مقالات

عن يوم علمي بهيج في صنعاء

26/06/2023, 13:37:44

كان يوم الخميس الماضي (22 يونيو) فارقاً بالنسبة لي، حيث تم فيه إطلاق دراسة "الآثار المتبادلة للهجرة اليمنية"، بأجزائها التسعة بعد ثلاثة أعوام ونصف، من البدء بتنفيذ فكرتها، التي تبناها الراحل علوان الشيباني، وتولت تمويلها  "مؤسسة الخير للتنمية الاجتماعية"، التي رأسها منذ التأسيس في 2008 حتى وفاته قبل عام.

لم أزل أتذكر تماما ذلك اليوم الخريفي البعيد، من مطلع نوفمبر 2019م، حينما  دعانا إلى مأدبة غدا في فندق شهران (عبد الباري طاهر، أحمد كلز، وعبدالله إسحاق، ومحمد الردمي، وجمال عمر، وأحمد عبد الملك وأنا).

أثناء تناول الغداء، طرح وبشكل مباشر رغبته في تنفيذ دراسة عن الهجرة اليمنية، وطلب منّا التفكير بآلية لتنفيذ الفكرة في أسرع وقت ممكن، منطلقاً في ذلك من شعوره الأخلاقي الرفيع  بقضية الهجرة اليمنية، التي صارت مع الوقت تغريبة اليمنيين الكبرى، التي لم تلتفت لمعاينتها ودراسة خصائصها وتأثيراتها المؤسسة الرسمية، في وقت عملت الكثير من الأدوات السياسية ومفاعيلها من جهة، وعدم الشعور بالمسؤولية التاريخية من جهة ثانية على طمس أثرها في حياة المجتمعات، التي استوعبت هذه الظاهرة، وعلى وجه الخصوص في المحيط المجاور.  


وحينما انتقلنا إلى المقيل في منزل الأستاذ عبدالله إسحاق في حي الإذاعة، بدأنا بمناقشة جملة من الأفكار، وكانت أولى المقترحات: تشكيل فريق إشراف من ثلاثة أشخاص؛ للتواصل وصياغة الأفكار، واستقر الراي على أن يكون الأستاذ عبد الباري طاهر رئيساً للفريق، ومحمد عبد الوهاب الشيباني منسقاً للفريق، وتُرك للاثنين اختيار الشخص الثالث، فاتفقنا (عبد الباري وأنا) لاحقاً  أن يكون الأستاذ حسن عبد الوارث الاسم الثالث في الفريق.

قمنا بعدها بإعداد مسودة خطة للتنفيذ، تم عرضها بشكلها الأولي على الأستاذ علوان، في منتصف نوفمبر فتمت الموافقة عليها، ثم بدأنا التحضير لفعالية التدشين، التي نفذت صباح السبت الموافق 7 ديسمبر، بحضور قرابة ثلاثين شخصية، وقُدمت فيها ثماني أوراق تمهيدية، قاربت وفحصت ظاهرة الهجرة بأبعادها المختلفة، وكان الهدف من هذه الفعالية بلورة صورة واضحة للمشروع، الذي تريده الجهة الراعية وشخصها الأول، وهو أن يُعيد "المُخرج المتوقع" تقديم الوجه الأكثر إشراقاً في هذه الظاهرة، من منطلق أن هناك أثراً واضحاً ساهم بصنعه مئات الآلاف من المهاجرين اليمنيين في النهضة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للدول، التي هاجروا إليها، وعملوا -في الوقت ذاته- على نقل الكثير من مظاهر الحياة العصرية والتمدُّن إلى بلدهم الأصلي، الذي عانى- لظروف سياسية واقتصادية بالغة التعقيد - حقباً من الانكفاء والانغلاق، ولأسباب مقصودة، أو غير مقصودة، تم تجاهل أو طمر هذه الإسهامات الإيجابية، وتضخيم الصورة السلبية عن اليمن واليمنيين في هذه البلدان، التي آن الأوان لإجلاء حقيقتها.


وفي أول اجتماع، أعقب ورشة التدشين، في 11 ديسمبر2019م، برئاسة الأستاذ علوان الشيباني، تحدَّد وبشكل واضح الفريق العلمي للمشروع من أربعة أسماء (الدكتور أحمد قائد الصائدي، الدكتور حمود صالح العودي، والدكتور صالح أبوبكر بن الشيخ أبوبكر، والأستاذ أحمد صالح الجبلي)، إلى جانب الفريق الإشرافي، وهو ما صار يشكِّل بقوامه الكلي الفريقَ الرئيس، انضاف إليه بعد أيام قليلة الأستاذ قادري أحمد حيدر الأديمي بصفة مستشار الفريق.


ابتداءً من الاجتماع الثاني في 14 ديسمبر، بدأ يتشكل الفريق العلمي المساعد، الذي وصل، في منتصف فبراير2020م، إلى ستة أشخاص: د. جمال النظاري، أحمد عبده سيف العريقي، العزي الصلوي، فؤاد الشرجبي، د. آمنة النصيري، د. عمرو معدي كرب الهمداني.


