مقالات

عن تساؤل الهاشميين: لماذا اليمنيون يكرهوننا؟

13/06/2023, 19:40:22

إذا ما حاولنا تكثيف الحياة، سنقول إنها حزمة مشاعر وانفعالات، إنها خلاصة عاطفية، مهما تجلت بوجوه متعددة، ومهما تنوعت تعاريف الإنسان ونشاطاته، يظل في نهايته مجموعة انفعالات تشتد وتنخفض، لكنها لا تغيب أبدا. هذه العاطفية ليست أمراً هامشياً، بل تكاد تكون نواة السلوك البشري بشكل عام. 

يعتقد الناس متوهمين أن العقل هو الحاكم النهائي للحياة، وأن الواقع الإنساني هو تجسيد للعقلانية، فيما الحقيقة أن الحياة تسير وفقاً لما تقرره العاطفة أكثر مما يخطط له العقل. تبدو هذه المقدّمة بعيدة عمّا أود قوله؛ لكنها أيضاً متصلة به. 

لعلّ أبرز ما تخلّفه الحروب هو ذلك الميراث المعنوي الصادم، تلك الضغائن المترسبة والإحساس العميق بالغبن. تبدو هذه الحالة سابقة لانفجار الحروب ولاحقة لها، غير أن الضغينة الناتجة عن الحرب أكثر حيوية وأقوى في جاهزيتها للتحول إلى عنف مباشر من الضغائن السابقة للحرب. 

قبل اندلاع الحرب، كانت السلالة الهاشمية تدّعي أنها تعرّضت لمظلومية طوال عقود خلّت، وتطالب باستحقاقات كتعويض عمّا تعرّضت له من تهميش وإقصاء، ومع عدم منطقية دعاوى المظلومية العمومية هذه، لكنها تؤسس لمظلومية مضادة. فإذا ما كانت مظلومية السلالة الهاشمية تُحتسب كمظلومية أقلية، فنحن اليوم أمام مظلومية جماعية تغتلي في صدور خصومها، وهم غالبية اليمنيين.  

يتجاهل الحوثي كراهية الناس له، ويعتقد أنها مجرد مشاعر لحظية وتنتهي، فيما هو غصب منظَّم، لا يمكن لكل قوى الكون تبديده. يمكن للسلالة أن تواصل الحياة في طمأنينتها الخادعة، ولسوف تحصد يوماً ثمرة هذا التعالي والخدر الذي تتعامل به مع عواطف الناس الساخطة عليها. 

من أين تنبع دعاوى الناس بالمظلومية..؟ من تلك العواطف الكامنة لدى قطاع من الشعب، الشعور بالنبذ والتعرّض للإذلال والقسوة والعيش في ظلال الخوف، وكل ما تخلّفه الممارسات القمعية من قِبل طرف ضد الطرف الآخر؛ البداية من هنا. حيث تختمر الضغينة وتفجِّر حرباً، تواصل الضغينة دورانها، وتنتج الحرب ضغينة مضاعفة، وهكذا في سلسلة لا متناهية من الكراهية المستديمة. 

هذه المرّة ستكون السلالة الهاشمية ضحية جنايتها؛ إذ يصعب عقلنة مشاعر الناس ومطالبتهم بتقنين كراهيتهم ضد أشخاص بعينهم. فالكراهية مثل الحب لا عيون لها، إنها حالة من الانفجار العشوائي، حيث النار تلتهم كل ما يصادفها في طريقها، ولا تفرِّق بين هدف وآخر. 

نزولاً للواقع اليمني اليوم، هناك حالة من الغليان الواسع ضد السلالة الهاشمية باعتبارها تمثل سلطة الأمر الواقع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية. فالحوثي ليس سوى حامل لواء السلالة، والممثل الأبرز لدعاوى الحق السلالي بالحكم، وتلك كارثة فكرية معروفة وليس هنا مجال نقاشها. 

ادعاءات الحوثي للمظلومية كانت قائمة على أوهام أكثر منه حقيقة واقعية، كانت مظلوميّته نابعة من شعوره باستحقاق أعلى من بقية اليمنيين، وليس لأن سلالته كانت مقصيّة من الفضاء العام كليّاً. 

صحيح كان هناك ظلم، لكنه ظلم عمومي يتعلق بتردي الوضع في كامل البلاد، والسلالة الهاشمية، إن صدقت دعاواها للمظلومية فيما مضى، فهي دعاوى مبالغ بها، فيما الواقع أن رموزا كثيرة من السلالة كانت حاضرة في كثير من مناصب الدولة، لكنها لم تكن لترتضي موقعها ضمن المجتمع، وظلت تستشعر حالة من الغبن نابع من تصوراتها الاستعلائية، واعتقادها الوهمي بأنها الأجدر باستلام السلطة كاملة، وليس المشاركة فيها مثل كل فئات المجتمع. 

