مقالات

فبراير التي أثمرت سبتمبر (4)

15/03/2022, 14:23:37
بقلم : محمد صلاح
المصدر : خاص

جاءت ثورة 1948 الدستورية بتظافر وجهود النُّخب اليمنية في الشمال والجنوب، التي بدأت منذ ثلاثينات القرن العشرين، عبر مطالباتهم للإمام يحيى، ودعوته إلى إصلاح الأوضاع في اليمن، والاهتمام بالتعليم، وتحديث الجهاز الإداري للسلطة، حيث كان الأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنج، رئيس نادي الإصلاح العربي في عدن، قد بعث إلى الإمام نصائح يطالبه فيها بالإصلاح، وأرفق مع خطابه نصائح لبعض روّاد النهضة في العالم العربي. 

بدأت العلاقات بين المستنيرين والمثقفين في اليمن ظاهرة وواضحة منذ الثلاثينات، وقد كانت الخطوة الأولى بين الأستاذ النعمان في الحجرية والأستاذين لقمان والأصنج في مدينة عدن، حيث ساعد الأخيرين الأول في إنشاء النادي بذبحان، وقام لقمان بإرسال صِيغة وأدبيات برنامج النادي، الذي يُشرف عليه في مدينة عدن، إلى النّعمان، وقد تم ذلك عبر الأستاذ محمد أحمد حيدرة، الذي تلقّى تعليمه في عدن، ثم انتقل للتدريس في المدرسة التي أسسها النعمان في تعز، كما سعى الأصنج إلى إرسال المناهج الحديثة إلى المدرسة، إضافة إلى تهريب الكُتب والمطبوعات الجديدة لكتّاب النهضة.

وفي الوقت ذاته، كان الشهيد المطاع أحد قادة ثورة 48، وأبرز المخططين لقيامها، والمحرك الأول لها في مدينة صنعاء، على علاقة قوية بالأستاذ الأصنج أحد روّاد التنوير اليمني في مدينة عدن، والتنسيق فيما بينهما، حول قضايا الإصلاح، والتغيير في اليمن، كما قام المطاع بزيارة الثاني إلى مدينة عدن، كما يقول العزي صالح السنيدار في مذكراته، وهو من رفاق الشهيد المطاع.

وفي مدينة عدن، بعد وصول مجموعة من الأحرار إليها من أبناء الشمال، وتشكيل حزب الأحرار، ثم الجمعية اليمانية، فإن النُّخب العدنية، وقادة التنوير في المدينة كانوا جزءاً من الحراك الوطني، وكانت الجرائد العدنية، ومن أهمها صحيفة فتاة الجزيرة - كما أوضحنا في المقالات السابقة -، تعبّر عن القضية اليمنية، وتطلّعات أبناء اليمن.

وقد جاء المقال الثاني، الذي تطرق إلى الدعوة لقيام نظام جمهوري في اليمن - بخصوص المقال الأول يمكن مراجعة المقالات السابقة - في العدد 407، بتأريخ 8 فبراير 1948، في جريدة فتاة الجزيرة، قبل قيام الثورة بأسبوع، تحت عنوان "الجمهورية مطلب شعبي يماني وحل طبيعي لمشكلة الجزيرة"، كانت نبرته أرفع من سابقه، وأوضح حُجة، حيث أورد الكاتب الأسباب التي تجعل خيار النظام الجمهوري أفضل من سواه.

وقد أكد صاحبه أن رغبة اليمنيين تنحصر في قيام نظام جمهوري يمني ".. وكيماني عليم بشؤون بلادي وقومي أحب أن أؤكد لكم أن رغبة الأمّة تنحصر في قيام جمهورية يمانية دستورية، لأن الدوائر المطلعة في اليمن تعلم حق العلم ألاّ فائدة ولا صلاح لليمن بغير جمهورية" [المصدر السابق ص60].

تؤكد هذه المقالات على أن فكرة الجمهورية كانت حاضرة في نقاشات اليمنيين، وخطاباتهم، وتطلّعاتهم، وقد أورد صاحب المقال الأخير عدداً من الأسباب لتفضيل النظام الجمهوري، على ما عداه، ساقها كالتالي:

1- إذا ما بويع إمام يتولّى مملكة اليمن يسهل عليه أن ينقلب على الأمّة، ويسلط عليها العذاب.

2- إن البيعة هي سوار حديدي، لأن الشعب عادة لا يستطيع أن يقاوم الإمام إذا برهن الإمام على أنه ظالم.

