مقالات

"فبراير" التي أثمرت "سبتمبر" (3)

08/03/2022, 11:19:32
بقلم : محمد صلاح
المصدر : خاص

خلال الإعداد لثورة الدستور 1948م، جرى نقاش حول فكرة الجمهورية في صنعاء، وإن كان خافتا، وقد طرحه بعض من رجال الثورة، إلا أن هناك تيار عارض هذه الفكرة، كما دعا إليها بعض الكُتاب على صفحات إحدى الجرائد، الصادرة في مدينة عدن، خلال الشهر الذي قامت فيه الثورة.

في الندوة التوثيقية لثورة سبتمبر، التي عقدها مركز الدراسات والبحوث اليمني في صنعاء، عام 1981م، تطرّق الحديث فيها حول بدايات التفكير في إلغاء نظام الإمامة، وإقامة النظام الجمهوري.

وقد تطرّقت ردود عدد ممن حضروا الندوة، من رجال ثورة 48، وأعضاء تنظيم الضباط الأحرار الذين فجّروا ثورة سبتمبر،  وأعلنوا قيام النظام الجمهوري، وألغوا نظام الإمامة القروسطي، حول بدايات التفكير بإقامة نظام جمهوري. وفي إجابته عن السؤال، قال القاضي عبدالسلام صبرة، أحد أبطال ثورة الدستور، والأب الروحي لأعضاء تنظيم الضباط الأحرار: "في الحقيقة بدأ التساؤل عن إمكانية إقامة نظام جمهوري كبديل متقدّم قبل قيام ثورة 48، إذ كان البعض من رعيل ثوّار حركة 48 يطرحون ضرورة الإطاحة بالإمامة وإقامة نظام جمهوري، ولكن كانت الأكثرية ترى أن الظروف يومئذ، وطبيعة البلد، لا تسمح بالانتقال من الإمامة إلى الجمهورية، وذلك لغياب الوعي عند الغالبية العظمى من الشعب الذين لا يدركون حتى معنى كلمة الجمهورية" ["ثورة 26 سبتمبر - دراسات وشهادات للتاريخ"، ص135، 136، الكتاب الأول، إعداد وتوثيق مركز الدراسات والبحوث اليمني، الناشر مركز الدراسات، طبعة ثانية، 2013م].

ويبدو من النقاشات والآراء، التي طُرحت في الندوة، أنه خلال الإعداد للثورة، والإطاحة بالإمام، كان الأحرار يرون أن فكرة قيام النظام الجمهوري هي سابقة لأوانها، وكان "ممثل هذا الاتجاه المرحوم حسين الكبسي الذي كان يردد دائماً أن الجمهورية لم تهضم حتى في البلدان العربية المتقدّمة التي مرت بمراحل كثيرة، وذاقت مرارة الاستعمار، وأخذت قسطاً من الثقافة، ومن ثمة فإن إبدال إمام بإمام دستوري، إمام يعمل لإصلاح الشعب هذه هي الخطوة التي لا بد منها" ["المصدر نفسه"، ص136].

نجد في إجابة القاضي صبرة -رحمه الله- وفي رأي المعارضين داخل الحركة، أن الأحرار لم يكن لديهم رفض لقيام النظام الجمهوري، بل كانوا يرون التدرج في ذلك من نظام دستوري، وسلطة مقيّدة، والاحتكام إلى عقد مكتوب، يسلب الحاكم تفرّده بالسلطة، واحتكاره للثروة، هو المقدّمة والركيزة الأساسية التي يمكن الاستناد عليها، والانطلاق إلى إقامة النظام الجمهوري.

وبمقابلة ذلك النقاش الخافت، بين دوائر قيادات الحركة في صنعاء، حول قيام النظام الجمهوري، جرى نقاش مرتفع، وأكثر حِدة، وتم عرضه للرأي العام في مدينة عدن، وقد ظهر في مقالين على صفحات جريدة "فتاة الجزيرة"، التي كانت تُصدر في المدينة، وتعد من أهم الصحف اليمنية التي ناصرت قضية الأحرار، واحتضنت الحركة منذ وصول رجالها إلى عدن، فكانت الصوت الذي نطق بلسانهم، حتى صدور صحيفة "صوت اليمن"، الصادرة عن الأحرار، وقد استمرت "فتاة الجزيرة" مؤيّدة للقضية اليمنية ومطالب رجالها، وكان رئيس تحريرها الأستاذ محمد علي لقمان، وهو من الروّاد الأوائل للتنوير في اليمن، يعد واحدا من قادة الأحرار، ودُعاة الثورة الدستورية.