واصلت السلالة الهاشمية بزعامة الحوثي تمسّكها بشعارات المظلومية، وحشدت قواها؛ كي تقوِّض كامل أركان الدولة وتهجِّر اليمنيين، وتنفِّذ عملية إحلال كلي لعناصرها في كامل مفاصل الدولة من منصب رئاسة الدولة المغتصب لمدير مدرسة في قرية نائية. 

هذا التبجح الحوثي خلق حالة من القهر الواسع والمتصاعد، وراكم شعورا محقِّا بالضغينة الهائلة تجاه كل من ينتمي للسلالة الهاشمية. في الواقع، ليس اليمنيون هم من خلقوا بداخلهم هذه الكراهية تجاه الآخر، السلالة هي من جنَت على نفسها، وعليها يقع مسؤولية التخلي عن بجاحتها؛ لحماية أبناء سلالتها مستقبلًا. 

الخلاصة: لا يمكن الاستهانة بعواطف الشعب واعتبارها حالة من العصبية الممقوتة، ولا يمكنك مطالبة الناس بأكثر مما هو في مستطاعهم من التسامح؛ هنا يكون التسامح جريمة ضد الذات. نحتاج لتأسيس دولة ضامنة للتعايش، نعم. لكن التعايش لا يقوم على قسر الناس عاطفيا ومطالبتهم بطمس ضغائنهم بين ليلة وضحاها. الحوثي هو من ولّد هذه الضغينة، وهو من عليه أن يجيب عن هذا السؤال: لماذا يكرهوننا..؟ لماذا هو اليمني محتقن وغاضب وغير مستعد للتعايش مع جماعة صادرت كل عوامل العيش والبقاء على الناس، وتريدهم أن يتقبلوا بها قسرا؛ وإلا فالسجن أو النفي أو الموت قتلا وجوعا هو ما ينتظهرهم.

مقالات

إسرائيل ولبنان.. حرب أو لا حرب؟!

أولاً: احتمالات الحرب حاليًا قائمة، ليس مع لبنان وحدها، وإنما مع دول الجوار: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان منذ احتلال فلسطين، وقيام الكيان الصهيوني في 1948، وهي الآن قائمة بصورة مباشرة مع الأمة العربية كلها، رغم تهافت الدول المطبعة وذِلتها.

مقالات

طفولة أعياد القرية!

ذكرياتنا الندية عن أعياد الطفولة شجن لا ينتهي. الحنين للمّة العائلة الكبيرة، الأحضان الدافئة للأب والأم والجدات، مرح أرواح الأطفال وهي ترسم العِيد ببهجة جذلى للقلوب الغضة، أصوات الألعاب النارية وهي تقرع جرس إيذان العِيد بالمرح الشقي، عناق الأهل وزيارة الأرحام والأقارب، سلام الجيران وتهانيهم العِيدية "المقدسة"، وعلي الآنسي.

مقالات

حكاية الزَّمَار سعيد الفاتش (2-2)

لشدّة ما كان الفقيه مقتنعاً بنجاح خطته وصوابها من الناحية الشرعية، هجم على الفاتش لينتزع منه مِزمَارَه، ولِيزيلَ المنكر بيدِه عملا بالحديث الشريف؛ لكن الزمَّار سعيد الفاتش -رغم مرضه- كان مازال قوياً، وكانت يداه مازالتا قادرتين على الضرب والبطش، ثم إنه كان منتبهاً ومتوقّعاً وجاهزاً للرد، وبمجرد أن اندفع الفقيه لينتزع المِزْمَار منه سَلّ مِزْمَارَه المعمول من خشب صلب، وضرب به الفقيه ضربةً في يده، التي امتدت لأخذ مِزمَارِه، لكن تلك الضربة لم تشفَ غليله من الفقيه، الذي ألحق به الكثير من الأذى. ولشدة ما كان موتوراً منه، ضربه ضربةً قويةً في رأسه جعلت الدَّم ينبجس غزيراً، ولحظتها صَرخ الفقيه صرخةً أفزعت وكيل الشريعة حمود السلتوم، والحاج علوان، حتى أنهما بدلا من أن يهجما على الزَمَّار -بحسب الخطة - لاذا بالفرار.

مقالات

حكاية الزَّمار سعيد الفاتش (1-2)

كان سعيد الفاتش زمَّاراً ومغنياً وقارع طبل، وراقصاً موهوباً، وحكاءً وإنساناً جميلاً، وكان مدرسةً في الحب يحب الناس ويحب الحياة ويعيشها بشغف، ويجعل كل يوم من أيامه عيداً ومهرجان فرح

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.