وفي مارس 2020، انضم للفريق د. شائف الحكيمي كمختص للجوانب الاحصائية، ثم مسؤولاً عن الجانب الميداني للدراسة.
وفي يوليو 2020م، استكمل تشكيل فريق الدراسة في منطقة حضرموت، برئاسة عضو الفريق العلمي الرئيس الدكتور صالح أبوبكر، وعضوية الدكتور أحمد محمد السقاف، والدكتور صادق عمر مكنون، والدكتور عبدالله محمد بن ثعلب.


حُددت الأُطُر الزمنية للدراسة بإطارين، الأول: يتصل بجمع المادة العلمية، التي تتطلبها الدراسة، وحددها بستة أشهر، والثاني: يتصل بالمدة الزمنية، التي تغطيها الدراسةُ ذاتها، وهي القرن العشرين.

وفي الاجتماع الأول 11 ديسمبر، تم الاتفاق على مناقشة "خطة علمية متكاملة" في تالي الاجتماعات، وهو ما تم بالفعل في ثلاثة اجتماعات متعاقبة، وعلى النحو التالي:

في اجتماع 14 ديسمبر، قدَّم الدكتور أحمد الصايدي "أفكاراً أوليةً حول دراسة موضوع الهجرة اليمنية وتأثيراتها، في الداخل والخارج"، اقترحت هذه الأفكار جملةً من الأسس مثل: عنوان الدراسة، تحديد هدف الدراسة بشكل واضح، تحديد الإطار الزمني للدراسة، أي الفترة الزمنية، التي ستكون موضوعاً للدراسة، تحديد السقف الزمني المتوقع لإنجاز الدراسة، الكتابات المنشورة عن موضوع الدراسة، مصادر الدراسة (المكتوبة أولاً، ثم الشفوية)، منهج / مناهج الدراسة،
فصول الدراسة (أو الموضوعات، التي ستُعدُّ، وفقاً لخطة البحث، ثم يضم بعضها إلى بعض، لتأخذ شكل كتاب متناسق)، تحديد الأشخاص، الذين سيساهمون في كتابة الدراسة، وما هو الفصل، أو الموضوع الذي سيكتبه كل شخص.

أعقبها في اجتماع 21 ديسمبر "الاجتماع الثالث" بخطة أولية، بعد أن كلَّفه الفريق في الاجتماع الثاني بتحويل الأفكار إلى خطة متكاملة، وقدمها في أربع صفحات.
وفي هذا الاجتماع (الاجتماع الثالث) تم توزيع خطة ثالثة، كان الأستاذان قادري أحمد حيدر وأحمد صالح الجبلي قد قدماها في، فترة سابقة، أثناء التحضير للاتجاهات العامة للمشروع، وعنوانها: "الدور الحضاري لليمنيين.. الهجرة اليمنية: التأثير والتأثير المتبادل".  وخلُص الاجتماع إلى تحديد اجتماع استثنائي للتوافق على خطة واحدة، بعد دمج مشروع الخطتين.


وفي الاجتماع الرابع، الذي تم في 24 ديسمبر، قدَّم عضوُ الفريق العلمي أحمد الجبلي مشروعاً أولياً بالخطة النهائية، وهي حصيلةُ مزجٍ بين الخطتين السابقتين، وبعد نقاش مستفيض تم إقرارُها، وبقيت هي الدليل العملي لعمل الفريق حتى مع التعديلات التي تمت عليها، وفرضتها ظروف العمل الميداني والمكتبي.

وبعد نقاشات معمقة ودراسة الكثير من الخيارات، صار السقف الزمن للدراسة  ثمانية عشر شهراً، وموضوعاتها متشعبة، وتمددات معايناتها الجغرافية أوسع.

وحتى أيام تنفيذ الورشة التقيمية (4- 6) سبتمبر 2021، التي احتضنها فندق شهران، عقد الفريق -بين 11 ديسمبر 2019 و6 سبتمبر- ثلاثةً وستين اجتماعاً، تم معظمها في العاشرة والنصف من صباح كل سبت في القاعة الصغرى لمركز الدراسات والبحوث اليمني، حيث اتخذه الفريق مقراً ثابتاً للاجتماعات بعد تحصُّله على أمرٍ مستدام بذلك من رئيس المركز، الدكتور عبدالعزيز المقالح -رحمة الله عليه.

وهنا يتوجب التوقف، والإشارة إلى شيئين شكلا التحدي الأكبر لعمل الفريق: وهما صعوبات البداية، وتحدي المكوِّن الميداني، وفي الأول توقعنا، ومنذ الانطلاق، أشكالاً مختلفة من الصعوبات، قياساً على مثل هكذا أعمال، منها صعوبات وعثرات البداية، وصعوبات تنفيذ الخطط بمفرداتها الشاملة، إلى جانب صعوبة الإحاطة الشاملة بكل جوانب موضوع الدراسة.