3- إن العصر عصر حكم الشعب لا حكم الفرد المطلق.

4- إن الجزيرة العربية مثلنا قد قاست من أمرائها وسلاطينها كل عبث، وعنت، واضطهاد.. لقد عاش أباؤنا تحت حكومات إقطاعية سلبهم أمراؤهم حقوقهم وأملاكهم وأرواحهم" [المصدر نفسه]. 

عادت فكرة الجمهورية للظهور بصورة أوسع لدى الأحرار بعد فشل الثورة، حيث تم التطرّق إليها خلال نقاشاتهم في السجن، ومراجعاتهم لأسباب الفشل، كما يؤكد الحوار السياسي المكتوب الذي أداره الشهيد محمد أحمد نعمان عام 1952م، مع الأحرار الذين زج بهم الإمام بعد انتصاره عليهم في سجونه، حيث طرح الأستاذ محمد أحمد السياغي خيار النظام الجمهوري في أي تحرك قادم، باعتبار "أن خير نوع من الحكم في الحال الحاضر هو الحكم الجمهوري، الذي يباشر الشعب الحكم فيه بنفسه. ولكن العقبات بالنسبة إلى ما نعرف كثيرة وكأداء، فلم تبلغ أمتنا الحد الذي تستسيغ معه الحكم الجمهوري، ولا الحد الذي تهضم فيه النظام الجمهوري طفرة وسنة التطور تفضي بالتدرج من نظام إلى نظام حتى تستقر على نظام ثابت مستقر"، [محمد أحمد نعمان، "من وراء الأسوار"، ص56].

بعد فشل حركة 1955، بادر تلامذة الروّاد الأوائل لثورة 48 نحو الدعوة إلى قيام الجمهورية، والتبشير بها ونشرها جماهيريا، وكان الشهيد محمد أحمد نعمان أول من تبنّى ذلك، بشهادة الأستاذ محمد الفسيل، وسعى "لنشر فكرة الجمهورية" ["ثورة 26 سبتمبر دراسات وشهادات للتاريخ"، ص 139، مصدر سابق] في صحف المعارضة في مدينة عدن بشكل جدي، ثم تبناها الاتحاد اليمني.

 ولم تأتِ أواخر الخمسينات إلا وفكرة الجمهورية أكثر توهجا، ليس لدى المثقفين في المدن، بل وفي أوساط القبائل اليمنية، ومشائخها الذين تأثروا بزعامات الأحرار، ونهلوا من ثقافتهم في السجون. 

وكان أول تحرك يستهدف إزاحة الإمامة، وإقامة النظام الجمهوري، هي انتفاضة عام 1959م، التي قادها الشهيد الشيخ حميد بن حسين الأحمر، وقد تم التحرك بالتنسيق بينهم، وبين الأحرار، كما يؤكد ذلك الشهيد محمد أحمد نعمان.

وكان القاضي السياغي -بحسب شهادته في ندوة مركز الدراسات والبحوث اليمني- قد أكد أنه عرض مشروع فكرة قيام النظام الجمهوري على الشيخ حسين بن ناصر الأحمر، وذلك عام 1952، حيث كان الإمام قد سمح له بالخروج للتنزه لمدة ساعة خارج السجن، وكان رأي الأحمر بأنه: "لكي تنجح الحركة فلا بُد أن يتولّى القيادة أحد الأحرار".

وقد تحققت تطلّعات اليمنيين لإقامة نظام جمهوري على أيدي أبطال الكليات العسكرية، عبر تنظيم الضباط الأحرار الذي فجر ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، وأعلن قيام الجمهورية، وألغى الملكية.

مقالات

الثأر السياسي.. وهم الانتصار وجدلية التغالب في اليمن

اليمنيون لن يعبروا «المضيق» على حد وصف كبيرنا، طالما أن حاضر كل جيل من الأجيال المتعاقبة محكوم بفكرة الثأر السياسي التي يتم تناقلها وجدانياً في ذهنية الحكام والمكوّنات والنخب السياسية المتغالبة، مثلها مثل تناقل الجينات الوراثية بين الأبناء والأحفاد، وهكذا دواليك هو تاريخنا السياسي الحديث والمعاصر مع لغة الثأر السياسي في اليمن.

مقالات

جنرالات عُكفة ومعلمون أبطال!

في اليمن قادة وجنود عسكريون شرفاء، سطروا أسماءهم في جبين الدهر، قاتلوا عن شرفهم العسكري واختاروا أن يكونوا في الجانب الصحيح من التأريخ، "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"؛

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.