مقالات

فبراير.. وتجديد الثقة

02/02/2021, 07:16:51
بقلم : محمد صلاح

جاءت ثورة الشباب، في فبراير 2011م، لتعيد للناس الأمل والحلم بقيام الدولة المدنية، والتعبير الحقيقي والفعلي للروح اليمنية، التوَّاقة للسلام، وتحقيق المواطنة المتساوية، التي تكفل لليمنيين العدالة، وتمنحهم الأمان والطمأنينة، وتعيد بناء الدولة اليمنية الحديثة.

لقد استطاعت الجماهير الشعبية، وفي طليعتها قوى الثورة الشبابية، ووهج أفكارها، ورؤيتها للتغيير، أن تمنح المجتمع التقليدي في اليمن، الذي أنهكته قرون الاحتراب والاقتتال، الآلية العصرية لممارسة السياسة خارج نطاق الاصطفافات القبلية، والتضامنات المناطقية، والتعصبات المذهبية التاريخية الكارثية، وهذا ما يفسّر تلقف اليمنيين -بمختلف مشاربهم، ومناطقهم- أدوات الثورة الشبابية، وسرعة انتشار ثقافتها في أوساطهم، كآلية ترسم خطوط المستقبل بأقل الخسائر.

من المؤكد أن الخروج الشعبي والجماهيري، في أكثر من 19 ساحة في مناطق اليمن المختلفة، شكّل حالة فريدة، ومشهداً عظيماً لشعب - تنخره الأميّة ويعم فيه الفقر، ويستظل كل فرد فيه تحت ظلال السلاح- استطاع أن يتقدم بوعيه الحاد على وعي نخبه وقياداته الثقافية، والسياسية، في استخدام أدوات التغيير الاجتماعي.

وما قامت به القوى المتحالفة ضد مستقبل اليمن، التي ضمت جماعات المصالح (العسكرية والقبلية والمناطقية والمذهبية) المرتبطة بعلي عبدالله صالح من جهة، ومليشيات الحوثي ومن يرتبط بها من جهة ثانية، هي تشنجات اللحظة الأخيرة، وهي في أحيان كثيرة شبيهة بحالة الجنون. فالانقلاب، الذي قادته للتصدي لخيارات اليمنيين التي أجمعوا عليها في بناء الدولة اليمنية، وما نتج عنه يثبت أنه أقصى ما يمكن أن تصل إليه، وأن مستقبل هذه القوى بات خلفها، بينما المستقبل معقود في الأهداف التي رسمتها ثورة فبراير 2011، مهما أصابها من عثرات أو انتكاسات، فالتاريخ لا يرجع إلى الوراء، وإن كان يسير في خطوط متعرّجة، إلا أنه يتقدم باستمرار، مهما كانت خطواته بطيئة.

نحن أمام قوى تدرك ما الذي تريده، مشدودة في اللحظة الراهنة بتحالفات مصيرية للإمساك بالسلطة التي فلتت من قبضتها، بفعل ثورة فبراير ٢٠١١م، التي غيَّرت المفاهيم السياسية للحكم، وأعادتها إلى مجراها الطبيعي في اليمن، وبدأت بفعل الوعي، الذي خلقته داخل المجتمع، تفكك كل التصورات العقيمة والدميمة، التي نشأت حول السلطة، وأمسكتها لفترة ليست بالقصيرة.

تدرك قوى الثورة المضادة في الداخل، ومن يقف خلفها من الخارج، مهما اختلفت أجندتهم، أن عملية التغيير لمنظومة الحُكم، التي صنعتها جماهير الشعب في تلك اللحظة التاريخية الفارقة من عام ٢٠١١م، إذا واصلت مجراها لن تعود إليها نهائيا، وهي في الوقت ذاته تدرك - هذه القوى ومن معها - أن بقاء الوضع القائم، واستمرار الحرب قد يمكِّنها من إقناع اليمنيين بالرضوخ للمشاريع العدمية. 