وجاءت جائحة وباء كورونا، التي اطبقت على العالم في ربيع 2020، لتشكِّل تحدياً جديداً، غير أن تضامن الفريق ساعد على تجاوز العثرات وتذليل الصعوبات، ليصل إلى منطقة الأمان بتنفيذ الورشة، التي صاغت -وبشكل نهائي- الصورة النهائية للدراسة الرائدة.

أما في جانب المكون الميداني، فمنذ الاجتماعات الأولى ظل المكون الميداني في الدراسة الرئيسة هو الهاجس الضاغط على أعمال الفريق، وبرغم النقاشات الطويلة، والمقترحات المتعاقبة، لم يحسم الفريق موضوع المكون الميداني بشكل نهائي؛ سوى في أغسطس 2020م، بعد استكمال تشكيل فريق حضرموت، وتحديداً في الاجتماع الثاني والثلاثين بتأريخ 25 أغسطس 2021م، وكان ذلك الاجتماع هو مفتتح العمل الميداني الكبير في الداخل والخارج، إذ تم فيه إعداد أدوات الاستبانة (الاستبيان ودليل المقابلات) وترجمتهما، والبدء بتطبيقها في الميدان، في الداخل والخارج في فعل استثنائي كبير.. فبواسطة قرابة عشرين جامع بيانات وعشرة باحثين تم استيفاء جمع بيانات ومقابلات مع مبحوثين من المهاجرين اليمنيين في أمريكا وكندا والمملكة المتحدة وأثيوبيا والسعودية والكويت، وفي حضرموت وتعز ولحج وأبين وعدن.

بعد هذه المرحلة، بدأنا عملاً مختلفاً للوصول إلى هدف واحد، وهو إنجاز دراسةٍ علميةٍ متكاملةِ الأركان، تنهض على مكون نظري قوامُه قرابة عشرين دراسةً وبحثاً وتقريراً أعدها أعضاء فريق الدراسة الرئيس ومساعدوه وبعض المستكتَبين، إلى جانب دراسة ميدانية كبيرة تقارب موضوع الهجرة اليمنية من حيث الأسباب والأوضاع والتأثيرات.

وحتى تُردم الفجوة المنهجية بين مخرجات الدراسات النظرية واتجاهات الدراسة الميدانية بأركانها الرئيسة الثلاثة، أعيدت قراءة الدراسات للوصول إلى استخلاصاتٍ واضحةٍ لردم هذه الفجوة، بتعاون من الباحثين أنفسهم. وبعد عملٍ شاق وتعاون من الجميع تم ضبط هذا الجانب، فصار الملخص العام للدراسات مرتبطاً تماماً بنتائج الدراسات الميدانية.

عملية المراجعة والضبط والتدقيق إلى جانب التجهيزات الفنية المختلفة احتاجت لقرابة عام ونصف حتى ترى هذه الدراسة النور في هذا اليوم 22 يونيو، وبعد عام كامل من رحيل صاحب الفكرة الملهمة والممول الأوحد لها طيب الذكر علوان سعيد الشيباني، الذي وافاه الأجل في الثامن من يونيو 2022 قبل أن يرى حلمه في هذا العمل الكبير متحققاً على الأرض، الذي ظل لسنوات طويلة أحد هواجسه الكبيرة، غير أن إنجازه وإتاحته أمام الباحثين والمهتمين بهذا الشكل هو ما يرضى روحه النبيلة التي تطل علينا من عليائها مباركة وسعيدة أيضاً، فلها الطمأنينة الأبدية والخلود.

محمد عبد الوهاب الشيباني

منسق فريق دراسة الآثار المتبادلة للهجرة اليمنية
22 يونيو 2023

مقالات

ماذا بقي من الوحدة اليمنية؟

على ما يبدو في الظاهر أو العلن اليوم أن الكثير من اليمنيين قد كفروا بالوحدة اليمنية من الألف إلى الياء، بعد أن كانت أمنية وأغنية لطالما تغنَّت بها أجيال وأجيال من اليمنيين، سواء كانوا مواطنين أو قادة.

مقالات

"22 مايو" بين خيار المشروع الوطني والمشاريع الصغيرة

إذا علمت بما يجب أن تعلم به بأن الوحدة اليمنية ليست من صنع الثاني والعشرين من مايو 1990، في ذكراه الرابعة والأربعين، بقدر ما هو التعبير السياسي عنها لوجود أصيل وثابت ثبات جغرافية الأرض والتاريخ والإنسان، وهي الوحدة غير القابلة للتجزئة في مزاد المراهنات السياسية الخاسرة، والمتجنّية على حق وإرادة الشعب اليمني، ونضاله وتضحياته من أجلها.

مقالات

ثقب في زجاج الذاكرة

في إصداره الشعري الخامس المعنون بـ"بيدق أسود في يد الجنرال"، الصادر عن منشورات مواعيد ـ ٢٠٢٤ ـ صنعاء -الذي احتوى بين دفتيه ما يقارب من ٣٠ قصيدة نثرية- يواصل الشاعر محمد اللوزي التحليق في سماء الشعر عبر أجنحة النثر.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.