مقالات

"فبراير" التي أثمرت "سبتمبر" (2)

25/02/2022, 06:57:55
بقلم : محمد صلاح
المصدر : خاص

كانت الثورة الدستورية عام 1948 متقدّمة على زمنها بسنوات عديدة، فاليمن وما حولها كانت تعيش حينها في زمن العصور الوسطى.

وحين انطلقت تلك الحركة هزّت عروش الحكم في البلدان العربية، مما جعل حكام الرياض، وبغداد، وعمّان، والقاهرة يقفون ضدّها، الأمر الذي دفع بسفير لبنان في جامعة الدول العربية حينها ليقول كلمته المشهورة: "لو اتحد العرب ضد إسرائيل كما اتحدوا على ثورة اليمن لانتصروا".

لقد سددت أول ضربة إلى المفهوم الديني للدولة في الوعي الاجتماعي، داخل اليمن في منتصف القرن العشرين، وذلك في ثورة 1948. 

فالحديث عن الدستور، وتنظيم العلاقات على أساس مكتوب بين الشعب والحاكم، الذي يعتبر الهدف الجوهري للثورة، كان نقطة الانطلاق الأولى، ليس للابتعاد عن الأصول الدينية للدولة، بل وضربها في الوعي الاجتماعي. 

إن الميثاق الوطني المقدّس، الذي جاءت به ثورة 1948، يعد أول وثيقة وطنية، بموجبها سعى اليمنيون لخلع سلطة الفرد، والتأكيد على ضمان الحرية، والفصل بين السلطات، وتحقيق الحكم اللامركزي.

وفيها ظهر تأثير الفكر الليبرالي الحديث، على دستور 1948، في المواد التي تتعلق بتكريس الحرية، وتعزيز القانون، والفصل بين السلطات، وحق الشعب في اختيار ممثلين عنه في السلطة، وذلك بتأثير التيار المتنّور الذي أسسه الشهيد الحورش، الذي كان أحد من ساهموا في صياغة الميثاق.

لقد كانت فكرة الدستور هي من أنهت قداسة الإمام، ولم تكن البندقية، ولا رصاصاتها، وذلك عبر الدور التنويري لقياداتها، ورجالها، من خلال "مجلة الحكمة"، الصادرة في صنعاء بين عام 1939 و1941، التي كان يرأس تحريرها أحمد بن عبدالوهاب الوريث، ثم الشهيد الثائر العظيم أحمد بن أحمد المطاع، وجريدة "فتاة الجزيرة"، الصادرة من عدن لصاحبها ورئيس تحريرها التنويري محمد علي لقمان، وصحيفة "صوت اليمن"، التي كانت تطبع في عدن، والمعبّرة عن الأحرار، ولسان المعارضة اليمنية، وقصائد الزبيري وغيره من رجال التنوير اليمنيين، هي من مزّقت استار القداسة، وخلخلت جذور الدولة الدينية المتغلغلة في الوعي اليمني منذ ظهور مبدأ الإمامة، فكان كل حرف مما يكتبونه يساوي ألف طلقة.

وعلى الرّغم من فشلها إلا أنها -كما يقول الدكتور عبدالملك المقرمي: "بمثابة صدمة عنيفة لبناء القوة القديم، وللبنية الاجتماعية الاقتصادية القديمة"، و"مهّدت لقيام عدة حركات سياسية هامة فيما بعد، ومهّدت لقيام الثورة الأمّ عام 1962م"، كما يقول عبده علي عثمان.

وهناك من الدارسين لثورة 1948، من حاول الانتقاص منها، وسعى لإدانة لجوء رجال الأحرار إلى عدن تحت السلطة الاستعمارية مهما كانت الضرورة إلى ذلك الالتجاء، لأن المستعمر لا يحرر أحداً.