إن اليمنيين، ومن خلال تجربتهم التاريخية المتراكمة في السياسة، سيظلون متحفِّزين لتحقيق غاياتهم في بناء الدولة ذات السلطات المحددة، والضامنة لتحقيق التقدّم في جميع مناحي الحياة، مهما غالبوا من صعوبات، أو واجهوا من تحدّيات. 

إن شواهد التاريخ السياسي القريب لليمنيين يؤكد حقيقة ذلك، فلم يتراجع أحرار 'ثورة 48' عن مبادئهم والقيود في معاصمهم، والسيوف على أعناقهم، وبسبب ثباتهم ظلت الانتفاضات تتوالى حتى تفجّرت ثورة 'السادس والعشرين من سبتمبر' الخالدة.

فما جرى بعد ثورة 'الدستور' في فبراير 1948، رغم المآسي والنكبات التي حلّت بالأحرار، وبالشعب اليمني بعد انتصار الإمام أحمد، لم يدفع اليمنيين إلى الاستسلام، بل واصلوا النضال، واستمرت الانتفاضات والتحرّكات، حتى اقتلع الشعب الأسس التي تقوم عليها سلطة الإمامة، وغيّر منظومة الحكم بالكامل، وقد استجاب الشعب للثورة التي تدفقت من شعاب الأحداث الماضية، لأن الهدف كان يصبّ في مصلحة الوطن بأكمله، ولأن النّخب، التي قادت التحرّكات حتى انفجرت ثورة 'سبتمبر' المباركة، كانت صادقة، ولم تكن متخاذلة.

سيفضح التاريخ الأطراف التي ظلت تنظر إلى أن بناء الدولة في اليمن يشكل خطراً، ليس عليها وإنما على امتيازاتها، وستعرف الأجيال من الذي استمر عائقاً في طريق الحلم اليمني، وستدرك الأجيال من القوى هي التي توالت على مرّ القرون تستنزف طاقات المجتمع الخلاقة، وتفرغها في الصراعات العبثية. فالتاريخ منذ عقود قليلة في اليمن لم يعد حكراً على جماعات بعينها تكتبه، وتختصره بما يخدم نزعاتها، ونزواتها التسلطية، وتضغط اليمن ذات العمق الحضاري الضارب في أعماق الزمن في سلسلة من الأنساب لا يتعداها.

وسيفضح التاريخ أن ما يجري في البلد هو محاولة مستميتة من قوى داخلية، تمدّها قوى أجنبية، بهدف هزّ ثقة أبناء اليمن في تطلعاتهم للتغيير، وبناء دولة يمنية مستقرّة، وضرب قناعاتهم في نظام التعددية السياسية، والانضواء خلف الأحزاب، والبرامج السياسية، من أجل إخضاع المجتمع، وإرغامه على التخندق، والتمترس وراء الهياكل العظمية، وتحت رايات العدمية، والولاءات الضيّقة، ما قبل الوطنية، والالتحاق خلف جماعات مهووسة بالسلطة، والسيطرة.

لقد تعرّضت الجمهورية، خلال عمرها الممتد لنصف قرن، للعديد من النكبات، ونزلت بها الكثير من المصائب، وخاض أبناؤها في صراعات دموية، وعدمية، خلفت وراءها الكثير من المآسي، لكن الطعنة النجلاء، التي سددت إلى نحرها وقلبها، هي بقاء حاكم على رأس السلطة لمدة ثلث قرن، وجاء الانقلاب في الحادي والعشرين من سبتمبر المتحالف مع بقايا تلك السلطة دليلا واضحا على الضعف والإنهاك الذي أصاب روح الجمهورية، الأمر الذي يؤكد أن ثورة فبراير كانت ضرورة لاستعادة ألقها وتوثبها، من خلال إصلاح الخلل والعطب الذي أصاب السلطة، والذي يتعارض مع أهداف وروح الجمهورية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.