشر الرسام الكاريكاتير رشاد السامعي تغريدة أيّد فيها الشيخ العديني بشكل عام دون تحديد موقف معيّن. 

موقف رشاد بدا صادما للكثير، لكأنهم لم يكونوا يتوقعونه كذلك. 

مع عدم وجود أي مبرر عقلي ومنطقي لتوقعهم هذا. 

في الحقيقة، هناك ربط اعتباطي بين الفنان وهويته الفكرية المفترضة، أي أنهم يفترضون بشكل لاواعٍ أن أي فنان يتوجب أن يكون خطه الفكري مفارق لأي تشدد. 

وهذا غير صحيح، ولا بأي منطق كان. 

صدمة الجمهور سببها يعود إلى الفجوة الحاصلة في تصوراتهم، إنهم لم يكونوا يتوقعون منه موقفا كهذا؛ لكنه مع ذلك حدث.

 فالإنسان ليس تصورا جاهزا ونهائيا  وقراءتك لجزء من إطاره لا يعني أن بقية أجزاء الإطار يتوجب أن تكون بالنسق نفسه. 

ورشاد السامعي أفصح عن هوية داخلية، فيها قدر من التشوش، إطار فني موهوب؛ لكنه يعاني من فجوات داخلية واضحة.

 وغير مهم هنا أن موقفه صادر عن قناعة حاسمة، فمجرد إحساسه بالانتماء لرجل دين متشدد، أو حتى حاجته إلى ذلك، فالأمر يؤشر إلى هشاشة باطنية وإطار داخلي أقل متانة، وفي أضعف الأحوال غير مكتمل. 

لماذا نقول إن الضعف الفكري لا ينتقص من الموهبة، ثم نقول إن انحياز الموهبة لموقف ديني متشدد ينبئ عن ضعفها..؟ لا تناقض بين الأمرين. 

فالموهبة القوية بحالتها الصافية لن تحتاج أن تلوذ بموقف ديني متشدد، ولا حتى بأي تطرف آخر، فهي تستمد ثباتها من تكوينها الصلب ووضوح رؤيتها الخاصة. وحينما تبدي ميولا تجاه أي فكرة حادة، فالأمر يعكس عدم وثوقها الذاتي؛ لكأن الممارسة الفنية هنا لم تحقق لها إشباعا داخليا كافيا، لهذا هي تعوض ضعفها بمواقف من خارجها. 

أما فيما يتعلق بموقف الجمهور، فحتى مع كون صدمتهم تعود إلى خلل في تصوراتهم عن الفنان كإنسان يحتمل فيه -مثل بقية البشر- تضمنه لتناقضات عديدة، غير أن هذه الصدمة اللاواعية تؤشر إلى حكمة على الفنان أن يهتدي بها لتسوية تناقضاته الداخلية، وبما يجعل هويته الباطنية أكثر اتساقا وتناغما. 

إذ ليس من اللائق بفنان أن تكون نفسيته مشوهة، ولو بأدنى ندبة صغيرة. 

فما بالك حين يتعلق الأمر، بانحيازة لموقف رجل دين فيه من القسوة ما يثير فزع المؤمنين والخارجين عن كل دين على حدٍ سواء. 

كلمة أخيرة: من الواضح أن تأييد رشاد السامعي للعديني تأييد عمومي أكثر منه انحياز دقيق وتام لكل مواقفه، غير أن المرء قد يذهب إلى تعميق موقفه بعد أن يعلنه. 

يبدأ في اتخاذ موقف عام، ثم يذهب إلى التشبث به وتقمصه بدوافع كثيرة، وبالطبع، ليس أضعفها بدعوى ثباته على الموقف، ولو على حساب هويته العامة والخاصة، وانحيازه لموجبات موهبته لروح الفن الجامعة، 

ولتصوراته الأخلاقية المتسامية بشكل عام. 

كل هذا الصخب لا يمكن أن يورث الفنان أي إضافة حقيقية لا أخلاقيا ولا فنيا؛ لكن الترجيح الكبير يذهب نحو احتمالية إرباكه أكثر مما كان عليه قبل إفصاحه، ما لم يملك اليقظة الذاتية والوعي العال لمعاودة التدقيق في قناعته، وتحييد كل ما يضعف قواه الباطنية أو يخلخلها.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.