وهو نقد متهالك، يهدف إلى الإدانة، وليس إلى تقويم الحركة، بحيث نسي صاحبه بأن عدن مدينة يمنية، واقعة تحت الاحتلال، وليست خارج الحدود اليمنية، وأن لجوء الأحرار إلى عدن -كما يؤكد هشام علي- "ليس لوجود الاستعمار، بل لوجود الحاضنة الاجتماعية للحركة الوطنية في مدينة عدن". ولقد كان لوجود روّاد الحركة الوطنية، وتأسيس حزب الأحرار في عدن، أهمية كبيرة في توحيد حركة النضال في شمال اليمن وجنوبه، ورسّخ شعورهم بوحدة المصير، فبوصولهم إلى مدينة عدن، التي فتحت صدرها لهم، بحيث "أذكى رجال الأحرار الأجواء الوطنية، وأحيوا الروح الوطنية في عدن، فانتشر أوار الوطنية في عدن، وامتد إلى حضرموت، وبعض المناطق الأخرى في الجنوب، وأجبرت الكثير من أصحاب الدعوة إلى (عدن للعدنيين) أو (حضرموت للحضارم) وغيرهم إلى الحديث عن الوطن اليمني كله" [ انظر مقدمة د. أحمد علي الهمداني لكتاب سعيد الجناحي "الحركة الوطنية من الثورة إلى الوحدة"]. 

وأوجدت حركة الأحرار وعيا بالدستور، وضرورة التغيير في المحميات، والسلطنات الواقعة تحت قبضة الاستعمار، أو السلاطين والأمراء، الواقعين تحت الحماية البريطانية، "فما كانت تكتبه في تلك الفترة الصحف العدنية حول الدستور لليمن والمطالبة بإلغاء النظام الإقطاعي والحكم الفردي والظلم في تلك البلاد كان يُقرأ في لحج، فخلق وعياً دستورياً وشعوراً بالجور وأملاً في العدل" [محمد علي لقمان، "قصة الدستور اللحجي"، ص149، "الأعمال المختارة"، جمع وإعداد د. أحمد علي الهمداني، طبعة أولى، 2005م].

ولم تكن ثورة 48 استبدال إمام بإمام، أو أسرة بغيرها، كما ينظر بعض الدارسين لهذه الحركة السياسية، وذلك من خلال احتفاظ الحاكم الذي جاءت به بمصطلح الإمام. 

فالميثاق الوطني المقدّس استهدف تغيير منظومة سلطوية، والانتقال من سلطة تستند على دعاوى الحق الدّيني في السلطة والحكم، وعلى مبررات، ومسوّغات مذهبية، إلى سلطة دنيوية، تقوم على عقد بين الحاكم والشعب.

قاد فشل ثورة فبراير 48 إلى كارثة على الأحرار، حيث تم اقتياد قادتها إلى المشانق والسجون، والتشرّد في أصقاع المعمورة، وفقدت اليمن بذلك خيرة رجالها على يد الطاغية أحمد، فعلّقت أعناق المستنيرين على الأعواد، واكتظت السجون الإمامية بالعلماء، والمفكّرين، والأُدباء، والشعراء، وعاش من تبقّى منهم في المنافي مطاردين وملاحقين.

لقد كان يقين الأحرار، وهم في ساحة الموت، يواجهون سيف الجلاد، بأن ثورتهم لم تهزم. فحين سيق أبي الثورة والدستور، الثائر الشهيد أحمد بن أحمد المطاع، إلى ساحة الإعدام، رفع رأسه، وقال: 

أيها الناس احفظوا عني هذه الكلمة:

"إن الطاغية سيقتلني اليوم، ولكنه لن يستطيع أن يقتل فكرة الحق والحرية والدستور، ولن يستطيع أن يقتل الشعب والأمة" [محمد عبدالله الفسيل "نحو النور"، ص 159].

ورغم أن الطاغية أحمد استطاع أن ينتصر في تلك الجولة بالسيف، والبندقية على الأحرار، لأسباب عديدة، لكنه لم يتمكّن من هزيمة فكرة الدستور، والحق، والحرية، كما قال الشهيد المطاع.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.