مقالات

فبراير التي أثمرت سبتمبر (1-2)

19/02/2022, 07:46:09
بقلم : محمد صلاح
المصدر : خاص

كانت الثورة الدستورية، التي شهدتها اليمن في فبراير 1948م، هي الهزة الكبرى التي ضربت جذور الإمامة، ومزّقت هالة القداسة عن السلطة، ومهّدت الطريق لقيام ثورة سبتمبر وأكتوبر.

إن ذكرى ثورة فبراير 1948، والاحتفاء بها يهدف إلى تنشيط الذاكرة الوطنية، من خلال التذكير بذلك الحدث العظيم، الذي مهّد لتغيير مجرى تاريخ اليمن، وإحياء ذكرى الرّجال العظام في تاريخنا، ودورهم التنويري الرائد، الذي دفعوا حياتهم في سبيل تحقيق الحرية، والعدالة، وتقييد السلطة، وإعادتها إلى الشعب المالك الفعلي لها، عبر عقد مكتوب، ومفروض على السلطة يتم الاحتكام إليه.

في عام 1936، زجّ الإمام يحيى في سجونه بخيرة الشباب المثقّف، أمثال الثائر والمناضل والمؤرّخ الشهيد أحمد بن أحمد المطاع، والشاعر الأديب عبدالله العزب، وأبو الثوّار ورائدهم محمد المحلوي، وعدد من المستنيرين في مدينة صنعاء، بسبب منشوراتهم المنددة بالنظام الأمامي، وفساده، ومظالمه.

كما اقتاد أواخر الثلاثينات غالبية أعضاء البعثتين التعليميتين العسكرية، والمدنية، العائدين من العراق، خوفاً من دورهم التنويري، والتعليمي الذي قاموا به فور عودتهم من الخارج، وكان بينهم الزعيم عبدالله السلال، والشهيد المربّي أحمد الحورش، والثائر الشهيد محيي الدين العنسي، وغيرهم، وفي كل مرّة يخرجون بها من السجون، فإنهم يعودون أكثر إصراراً على المضي في طريقهم.

وبعد تشديد قبضة السلطة الإمامية على دعاة الإصلاح والتغيير، اضطر أبو الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري، ورفيقه الأستاذ أحمد محمد نعمان في عام 1944 للخروج، والنزوح إلى مدينة عدن، التي احتضنتهم، وقدم أبناؤها كل الدعم، والعون، والمساندة لهم في معارضة الإمام يحيى، وقبلهم غادر الرائد التنويري الأستاذ أحمد الحورش، ورفيقه محيي الدين العنسي إلى القاهرة، ومن هناك واصلوا نضالهم، ومعارضتهم للسلطة، وفضحها في الأوساط السياسية العربية، عبر كتابة المقالات على صفحات الجرائد في القاهرة، ولقاءات المسؤولين، والسياسيين العرب بهدف شرح قضية اليمن، وتوضيحها للرأي العام العربي، حتى غداة التحرّك، وقيام الثورة الدستورية، فكانوا في مقدّمة الصفوف، التي قادت النضال والحراك إلى أن سقطوا شهداء، وروت دماؤهم الزكية الغرس الذي زرعوه، ومن نجا منهم كان السجن حليفه، ورغم ما عانوه وكابدوه، فإن أغلب من تبقّى منهم واصل المسير، حتى تم نجاح التغيير الأكبر في ثورة سبتمبر 1962م.

لقد كان إيمان الأحرار، وقادة الفكر في ثورة الدستور، أقوى من استبداد السلطة الإمامية، "ولأن إيمان المستنيرين كان أقوى من نظام الجهل والعزلة والانغلاق، واصلوا تحدّي المستحيل، وشاركوا في الحركة الدستورية التي جسّدت توقهم للتغيير بأية وسيلة، وانتهى بعضهم قتلى بسيف الجلاد، والبعض دخلوا السجون الرهيبة ليعيدوا الكرَّة فيما بعد، ويواصلوا رسالتهم النبيلة الهادفة لتحرير شعبهم، إلى أن شاركوا أخيرا في التغيير الجمهوري"، [علي محمد زيد، "الثقافة الجمهورية"، ص200]، ورغم الانتكاسات والنكبات التي أصابت مشروع التغيير، إلا أن تلك الأفكار كانت عصيّة على الموت، وظلت بذورها تنموا وتكبر، ليكتب لها النجاح.