تشير عناوين المقالتين، التي نشرتا على صفحات "فتاة الجزيرة"، في النصف الأول من شهر فبراير 1948، إلى أهمية وضرورة النظام الجمهوري، وتطلُّع اليمنيين إليه.

وقد نُشر المقال الأول قبل قيام الحركة الدستورية بأسبوعين، في العدد 406، بتأريخ 1 فبراير 1948 بعنوان "فكرة الجمهورية تكتسح صنعاء اليمن"، وكاتبه ينتقد بصورة صريحة فكرة استبدال إمام بإمام، وكان دافعه لكتابة المقال أنه سبق قيام الحركة انتشار شائعة تفيد بموت الإمام، وتولّي عبدالله الوزير الإمامة، ونشرت الصحف حينها تلك الإشاعة، كما نشرت بنود الميثاق الوطني المقدّس، وقد أظهر الكاتب استغرابه، ورفضه، لتعيين إمام بدل الإمام، بينما الناس تنتظر قيام نظام جمهوري، فهو النظام الذي يتطلّع إليه اليمنيون، وفكرة قيامه هي الفكرة المسيطرة على الناس في صنعاء، وذلك بحسب ما أورده الكاتب في المقالة، حيث قال: "والفكرة السائدة في صنعاء هي فكرة الجمهورية اليمانية، وقد عجب الناس أشد العجب لتعيين إمام جديد لليمن بمجرد انتشار الإشاعة بوفاة الإمام يحيى -حفظه الله- كأنّ أبناء اليمن لم يشبعوا بحكم الفرد.... أي فرق أن يكون الإمام من بيت حميد الدين أو من بيت الوزير أو من أي عائلة أخرى" [د. سلطان ناجي، "دور فتاة الجزيرة في أحداث صنعاء 1948 ص59"]، والحقيقة أن مسألة التغيير، الذي هدفت إليها ثورة الدستور، لم تكن استبدال إمام بإمام، بل الانتقال من حكم ثيوقراطي، إلى ملكية دستورية.


ويؤكد كاتب المقال على رغبة اليمنيين في إقامة النظام الجمهوري، وهي دعوة متقدمة، وتفوق بمراحل إقامة نظام ملكي، فيقول: "إننا نريد الجمهورية، ونريد أن ينتخب الناس رئيسها ورجالها، وتعترف بالأحزاب السياسية" [المصدر نفسه]. ومثل هذا الطرح، وتناوله في أشهر جريدة يمنية حينها، يشير إلى أن قطاعا من اليمنيين -خلال الإعداد لثورة 48- كانوا يتطلّعون لإقامة نظام جمهوري، وكانوا يتناقشون ويتبادلون الرأي حول طبيعة النظام الذي ينشدونه، ويفاضلون بين الأنظمة الملكية والجمهورية، وأن عقد الخمسينات لم يأتِ إلا وفكرة الجمهورية كانت حاضرة في الذهن، ولم تكن جديدة على المجتمع، لكنها بعد فشل محاولات تغيير النظام في 48، وفي 55، استطاعت أن تتوسّع، وتصبح الخيار الرئيسي لكل التيارات، وتنتشر بين قطاعات يمنية واسعة، وخصوصا في أوساط القبائل التي كانت تعد قاعدة قيام الإمامة. غير أن صاحب المقالة أعلاه، رغم دعوته إلى ضرورة قيام النظام الجمهوري، ورفضه لحكم الأسر، طالب في نهاية مقالته، وقد اتضح له عدم موت الإمام يحيى، بدعوته للأخير "أن يوصي بهذه الجمهورية، أو يؤسسها بنفسه في حياته، فيسجل له التاريخ هذا العمل الجليل" [المصدر السابق].

وكانت مطالبة الإمام طفرة في الأمنيات، وأمر دونه خرط القتاد، فالإمام  يحيى كان على استعداد لقطع الرقاب، والأعناق، لكل من يدعوه إلى إصلاح أحوال البلاد، فكيف بمن يطالبه بتسليم السلطة للشعب، وهو يرى بأنها حق منحها الله لهم، بل إن ولي عهده أحمد هدد الأحرار في تعز بسبب قراءتهم للكُتب العصرية بالموت، وأنه يريد أن يلقى الله وسيفه مخضّب بدمائهم.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.