كما كان هناك ترابط وثيق بين الثورة الدستورية، وصناعها، وبين الأحداث التي تلتها، والرجال الذين قادوا التحرّكات، والانتفاضات ضد سلطة الإمامة، حتى تكللت بالنجاح، في ثورة سبتمبر وأكتوبر.
ولقد حاول بعض الكُتاب بطريقة عقيمة، ورؤية سقيمة، أن يقيم جدارا فاصلا بين ثورة 1948، التي قادها الأحرار، وبين ثورة سبتمبر 1962، التي لعب تنظيم الضباط الأحرار الدور الرئيسي في قيامها، إلا أن قادة الثورة السبتمبرية، وقفوا وتصدّوا لمثل هذه الأقاويل، وأكدوا على التلاحم والترابط بين الثورتين، وبين قياداتها، وأن ثورة سبتمبر ارتكزت على المقدّمات، التي صنعتها ثورة فبراير 1948، حيث يقول أحد قادة الثورة، وعضو التنظيم الضبُّاط الأحرار صالح الأشول: "يظل من الثابت أن القوى الوطنية، التي عملت من أجل التغيير، كانت كلها حلقات مترابطة مع بعضها البعض. فثورة سبتمبر 1962 قامت على معطيات ثورة فبراير 1948 وحركة 1955. وثورة أكتوبر 1963 في جنوب الوطن استندت على معطيات ثورة سبتمبر في الشمال ودعمها لها. هكذا كان الترابط بين الأحداث في مسيرة العمل الوطني من أجل التغيير. وهو يبيّن أن الأحداث قد توالت، وامتد القديم منها على الجديد بمنطق التأثير والتأثر ووحدة الغاية. لذلك يصعب الفصل بينها، واعتبار أي حدث منها منعزلا عن الآخر. لكنها تتميّز عن بعضها البعض في التخطيط والوسيلة وطريقة الأداء" [صالح الأشول "حقائق ثورة سبتمبر اليمنية إعداداً وتنفيذا"، ص225، 226]، كما كان أول رئيس للجمهورية، هو المشير عبدالله السلال أحد رجال ثورة الدستور، وقد سجنه الإمام أحمد عقب فشلها سبع سنوات، وكان الرئيس الثاني للجمهورية القاضي عبدالرحمن الإرياني أيضا أحد قادة الأحرار في ثورة 48، وسجن مع الزعيم السلال، وكان عدد من رؤساء الوزارة في النظام الجمهوري عقب الثورة، هم من قادة ثورة الدستور، أمثال الأستاذ النعمان، والفريق العمري، واللواء الجائفي، وغير هؤلاء ممن اشتركوا في الثورة الأولى، كانوا ممن ساهموا وشاركوا في ثورة سبتمبر.


بل إن ثورة سبتمبر تعتبر -كما يقول المناضل عبدالسلام صبرة أحد رجال ثورة 48، والأب الروحي لتنظيم الضباط الأحرار- هي "الوليد الشرعي والمكتمل النمو لثورة 1948م، ولحركة 1955م، وما تخلل كل تلك السنوات من أحداث وتضحيات جسام ونضال مرير وعنيف توج باليوم الخالد والمجيد في 26 سبتمبر 1962م.".

كما سعى هذا التيار من الكُتاب لتصوير رجال ثورة 48، بأنهم صدى لثقافة الإمام يحيى، بينما كانت المؤثرات الثقافية لقادتها التنويريين تقف بالضد من ثقافة السلطة، فثقافة الأحرار امتداد لثقافة مدرسة الاجتهاد اليمني، التي امتزجت وتلاقحت مع أفكار، ورؤى تيار النهضة العربية في مصر وبلاد الشام. وقد شكلت أفكار الاجتهاد ونبذ التعصب، والدعوة إلى النهوض بالأمة، ومحاربة التخلّف الأساس الأول لثقافتهم، وقادت نحو التغيير الجذري لاحقا، بقيام النظام الجمهوري في ثورة سبتمبر.
لقد شقت الثورة الدستورية طريقها، ومسارها في أرض محفوفة بالمخاطر، والأهوال، وواقع اجتماعي يغطيه ظلام كثيف من العزلة، والتخلف، والجهل.
ـــــــــــــ
*ملاحظة بمناسبة ذكرى ثورة الدستور 1948، آثر الكاتب التوقّف عندها، على أن يستكمل لاحقا نشر ما تبقّى من مقالات حول مدرسة الاجتهاد ودورها في كسر احتكار المعرفة.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.